عن التغيير الفلسطينيّ الذي لم يعد ترفاً

e-mail icon
عن التغيير الفلسطينيّ الذي لم يعد ترفاً
راسم المدهون
مقالات
-
الخميس, 23 حزيران (يونيو), 2016

معضلة الطريق المسدود الذي وصلته وتقف أمامه القيادة الفلسطينية منذ زمن طويل وجدت أخيراً اعترافاً صريحاً بها من صفوف القيادة ذاتها. هكذا نفهم المحاضرة التي قدمها وزير الخارجية الفلسطيني السابق السيد ناصر القدوة، والتي كرسها لطرح مجموعة من المقترحات السياسية للخروج من الأزمة.

لا نشك لحظة في إيجابية ما قدمه القدوة ونجاعته في تحقيق الهدف المنشود منه، أو على الأقل قـــسط وافر منه، ومع ذلك نعتـــقـــد أن المسألة لا تتعلق بالجانب السياسي النظري وحسب (على أهميته)، ولكن أساساً وبالدرجة الأولى بفاعـلية الأداء الفلسطيني وقــــدرته على تجاوز وهنــه المعهود والانطلاق بحيوية مختلفة.

مهم بالتأكيد أن يضع القادة الفلسطينيون إصبعهم على الجرح، وأن يلامسوا جوهر المأزق من أجل تجاوزه، لكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه هنا في صورة لا مهرب منها يتعلق بالتنفيذ، أو بمعنى أكثر تحديداً بالجهة أو الأداة التنفيذية التي يراد منها النهوض بتحقق تلك المهمات الكبرى.

نعرف في السياسة عموماً أن المهمات الوطنية الكبرى تنهض بها الشعوب، لكن هذا التحديد العام والفضفاض يتبعه بالضرورة أن الاقتناع بأن الشعوب تفعل ذلك بقيادة نخبها السياسية المؤهلة والقادرة على أن تكون أولاً صاحبة المبادرات الحية وما تحمله من حلول واقتراحات برامج، وتالياً التي يمكنها الانطلاق من علاقة وشيجة بالشعب وقواه السياسية الحية بمختلف توجهاتها وأشكال وعيها.

هنا بالذات تبدو المعضلة الفلسطينية الراهنة كأداء صعبة الحل، أقله في المدى المنظور، استناداً الى الحال الذي وصلته أدوات العمل السياسي من خراب شبه شامل يدفعنا كما غيرنا الى اليأس من الأطر والمؤسسات الراهنة، بل أكثر من ذلك يجعلنا نعترف بأن تلك الأطر والمؤسسات ليست جزءاً من الحل بل هي جزء أساس من المأزق، وهي ذاتها تحتاج الى من يعينها على الوقوف على أقدام ثابتة بعد أن غرقت تماماً في خراب الفساد واللافاعلية. الحديث عن التغيير هو بالضرورة عن النخبة، وبهذا المعنى يبدو التغيير في حاجة الى روح أخرى ينهض بها أبناء الأجيال الجديدة.

نستطيع هنا أن نتفاءل بوجود الروح اليقظة والفاعلة والمستعدة للتضحية واحتمال المعاناة، ولعلَ ما تشهده فلسطين من عمليات فردية ضد الاحتلال دليلنا الساطع على وجود تلك النخبة وحتى على حيويتها، لكن الحاجة تتحدد في القدرة على تصويب مبادراتها. فنحن نحتاج الى ما يتجاوز الأعمال البطولية الفردية، والمتفرقة ويرتقي بالرغبة في مقاومة الاحتلال الى مستويات فاعلة وقادرة على الاستمرار من خلال التحول الى سياسة نامية ولها برامجها. هي بمعنى آخر مسألة مزدوجة تستهدف مواجهة الاحتلال ومواجهة فساد المؤسسات السياسية الفلسطينية، ولعل أول ما ينبغي الانتباه اليه في تلك المواجهة هو الكف عن فكرة "تطوير" أو إصلاح الفصائل والأحزاب السياسية، فذلك لن يكون سوى مضيعة للوقت وهدر للطاقات الشعبية خارج دائرة الفعل والفاعلية.

هناك بالتأكيد، وفي كل الفصائل والأحزاب، من لم تطُلْهم جرثومة الفساد، لكننا نتحدث هنا عن المؤسسات ككيانات سياسية ذات مستويات قيادية معروفة وراسخة، بل عن برامجها التي شاخت وباتت منذ زمن طويل أقرب ما تكون الى مؤسسات لإدارة الخراب واستثماره لمصلحة فئات محددة لا علاقة لها بالمصالح الحقيقية للشعب الفلسطيني وطموحاته في دحر الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني.

نعرف أنها قضية كبرى ولا تتوافر لها راهناً أدوات النجاح، لكننا نؤمن بالدرجة نفسها أنها مسألة لا بد منها ولا يمكن تحقيق أية إنجازات وطنية قبل تحقيقها. فمواجهة الاحتلال، بل مواجهة الاختلال الفادح في ميزان القوى الفلسطيني ومن معه من العرب والعالم مع ذلك الاحتلال وحلفائه ومؤيديه لا يمكن لعاقل أن يتصور إمكانية مجرَد الحديث عنها بالأدوات القديمة والتقليدية التي تنتمي لماض بات سحيقاً يكاد المرء يتذكره بصعوبة.