على كل غودو أن يحضر سريعا، بل وسريعا جدا!

e-mail icon
على كل غودو أن يحضر سريعا، بل وسريعا جدا!
زكريا محمد
مقالات
-
الجمعة, 8 آيار (مايو), 2009

نحن الآن واقفون على المفرق ننتظر غودو.

خيار الماضي، خيار الرئيس عباس، انتهى.

انتهى، ولا مجال للعودة إليه. هذه حقيقة يجب أن لا يكون حولها أي شك.

الرئيس موجود لكن خياره انتهى. وهو موجود لأن الخيارات الأخرى لم تتبلور بعد؛ خيارات الرجال وخيارات السياسة.

ماتت سياسة من دون أن يتبلور غيرها. مات عهد من دون أن يولد عهد جديد. عناصر هذا العهد تتبلور في أذهان الناس بوضوح، لكن الوضع الفلسطيني الداخلي لا يساعد على المولد الرسمي للعهد الجديد. فتح خائفة، ولا تستطيع أن تحسم أمرها في ظل الظرف الدولي والعربي وأن تبلور جديدا.

هي تنتظر، ونحن ننتظر.

هي تخشى أن أي حركة ما قد تصب الماء في طاحون حماس. لكنها خشية مبالغ فيها. حماس لا تستطيع ان تقود. حماس تربك وتضغط لكنها غير مؤهلة لقيادة شعب. لا تستطيع ذلك. وتجربة السنوات الماضية أثبتت أنها لن تقود، بل وأن من الخطر أن تقود.

لكن وقوف فتح طويلا على المفرق قد يؤدي إلى دمارها.

لا نحن ولا هي نستطيع الانتظار طويلا من أجل وصول غودو.

وغودو يا أصدقاء قد يكون في السجن، ويخرج في صفقة شاليط.

لكنه قد يكون في لجنة فتح المركزية خارج السجن.

أو أنه قد يكون مؤلفا من واحد في السجن ومن اثنين خارجه. يعني ترويكا.

لكن عليه ان يأتي سريعا.

على فتح ان تعزم أمرها. الماضي انتهى. انتهت سياسته ورجاله. لا يمكن البكاء عليه، ولا البناء عليه. لا يمكن ترجي الرئيسس لكي يعدل عن قراره. فليس هو من اتخذ القرار. الحقائق على الأرض هو التي اتخذ القرار. فهي التي أثبتت بطلان سياسته. يمكن الطلب إليه ان يبقى حتى ترتيب الأمور لمجيء غودو الجديد، لكن ليس أكثر من ذلك. لا يمكن إبقاء رمز لسياسة انتهت. سياسة أوصلتنا إلى الدرك الأسفل من الجحيم.

ندرك بالطبع أن كل الخيارات الجديدة صعبة. بل وصعبة جدا. فما أفرزه أوسلو يجعل كل قرار جمرة تحرق اليدين. فما الذي سنفعله مثلا ب 80 ألف رجل أمن؟ نعم ثمانون ألف رجل أمن لشعب تحت الاحتلال! وقس على ذلك. لكن لا مفر أمامنا، على غودو الجديد، الحقيقي، ان يجيء.

تعرفون، كان الرئيس عباس هو غودو الذي أحضره لنا جورج بوش على وعد أن نحصل على شيء. لكننا لم نحصل على شيء. قال لنا بوش: هذا هو غودو الموعود، إن قبلتموه ستحصلون على دولة، وإن لم تقبلوه سأدمركم.

وقبلناه.

لكننا لم نحصل على دولة. حصلنا على مستوطنات، وعلى مفاوضات لا نهاية لها. مفاوضات كانت تتم في بيت شارون المصادر قرب الحرم القدسي، وفي بيت أولمرت. أي والله العظيم، مفاوضات داخل بيتيهما!

غودو هذا لم يكن غودو. وها هو على وشك الرحيل.

ونحن في انتظار غودو الحقيقي الآن.

غودو الذي لن يحلف لنا بالطلاق أن الدولة ستأتي عام 2008.

غودو هذا سيقول لنا: اسمعوا، لا أريد أن أمنّيكم ولا أن أوهمكم. الدولة لن تأتي خلال سنة أو سنتين، ولا خلال خمس سنوات. لكي نحصل على دولة مستقلة ينبغي حصول تعديلات في موازين القوى. وهذه مسألة بحاجة إلى وقت طويل. لكن هناك مؤشرات على أن الأمور تتغير لصالحنا على المدى المتوسط والبعيد. فأمريكا التي منعتنا من حقوقنا تتراجع، وإسرائيل تتأزم. وبما ان الدولة ليست قريبة جدا، فإن علينا ان نبني أنفسنا على أساس كفاح هادئ وطويل. يجب ان لا ننهك شعبنا بالانتفاضات المتواصلة ولا بالعمليات الانتحارية. كما يجب ان لا نوهن عزيمته بمفاوضات لا نهاية لها في بيت شارون أو اولمرت أو تسيبي ليفني. لا، يجب ان نحافظ على طاقتنا من خلال مقاومة هادئة محسوبة تستنفر طاقات الشعب كله، ويجب ان نطرد كل من يوهمنا بدولة قريبة عبر المفاوضات. العالم يتغير ببطء، ونحن قادرون على الانتظار.

هكذا سيقول لنا غودو.

هو بشكل ما سيقول لنا كما قال تشرشل للبريطانيين. فهو لم يعدهم بالزهور بل بالكفاح، وبالدم والدموع. غودو خاصتنا سيحاول أن يقلل الدموع إلى أقصى حد. أن يقلل الدم المسفوك إلى ابعد حد. لكنه لن يعد بأنه لن تكون هناك دموع، ولن يكون هناك دم. هو سيعد بكفاح مديد رشيد ومدروس. وسيرمي أوهام كبراء المفاوضين في سلة الزبالة.

غودو هذا قد يكون في السجن، أو خارج السجن. وقد يتشكل من توليفة من داخل السجن وخارحه. لكن بيانه السياسي صار معروفا منذ الآن. وهو بالتأكيد ليس بيان الرئيس عباس، ولا يشابهه. هذا البيان صيغ على أرض الواقع في الشهور الأخيرة، وعلى الأخص بعد انتفاضة غولدستون.

يعني غودو سيجيء لكي ينفذ بيان الناس، لكي يحاول العبور بنا إلى سياسة جديدة، مهما كانت مصاعب هذا العبور.

وتحن بانتظار مجيئه. بالطبع نحن لا ننتظر ساكتين، بل نحفر على الصخر بيان العهد الجديد الذي سيلتزم به.