عائشة عودة/ أدب المقاومة: جائزة ابن رشد للفكر الحر 2015

e-mail icon
عائشة عودة/ أدب المقاومة: جائزة ابن رشد للفكر الحر 2015
فيحاء عبد الهادي
مقالات
-
الأحد, 13 كانون اﻷول (ديسمبر), 2015

تحية لمؤسسة «ابن رشد للفكر الحر»؛ التي تواصل نضالها لثبيت قيمة الحرية، في ميادين الفكر كافة، من خلال تسليطها الضوء هذا العام 2015؛ على أوضاع المعتقلين/ات الفلسطينيين والعرب، حيث خصصت جائزتها، لكاتب عربي، أو كاتبة عربية، «أنتج في مجال أدب السجون، ويحفز بإنتاجه المكتوب باللغة العربية، على نقاش عام وواسع حول السجون والقمع وانتهاك الحريات، والكشف عن أوضاع السجناء السياسيين، ويعزز من خلال عمله قيم الحرية والكرامة الإنسانية في العالم العربي».

وتحية لها على منحها الجائزة الأولى هذا العام، 2015، للكاتبة الفلسطينية «عائشة عودة»، عن سيرتها الذاتية بجزأيها: «أحلام بالحرية»، و»ثمناً للشمس»، والجائزة الثانية التقديرية لكل من «مصطفى خليفة» من سورية عن روايته «القوقعة: يوميات متلصص»، و»أحمد المرزوقي» من المغرب عن روايته «تزممارت: الزنزانة رقم 10»؛ لتربط بين القهر والقهر، والحرية والحرية، مهما تنوعت أساليب القهر، وتغيرت صورة الجلاد.  

أما تاريخ تسلم الجائزة؛ فقد حرصت المؤسسة، ومنذ تأسيسها العام 1998؛ أن يكون متوافقاً مع ذكرى وفاة المفكر العربي العقلاني، الفيلسوف ابن رشد، الذي حوكم بتهمة الزندقة، وصدر الحكم الظالم بإدانته وإحراق كتبه، في الطبيعة والفلك والفلسفة، في العاشر من كانون الأول من العام 1198. هذا التاريخ الذي صدر فيه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في العام 1948.

*****

وبينما تسعى مؤسسة مثل «ابن رشد للفكر الحر» إلى ترسيخ قيم الحرية والعدل والكرامة الإنسانية، من خلال تخصيصها جائزة تعلي من شأن حرية التعبير والفكر في العالم العربي؛ تنتهك العديد من الأنظمة العربية كرامة الإنسان العربي، من خلال مصادرة الحريات، والاعتقال السياسي، والتعذيب، والمنع من السفر، على امتداد الوطن العربي.

أما دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ فهي تواصل، وبشكل همجي غير مسبوق؛ تكريس منهج الإرهاب والقهر، من خلال سياسة الإعدام الميداني، والقنص، والاعتقال السياسي بشكل عام، واعتقال الأطفال بشكل خاص، واحتجاز جثامين الشهداء، وهدم البيوت، وسياسة العقاب الجماعي، ومصادرة الحريات.

*****

كتبت المناضلة «عائشة عودة» عن تجربة اعتقالها، بعد ثلاثة وثلاثين عاماً، من تاريخ الاعتقال. كتبت وفي وعيها الزمان والمكان والأحداث والشخوص، الذين لا تزال ذكراهم/ن طازجة في ذاكرتها.

ومن خلال البوح؛ لا تؤرخ المناضلة لتجربتها السياسية فحسب؛ بل تؤرخ للتجربة السياسية والاجتماعية والثقافية، لمجموعة من المناضلات والمناضلين الفلسطينيين، في السجون الإسرائيلية.

ويلفتنا وعي «عائشة» بضرورة كتابة تجربتها بقلمها: «وأدركت أن من لا يروي روايته بنفسه، فإنه يسمح لآخرين صياغتها على هواهم»، خاصة حين تذكر أن أحد الأسباب التي دفعتها للكتابة، هو ما يجري من تقليل من شأن تجربة المرأة الفلسطينية في السجون الإسرائيلية، ومن إصدار الأحكام الذكورية ضدها: «صدمت حين وقع بين يدي كتاب لأحد الإخوة، الذين أمضوا فترة طويلة في السجن. وكان قد أصدر كتاباً عن تجربة الاعتقال. وتفاجأت أنه تعرض لتجربتنا، نحن الفتيات، وأوجزها في صفحة تقريباً، كتجربة هزيلة، وبصفتنا لم نتمتع بوعي سياسي، أو تنظيمي، ولم نكن نعرف أولوياتنا!».

على امتداد السيرة؛ نلمس وعياً نسوياً وإنسانياً، لدى «عائشة»، يتحدى السلطة الأبوية بأشكالها كافة، ويؤمن بمبدأ المساواة والعدالة والحق: «ها أنا أقف مع ابن عمي على قدم المساواة، وأتخذ قراراً يعاكس قراره مائة وثمانين درجة». «أصمدي يا عائشة. كوني نموذجاً للصمود. فليس الرجال أكثر صموداً من النساء!». «منذ ذلك الحين سكنني رفض مطلق لمنطق التمييز ذاك. وتحوَّل الرفض إلى معركة دائمة أديرها بصمت وبشكل تلقائي بيني وبين المنطق الذي يجعلني أقل قيمة وأكثر عبئاً من الولد أو الرجل لكوني فتاة.

من خلال ضمير المتكلم؛ تسترجع الكاتبة تجربة الاعتقال، منذ بداياتها، مبيِّنة أنها توقعت الاعتقال، وأخذت قرارها بالمواجهة، على العكس من قرار بعض رفاقها، الذين آثر بعضهم/ن الاختفاء، وآثر بعضهم/ن الهرب إلى الأردن.

ومن خلال تجربتها، وذكرياتها عن الماضي البعيد؛ يتعرَّف القراء إلى قصص إنسانية عديدة، فيها المعاناة وفيها الصمود. قصة تعذيب المناضلات: «عبلة طه»، و»رسمية عودة»، و»مريم الشخشير»، و»بشير الخيري»، وإبعاد «عبلة طه» إلى الأردن، وقصة صمود «لطفية الحواري»، و»سارة جودة»، أثناء التحقيق. وقصص رفيقات السجن: «حياة عبيدو»، و»ليلى عودة»، و»عزية وزوز»، و»سامية الطويل، و»عائدة وليلى قمري»، و»حنان عسلي»، و»انتصار بسيسو». 

ومن خلال ذكرياتها عن الماضي الأبعد؛ يتعرَّف القراء إلى قصص استقرَّت في الذاكرة، وساهمت في تشكيل وعي صاحبة السيرة. قصة خالتها «عيشة الشلبي»، وزوجها «حسين زيدان»، من دير ياسين، وقصة ابنتهما زينب، وقصة «مريم الطبجي»، وغيرها وغيرها، من القصص التي هزت وجدان الطفلة، وحفرت عميقاً في تلافيف الذاكرة.

تميَّزت السيرة بصدقها، وشفافيتها، وصراحتها؛ ما أكسبها موقعاً متميزاً في فن السيرة الذاتية. كشفت «عائشة» عن معاناتها الجسدية، والنفسية، جرَّاء التعذيب، وعن العوامل التي دفعتها إلى الكشف عن بعض ما تعرف من معلومات، ثم روت قصة تحررها من الإحساس بالذنب، بعد أن قرَّرت أن تصمد، وأن تتحدى، مهما كان الثمن، وأن تحتمل صنوفاً متعددة من التعذيب اللاإنساني: «كان القرار ناصع الوضوح، أخرجني من دائرة الخوف إلى دائرة التحدي. استبسلت، وإرادتي كانت مطلقة، وأصبح لصمودي معنى».

«لا لن يحصلوا على أية تفاصيل مهما صغرت بعد الآن».

من خلال اعتراف المناضلة بنقاط ضعف إنسانية؛ حرَّرت نفسها من عذاب لاحقها طويلاً؛ فتحرَّرت روحها وصفت وانطلقت.

*****

أيا عائشة:

من خلال توثيق ذكرياتك؛ ساهمتِ في إعادة صياغة التاريخ من وجهة نظر النساء.

أضمّ صوتي إلى صوتك، في التأكيد على الأهمية القصوى لتوثيق تجربة الأسرى:

«هذا الاحتفال يفتح نافذة مطلة على العالم لأسرانا البواسل في سجون الاحتلال الصهيوني وكتاباتهم. ويؤكد أن النضال في مواجهة الظلم والعدوان والقمع مهما صَغُرَ، لن يضيعَ سدى. وأن كتابته واجب إنساني».

وأرفع صوتي معك عالياً للمطالبة برفع حكم الإعدام، الذي صدر بحق الشاعر أشرف فياض، والمطالبة بالحرية لأسرى الحرية في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وأسرى الحرية في السجون العربية.

 

faihaab@gmail.com

www.faihaab.com