على أبواب أوروبا تنهزم قيم وتنتصر أخرى

e-mail icon
على أبواب أوروبا تنهزم قيم وتنتصر أخرى
مهند عبد الحميد
مقالات
-
الثلاثاء, 15 أيلول (سبتمبر), 2015

ما حدث للمهاجرين السوريين على ابواب اوروبا، وضع النقاط على الحروف، وذلك حين اوضح الفرق الجوهري بين المبادئ ومنظومات القيم الاخلاقية والانسانية كنصوص وبين تطبيقاتها وترجماتها في الواقع.  
وإذا كان موقف النظام الدولي من القضية الفلسطينية (انهاء الاحتلال الكولونيالي الاسرائيلي وتمكين الشعب الفلسطيني من ترجمة حقه في تقرير مصيره) قد حكمت عليه بالافلاس السياسي والاخلاقي ووضعته في موقع الراعي والمدافع والمتواطىء مع أطول احتلال في العصر الحديث. فإن موقف النظام الدولي من محنة الشعب السوري التي مضى عليها اربع سنوات ونيف قد حكم عليه بالافلاس الاخلاقي والانساني.
 باختصار،  تخلى النظام الدولي عن مسؤولياته المنصوص عليها في ميثاق الامم المتحدة، تخلى وهي الدفاع عن حق الشعب السوري في الحماية، وعن حقه في الحياة في وطنه. وظل شاهد زور على المجازر وحرب التدمير والتطهير المذهبي والطائفي، وصراع النفوذ الاقليمي والدولي. تخلى النظام الدولي عن مسؤوليته في وقف الحرب الاهلية وفي وقف التدخلات الخارجية، وفي ايجاد الحلول السياسية التي تعيد الامن والاستقرار لسورية  وتمكن شعبها من اختيار نظام الحكم الذي يرغب فيه بحرية ودون أي إكراه. خلافا لذلك تعايش النظام الدولي مع حالة الصراع المفتوح الى مدى زمني غير معلوم دافعا الشعب السوري الى المجهول والى حالة من فقدان الامل بحل سياسي في مدى قريب ومتوسط.  
  استمر نزيف الدماء السورية، واستمر التدمير والتشرد.  استمرعشرات بل مئات الالاف  من التلاميذ بدون مدارس داخل وخارج سورية، وأعداد مماثلة بلا عمل ومصدر رزق، وجموع متعاظمة بلا بنية تحتية تلبي الحد الادنى من العيش الادمي. حالة مأساوية ترافقت مع انسداد سياسي كامل، دفعت عشرات آلاف السوريين للبحث عن تلك المقومات في الدول «المدافعة عن حقوق الانسان وعن الحريات والمساواة والتعدد الثقافي والديني» ذهبوا يبحثون عن دول العالم الحر. عبروا البحار في قوارب الموت التي كان بعضها يتحطم على شواطىء اوروبا وعلى مقربة من جزيرة لامبيدوزا تحديدا.  لم يردعهم موت الالاف ولا مناظر الاطفال والامهات تتقاذفهم امواج البحر وهم غرقى. وعبروا الحدود، بعضهم استخدم البرادات التي افقدتهم حياتهم وأحالتهم الى «مفرزات». وواصل من بقي على قيد الحياة سيرهم ليحتشدوا على الحدود، أمام السياجات الحدودية وفي محطات القطار، متحملين اساليب قمع وصد النظام الحر.  
 على ابواب اوروبا وفي مياهها الاقليمية مات الآلاف من الاطفال والنساء والشبان غرقا وهم يبحثون عن مكان آمن، على ابواب اوروبا وفي معسكرات أقيمت على عجل، يحتشد عشرات الالاف -  توقعت الامم المتحدة أن يصل عددهم الى 850 الفا حتى نهاية 2015 – وكانت الدول الاوروبية قد استقبلت حتى نهاية 2013 نحو 50 الف سوري وتضاعف العدد بعد عام، وفي العام 2015 بلغ عدد طلبات الهجرة لدول الاتحاد الاوروبي 210 الف طلب. ووضعت دول الاتحاد خطة لتقاسم 160 الف لاجىء. 
وبفعل اللاجئين تعيش دول اوروبا ازمة  سياسية حادة هي الاولى من نوعها بعد الحرب العالمية الثانية، فثمة دول تجاهر بمعاداتها للاجئين امثال هنغاريا الذي قال رئيس حكومتها : «لا نريد سكانا يغيروننا ويغيرون طابعنا القومي والديني» . وهذا يعني أن الدول المعادية للاجئين وأوروبا عموما  تتبنى تعريف القومية على اساس عرقي ديني، وترفض الرؤية التي تقول بأن الامة تتماسك من خلال التطلعات  والمعاناة والمصالح المشتركة كما هو الحال في التجربة الاميركية التي تحظر إنشاء دين للدولة ولا تفضل دينا على آخر ولا تفضل معتنقي  الاديان على اللا دينيين، وفي نفس الوقت فإن القانون الاميركي لا يسمح بأن تشارك المجموعات الدينية الدولة في وظيفتها التشريعية. 
 الاوروبيون المصابون «برهاب الاجانب» الذين يزدادون عددا وتأثيرا،  وقد نجحوا مؤخرا في دفع المانيا  الى إغلاق حدودها امام اللاجئين، وهي التي استعدت لاستيعاب 800 الف لاجىء، وخصصت موازنة بقيمة 6 مليارات دولار لدعم اللاجئين. دول وقوى التعصب القومي  ومن ضمنها إسرائيل» التي تشاطرهم إغلاق الابواب امام اللاجئين وتخشى من تدفقهم  ليملأوا البلاد وينضمون الى من يكرهون اسرائيل «، هؤلاء جميعا  يدفعون اوروبا «للتخلي عن قيمها وتراثها الانساني الذي يتهاوى امام اعيننا» كما يقول هنري ليفي. ويزعم هؤلاء بأن أوروبا تتعرض «لخطر برابرة متوحشين» «جاءوا لتدميرنا» و»لسرقة دافعي الضرائب» و»سيتحول مهاجرو اليوم الى ارهابيي الغد». 
هذا الموقف العنصري كان له تاثير على الموقف الرسمي الاوروبي وذلك عندما « وقفت اوروبا متفرجة على غرق اللاجئين ولم تحرك ساكنا ضد عصابات ومافيات التهريب التي كانت تتاجر باللاجئين وترسلهم في قوارب الموت ليلاقوا مصيرهم ( الموت). «الامتناع عن الانقاذ وترك اللاجئين يغرقون كان انحدارا اوروبيا  نحو اللا انسانية» كما يقول الكاتب الالماني هربرت برانتل. ويتناقض مع القيم والتراث الانساني الذي قبض الاتحاد الاوروبي ثمنه سابقا  بالحصول على جائزة نوبل للسلام. لكن  حامل الجائزة وقف متفرجا على غرق اللاجئين.
الاتحاد الاوروبي كجزء اساسي من النظام الدولي، أدار الظهر لحماية الشعب السوري على ارضه وفي وطنه، سواء عبر ايجاد حل سياسي للصراع او من خلال العمل على تأمين الحماية عبر الامم المتحدة. وهو الان يقف حائرا ومرتبكا أمام مئات آلاف اللاجئين. ويبالغ في الخطر والتغيير الذي يترتب على عملية الاستقبال والاستيعاب، علما ان دولا كالاردن ولبنان استقبلت ربع وسدس عدد سكانها من اللاجئين واضافتهم الى بنيتها التحتية الضعيفة اصلا ولم تتذمر الدولتان العربيتان جراء تدفق اللاجئين. كما ان تركيا تستوعب ما يقارب المليونين لاجيء سوري وتتحكم في تنظيم وجودهم. الاتحاد الاوروبي فعل العكس وما زال يتخبط في مواقفه بين وضع كوتا استيعاب تطبق على كل دول الاتحاد، وبين تضخيم مخاطر اللاجئين، فضلا عن وضع شروط  قبول تستغرق وقتا طويلا. المواقف الاوروبية المتخبطة وضعت دول الاتحاد في ازدواجية معايير ، جعلته ينكشف اكثر ويبدو متناقضا مع منظومة القيم التي صدرها للعالم. الموقف الاوروبي السلبي بالاجمال لا يجعلنا ننكر المواقف الانسانية المريحة والمشجعة أولا التظاهرات المؤيدة لللاجئين التي عمت الدول الاوروبية، والتبرعات والمساعدات السخية التي قدمتها المجتمعات المدنية. وموقف السويد حكومة وشعبا  التي تحملت مسؤوليتها الانسانية والاخلاقية بمبدئية لافتة. 
Mohanned_t@yahoo.com