صراعات النفوذ في "جغرافية المعازل"

e-mail icon
صراعات النفوذ في "جغرافية المعازل"
خليل شاهين
مقالات
-
الأربعاء, 22 تموز (يوليو), 2015

غدا تعبير "انقلاب على الشرعية" عملة رائجة في الخطاب الفلسطيني الرسمي ووسائله الإعلامية، لكنها عملة مزيفة يصعب تداولها، فليس هناك انقلاب ولا شرعية أصلاً.

سطع نجم "خطاب الانقلاب" -المتجدد بين فينة وأخرى- منذ تبادل سلطتي "حماس" في قطاع غزة، و"فتح" في بقايا "الضفة الغربية"، الاتهامات بالانقلاب على "مصادر شرعية" فصّلها كل طرف على مقاسه.

في مقابل ذلك، كان الانقسام يستمد "شرعنة" استمراره وتعمقه من مصدره الأساسي المتمثل في بقاء الأمر الواقع على حاله بفعل السياسة الإسرائيلية في تجزئة المجزأ وتقسيم المقسّم عبر حصار وفصل قطاع غزة، وإعادة تشكيل دور ومهمات السلطة في بقايا الضفة كوكيل لسلطة الاحتلال، مع ضمان التحكم في منسوب أي تهديدات للمنظومة الحالية للسلطة، سواء من داخل "فتح"، أو من "حماس" غير القادرة على ممارسة الحكم في الضفة.

وكنت قد كتبت، في نهاية تشرين الأول 2010، "قراءة في مشهد فلسطيني مهشم"، لا سيما بفعل نتائج مسار اتفاق أوسلو، الذي كان إبرامه، في حد ذاته، تعبيراً عن تكيّف "السياسة" في نطاق "جغرافيا المعازل"، قبل أن توغل في تفكيك المفكك، وتقسيم المقسم، كعنوان لممارسة سياسية سائدة لا تقوى على إعادة تجميع أجزاء الجسم الفلسطيني، فتمعن في فعل التفكيك بلا هدى، في انتظار أن ينتهي بمعجزة إعادة التركيب، والنتيجة: تهشيم المشهد الفلسطيني العام.

وتهشم المشهد يطاول كل الحقول والميادين: الجغرافيا، الديموغرافيا، الاقتصاد، الثقافة، الفكر، بنية المجتمع، والسياسة أيضاً. لكن الأخيرة ذات بعد أشد خطورة، ففي نجاعتها أو إخفاقها تكمن العلاقة السببية مع مدى تقدم أو تراجع الانهيار في باقي الحقول والميادين. ذلك أن فقدان البعد الوطني الجمعي في السياسة، يفضي إلى مزيد من التفكك، فيما يؤدي تفكك المبنى السياسي العام نفسه إلى خطورة تدنو من الكارثة الوطنية.

في ظل هذا الوضع المهشم، تتفكك السياسة ذاتها على مقاس أصحاب المصالح ضمن تحالفات بين أقطاب السياسة والاقتصاد والأمن، لتتصارع في مجتمعات أو تجمّعات الفلسطينيين، سعياً وراء تعظيم مواقع القوة والنفوذ في "معازل وغيتوهات" تبدأ من قطاع غزة، مروراً بالضفة الغربية، وربما ليس انتهاء بتجمعات الشتات.

عند هذه اللحظة في صناعة الانقسام الفلسطيني، انتهت وظيفة أوسلو إسرائيلياً، وانفتحت وظيفته فلسطينياً، فتم تفكيك المفكك أصلاً، من طرفي الصراع الداخلي بامتداداته الإقليمية والدولية، وانتقل الطرفان من استعصاء المحاصصة السياسية إلى انفتاح أفق المحاصصة الجغرافية على واقع مقسم جاهز بفعل السياسة الإسرائيلية لتقديم الولاء للسلطات المحلية الأكثر قوة ونفوذاً.

في سياق هذا الصراع على مواقع القوة والنفوذ، يضمحل دور القيادة المركزية الموحدة، سواء على مستوى السلطة المنقسمة، أو منظمة التحرير المغيّبة، وتصبح العقبة الأولى أمام تجسيد طموحات المتنافسين على مواقع النفوذ هي المؤسسات القوية الموحدة، والصلاحيات المحددة القائمة على الفصل بين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية.

كما يصبح العدو الأول، هو تنامي دور الأحزاب والنخب السياسية والمنظمات الأهلية والاتحادات والنقابات والشباب ووسائل الإعلام المستقلة. بل ويصبح الانقلاب الحقيقي هو الانقلاب على فرص التوافق الوطني التي يمكن أن تفتح الطريق لمراجعة المسار ووقف حالة التراجع في مكانة القضية الفلسطينية واعتماد استراتيجية وطنية شاملة قادرة على إعادة بناء الكيان التمثيلي الواحد، والقيادة الوطنية الموحدة، ومواجهة تقدم المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني العنصري.

أما التمظهرات العملية للصراعات الداخلية، فتأخذ أشكالاً عدة، سواء في الضفة أو القطاع، في مقدمتها الإقصاء السياسي للمؤسسات والقوى والخصوم، واستدعاء المؤسسات وفق منظوماتها القائمة في الضفة أو القطاع، حسب الحاجة، بدءاً من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، مروراً بالحكومة، والكتل البرلمانية، وصولاً إلى المحاكم والنيابة العامة والأجهزة الأمنية، عندما تكون هناك حاجة لتوظيفها كأدوات لإقصاء الخصوم تحت شعارات حماية "الشرعية" من "مؤامرات انقلابية"، أو صيانة "السلم الأهلي" في مواجهة مخططات إثارة "النعرات الطائفية" أو تهديد "الأمن والاستقرار" الذي ينعم به الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال.

كان الفلسطينيون، أخيراً، على موعد مع ثلاث محطات متزامنة، تشير إلى خطورة الأساليب التي تستخدم في الصراع على مواقع القوة والنفوذ، وهي الحجز على أموال مؤسسة "فلسطين الغد" التي يترأس مجلس إدارتها سلام فياض، والذي تم رفعه بقرار من المحكمة العليا، وقرار محكمة الاستئناف بتأييد قرار محكمة الفساد بشأن عدم رفع الحصانة البرلمانية عن محمد دحلان، ومن ثم تداعيات إقالة أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ياسر عبد ربه من منصبه.

وهذه الأمثلة الثلاثة لا تشير إلى طي صفحة في الصراع الداخلي بقدر تدشينها مرحلة أشد خطورة في الأشهر القليلة القادمة. إذ يعتقد أن محاولات إقصاء هؤلاء الخصوم ليست سوى إجراء استباقي، يمهد لمرحلة حاسمة في الصراع الداخلي على اليوم التالي لغياب الرئيس، عباس، عن المشهد السياسي.

أي أن الصراع الداخلي، بما سوف يرافقه من اصطفافات واستقطابات وتحالفات، مرشح للتصاعد في حالة تثبيت قرار عقد المؤتمر العام السابع لحركة فتح في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر القادم.

كما يتوقع بالتزامن مع ذلك، استمرار الترويج للبضاعة ذاتها بشأن "مؤامرات انقلابية" ضمن خطاب يفتقر للأدلة والبراهين، ولتماسك الرواية قبل ذلك، من قبيل الحديث، في آن واحد، عن مخطط حمساوي لتكريس انفصال القطاع عن الضفة من خلال "دويلة غزة"، وعن مخطط حمساوي آخر للانقلاب في الضفة، بحيث لم يعد المواطن يعرف ما إذا كانت "حماس" تريد غزة وحدها أم مع الضفة؟!

ولعل الغائب الأكبر عن هذا الصراع الداخلي بين "فتح" و"حماس"، وكذلك الصراع على "خلافة" الرئيس ومراكز النفوذ، هو البرنامج السياسي الذي حاول عبد ربه إعادة لفت النظر إليه في رسالته للجنة التنفيذية للمنظمة عبر الاعتراف الصريح بأن الخطة السياسية، التي كان أحد أبرز أقطابها منذ أوسلو حتى الآن، "فشلت فشلا ذريعاً وتاماً"، وتذكيره بأن من يقوم بالانقلاب الفعلي على السلطة ورئاستها "هو حكومة المحتلين وأذرعها الاستيطانية والعسكرية، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر إدارة، الجنرال يوءاف مردخاي، الاحتلالية، والمسماة الإدارة المدنية، التي تسلب صلاحيات السلطة كل يوم، وتسطو على ما تبقى من مسؤولياتها تجاه شعبها لتحولها إلى هيكل فارغ لحكم ذاتي محدود وهزيل تمهيداً لإقامة نظام تقاسم وظيفي دائم بين السلطة وإدارة الاحتلال".

وعلى الرغم من جرأة اعتراف عبد ربه بفشل مسار أوسلو، تبقى المشكلة أن دعوته اللجنة التنفيذية إلى عقد سلسلة اجتماعات من أجل "إنقاذ مشروعنا الوطني .. وإيجاد الدعائم والروافع لتجديد هذا المشروع وحمايته"، تبدو صرخة في واد عميق، إذ تتجاهل المفارقة الأبرز التي تضعف إمكانية تحقيق ذلك، حيث إن هناك كياناً شرعياً للشعب الفلسطيني معبراً عنه في منظمة التحرير، لكن قيادته فقدت شرعيتها وقدرتها على التجديد وتفتقر لإرادة التغيير، وإن نقطة البداية هي اضطلاع الإطار القيادي المؤقت بدوره في وقف مسار الانهيار المتواصل على طريق تجديد القيادة ومؤسسات المنظمة عبر انتخابات للمجلس الوطني، حيث أمكن وبالتوافق حيث يتعذر ذلك
 

نقلًا عن "العربي الجديد".