"فتح" و"حماس" بين إدارة الانقسام وأسس الشراكة السياسية

e-mail icon
"فتح" و"حماس" بين إدارة الانقسام وأسس الشراكة السياسية
ابتهال شراب، حكمت المصري، حمزة أبو شنب، هديل أبو نحل، هناء صلاح، يحيى قاعود
تحليل سياسات
-
الأربعاء, 25 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2017

(تأتي هذه الورقة ضمن إنتاجات الملتحقين/ات في البرنامج التدريبي "إعداد السياسات العامة والتفكير الإستراتيجي" 2017).

مقدمة

أخفقت كافة جولات المصالحة بين حركتي فتح وحماس، التي عقدت داخلياً وخارجياً في إنهاء حالة الانقسا، بدءاً باتفاق مكة العام 2007، مروراً باتفاق القاهرة العام 2011، وصولاً إلى اتفاق الشاطئ العام 2014. ومنذ تشرين الاول الجاري، ترعى جمهورية مصر العربية المصالحة الفلسطينية بين الحركتين على أساس توحيد مؤسسات السلطة وتمكين حكومة الوفاق الوطني من حكم قطاع غزة.

يرجع سبب فشل إتمام المصالحة الفلسطينية في أحد جوانبه إلى الحوارات نفسها، ورؤية كل من "فتح" و"حماس" لمدى تلبية بنود اتفاقات المصالحة لمصلحة كل منهما. لذلك، بدت الحوارات أشبه بصفقات سياسية تفاهمية لإدارة الحكم، وليست جولات حوار معمق لتأسيس الشراكة السياسية، وتطوير منظمة التحرير لتصبح مؤهلة لإعادة بناء وتحقيق المشروع الوطني الفلسطيني ومرتكزاته. فقد اقتصرت غالبية تلك الجولات على "فتح" و"حماس" من دون مشاركة القوى والفصائل الأخرى وممثلين عن المجتمع المدني والمرأة والشباب. ويضاف إلى ذلك تأثير العوامل الخارجية، ومن ضمنها تحول محاولات بعض الدول العربية لتقريب وجهات النظر بين "فتح" و"حماس"، في النهاية، إلى تدخل واصطفاف لصالح هذا الطرف أو ذاك.

لقراءة الورقة أو تحميلها ... انقر هنا

وكان لاختلاف البرامج السياسية للفصائل، بما فيها اختلاف إستراتيجيات النضال والعمل السياسي، تأثيره في تعميق الانقسام، إضافة إلى تعزيز الاحتلال له سياسياً وجغرافياً. لذلك، فإن من أبرز الدروس المستخلصة من فشل جهود إنهاء الانقسام، أن استمرار تجاهل الحوارات القائمة لأهمية الاتفاق على البرنامج السياسي الوطني العام ووسائل تطبيقه، لن يفضي إلى النجاح في بناء الوحدة الوطنية. فالاتفاق دون تطبيق يبقى حواراً ينتهي بانتهاء الاجتماع حتى وإن تم التوقيع على وثيقة مصالحة، فقد وقعت الفصائل على وثيقة الوفاق الوطني العام 2006 لكنها بقيت حبراً على ورق دون أن يساهم ذلك في إنهاء الانقسام.

ويصعب تحقيق اختراق جدي باتجاه إنهاء الانقسام بإجراء مزيد من الحوارات بين "فتح" و"حماس" دون التغلب على مسببات الانقسام ومعالجتها، بدءاً بإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية، بما فيها المنظمة والسلطة، والتوافق على البرنامج السياسي العام من قبل كافة الفصائل والقوى ومؤسسات المجتمع المدني، فالشراكة هي السبيل الوحيد لإنهاء الانقسام ومنع تطوره إلى انفصال، أو إعادة إنتاجه من جديد.

 

المشكلة

إن تطورات الانقسام رغم المحاولات العديدة لمعالجته، تضعنا أمام مراجعة تلك المعالجات والكشف عن الخلل القائم، حتى نتمكن من طرح سياسات عامة قادرة على معالجة المشكلة وتقديم حلول لها. إذ تكمن المشكلة الرئيسية في الانقسام في تجاهل الحوارات بين "فتح" و"حماس" للمتطلبات الرئيسية التي يشكل توفرها عماد الوحدة الوطنية، إذ لا يمكن تشييد بناء من الأعلى وتجاهل البدء في وضع أساساته. لذلك، فهي لا تؤدي إلى توافق وطني شامل بين مكونات الحقل السياسي الفلسطيني على المشروع الوطني ومرتكزاته، والتوافق حول البرنامج السياسي العام لتحقيق أهداف المشروع الوطني، وكذلك أسس الشراكة السياسية، وإنما تنتهي الحوارات بخطوط عريضة بين الحركتين، وفي أحسن الأحوال تتراضى الحركتان على حالة من إدارة الانقسام في بعض المؤسسات الحكومية المدنية.

إن الخلافات الفلسطينية تزداد تعقيداً بسبب اختلاف البرامج الحزبية وإستراتيجياتها السياسية والنضالية، وبالتالي يعيد استمرار الخلافات إنتاج الانقسام وحالة الاحتقان وتبادل الاتهامات من جديد مع أي تطور للأحداث السياسية يمس قضية فلسطين وشعبها، في ظل غياب البرنامج السياسي العام الساعي لتحقيق المشروع الوطني على أسس الشراكة السياسية الحقيقية لكل مكونات الحقل السياسي الوطني. وعليه، تطرح الورقة معالم إستراتيجية فعلية مبنية على خطوات عملية لتحقيق الشراكة السياسية بين القوى والفصائل الفلسطينية، لا سيما "فتح" و"حماس".

من خلال تتبع تطورات الانقسام الفلسطيني ومحطاته، وإخفاقات الحوارات والنقاشات السابقة لإنهائه، نستطيع رصد أبرز أسباب الانقسام على النحو الآتي:

 

أسباب داخلية

أولاً: تتميز الفصائل الفلسطينية بالاختلاف الأيديولوجي وتنوع الإستراتيجيات السياسية والنضالية، وهذا يؤدي في النهاية إلى نهج في العمل الفصائلي مختلف ومتناقض أحياناً في مجابهة المشروع الصهيوني، في ظل غياب البرنامج السياسي العام، ويفتح الباب على مصراعيه للتأويل والتخوين والتفرد بالمشروع الوطني للفصيل المسيطر على السلطة السياسية.

ثانياً: اقتصار جلسات الحوار على حركتي فتح وحماس، أي حوارات تركز على أشكال من المحاصصة على السلطة، وليس بناء مشروع وطني وبرنامج سياسي وطني تُجمع عليه مكونات الحقل السياسي الفلسطيني.

ثالثاً: غياب الإطار الفلسطيني الجامع لكل مكونات الحقل السياسي المعبر عنه في منظمة التحرير بعد إعادة بنائها، بمشاركة الجميع على أسس ديمقراطية تشاركية وتعددية، فهي بحاجة إلى تطوير وتفعيل على قاعدة إعادة بناء المشروع الوطني ومرتكزاته، وكذلك تحديد العلاقة بين السلطة والمنظمة كمرجعية وطنية عليا بعد تشابك وتداخل الصلاحيات فيما بينهما، بل تغول السلطة على المنظمة ودورها.

 

أسباب خارجية

أولاً: الاحتلال الإسرائيلي له دور كبير في تعميق الانقسام الفلسطيني، جغرافياً وسياسياً. فقد رسم الاحتلال المخططات والسياسات الإجرائية اللازمة لإتمام هذا الانقسام وتعميقه، ويعمل بكل قوة لمنع إتمام المصالحة الفلسطينية التي يعتبرها تهديداً لإستراتيجيته القائمة على تجزئة الشعب الفلسطيني وتقسيم أرضه، وتصفية قضيته، وإقامة "إسرائيل الكبرى".

ثانياً: التجاذبات الخارجية، الإقليمية والدولية، التي ساعدت طرفي الانقسام على الاستقواء بمواقف ودعم أطراف خارجية لتعزيز موقفهما في حوارات المصالحة بطريقة ساهمت في إطالة عمر الانقسام. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة أيضاً إلى شروط اللجنة الرباعية الدولية التي عادت كل من إسرائيل والإدارة الأميركية لتوظيفها كعقبة في طريق جهود المصالحة الحالية.

 

الأهداف

ترمي الورقة إلى تحقيق الأهداف الآتية:

  • طرح حلول وبدائل للقوى والفصائل الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، تكون قادرة على إنهاء الانقسام انطلاقاً من إعادة بناء المشروع الوطني الجمعي ومرتكزاته، والتوافق على أسس البرنامج السياسي الوطني.
  • تقديم مقترحات لإعادة بناء الثقة والتوافق الوطني بين القوى والفصائل الفلسطينية، وإنهاء الهيمنة الحزبية الانفرادية لصالح شراكة سياسية حقيقية في المؤسسات الوطنية على مستوى المنظمة والسلطة.

 

المعايير

تنطلق الورقة من التمييز بين توحيد مؤسسات السلطة السياسية، والمصالحة الفلسطينية بمعناها الواسع، أي إعادة بناء الوحدة الوطنية على قاعدة التوافق على المشروع الوطني والبرنامج السياسي، الذي يخص جميع الفلسطينيين.

وترى الورقة أن المخرج الوحيد لإنهاء الانقسام وضمان عدم إنتاجه من جديد هي: الشراكة السياسية لكل مكونات الحقل السياسي ضمن الإطار الشرعي للشعب الفلسطيني معبراً عنه في منظمة التحرير بعد تطويرها.

إن الديمقراطية التوافقية والتشاركية التي تحافظ على الإطار الجبهوي في المنظمة هي المتوائمة مع الواقع الفلسطيني في مرحلة التحرر الوطني، وتسعفنا بالتحرك نحو إعادة بناء المشروع الوطني الجمعي. فهذه العملية التي توفر للقيادة والمؤسسات الوطنية الفلسطينية الشرعية الشعبية، وتمنح الشعب القوة اللازمة للصمود والثبات خلف قيادته.

وتتناول الورقة البدائل المتاحة فيما يتعلق بمسار الجهود لإنهاء الانقسام الفلسطيني وفق معايير محددة تحكمها، وهي:

  • معيار القبول: تطرح الورقة البدائل من حيث مدى قبولها لدى مكونات الحقل السياسي ومختلف قطاعات الشعب الفلسطيني، لا سيما لدى "فتح" و"حماس".  
  • معيار المنفعة والتكلفة: إن إمكانية الاتفاق على المشروع الوطني ومرتكزاته والبرنامج السياسي العام وإستراتيجية تحقيقه قابلة للتحقق، إذ إن الأهداف المرحلية للفصائل الوطنية متقاربة ضمنياً، وكذلك الثوابت الفلسطينية. ورغم تفاوت نسب تكلفة الخسائر لدى الأحزاب المتفردة في الحكم، إلا أن الشراكة السياسية تعني توحيد كافة القدرات الفلسطينية في مجابهة الاحتلال.
  • معيار الوعي الفلسطيني العام: يتفهم المجتمع الفلسطيني بكل أطيافه ومكوناته الاجتماعية أهمية المصالحة وإعادة بناء مشروع وطني جمعي، ووضع مرتكزاته الأساسية لمواجهة تعمق المشروع الصهيوني الاستعماري، والاتفاق على البرنامج السياسي العام وإستراتيجيته التحررية، بما يضمن تواجد الكل الفلسطيني في إطار سياسي واحد (منظمة التحرير) بعد تطويرها على أسس الشراكة السياسية بين كل مكونات الحقل السياسي الوطني.

 

البدائل السياساتية

تتداخل الأحداث والمتغيرات الداخلية والخارجية في ملف المصالحة الفلسطينية، وبالتالي نكون أمام بدائل أو سيناريوهات مفتوحة بشأن مصير الاتفاق الأخير في القاهرة، فإما النجاح، أو الفشل، أو استمرار الوضع القائم، ولكن وفق تقاسم وظيفي فئوي، أي تحقيق مصالحة "جزئية". وبالتالي نحن أمام ثلاثة بدائل:

 

البديل الأول: إعادة بناء الوحدة الوطنية

إن أزمة الانقسام الفلسطيني عميقة، ولذلك فإنها لا تعالج إلا من خلال الحوار. ورغم فشل الحوارات السابقة، لا بد من النظر بإيجابية إلى حوارات القاهرة التي انطلقت ثنائياً بين "فتح" و"حماس" الشهر الحالي، ومن المقرر أن تشمل يوم 21 تشرين الثاني القادم جميع الفصائل الموقعة على اتفاق القاهرة. ويتطلب توفر الإرادة الحقيقية لتتويج الحوارات الوطنية بتوافق شامل على مختلف الملفات، حتى إن بدأت العملية بمسألة توحيد مؤسسات السلطة ومعالجة أزمات قطاع غزة.

تبقى لغة الحوار الفلسطيني-الفلسطيني هي مفتاح إنهاء أزمة الانقسام، إلا أن الحوارات التي تقود إلى الشراكة السياسية لم تبدأ بعد. فهناك تغيير في صيغة الاتفاقات التي وقعت، ففي اتفاق القاهرة كان ينظر إلى القضايا كرزمة واحدة تنفذ وفق جداول زمنية متوافق عليها. أما العملية الحالية فتنطلق من مقاربة التنفيذ خطوة وراء أخرى دون توافق على خط النهاية، إذ اتُفق على تمكين الحكومة عبر تسلمها لمؤسسات السلطة، ومن ثم بحث كافة القضايا الأخرى.

حقق الاتفاق الأخير معنى جزئياً للمصالحة، وهو عودة الحكومة لإدارة مؤسسات السلطة المدنية بشكل خاص، وفي حال استمرار جلسات الحوار في القاهرة، نكون أمام فرصة لتحقيق اختراق باتجاه تحقيق المصالحة بمعناها الأشمل، أي إعادة بناء الوحدة الوطنية في مؤسسات المنظمة والسلطة، إذا توفرت متطلبات تحقيق هذه العملية على أسس الشراكة السياسية لكل مكونات الحقل السياسي، بما ينهي حقبة الهيمنة والتفرد في القرار الفلسطيني، سواء في الضفة أو القطاع.

يفتح هذا البديل في حالة توفر متطلباته الطريق أمام إنهاء الانقسام وإعادة بناء المشروع الوطني الجمعي، الهادف إلى توحيد الصف الفلسطيني وإقامة جبهة عريضة لمواجهة المشروع الصهيوني. ولذلك، فهو يعتبر البديل المفضل الذي يصون حقوق الشعب ويعيد بناء كيانه التمثيلي الموحد، والقيادة الواحدة، والبرنامج السياسي الموحد، ويلبي مصالح مختلف التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات، حتى إن كانت هناك عقبات تعترض اعتماد هذا البديل بصفته الخيار المفضل.

 

البديل الثاني: التقاسم الوظيفي والمحاصصة

عند مراجعة الحوارات السابقة بين "فتح" و"حماس" نجد أن مضمونها يسعى للمحاصصة في مؤسسات السلطة، وإن كان هناك حوار حول البرنامج السياسي العام ومنظمة التحرير، إلا أنه بانتهاء جلسات الحوار تنتهي بنودها معها، فالإرادة لم تتوفر بشكل جلي في تطبيق ما يتم الاتفاق عليه، وتتغلب المصالح الحزبية والتفرد والهيمنة على المصالح الوطنية وتأسيس شراكة سياسية.

إن التقاسم الوظيفي الفئوي بين الحركتين تحت مظلة حكومة واحدة قد يكون مصير الاتفاق الأخير، لأنه يجنب كلاً من الطرفين تحمل مسؤولية إفشال جهود المصالحة، ويبقي على مواقع قوتهما ونفوذهما في مؤسسات السلطة في القطاع، من خلال وجود موظفي الحركتين فيها. وهذه المحاصصة تشكل خطراً على السلطة التي تحكم وفق القانون، إذ إنها تخلق نوعاً من "ازدواجية السلطة" داخل كل مؤسسة مدنية وأمنية، الأمر الذي يهدد بمحاولة حسمها من هذا الطرف أو ذاك في مرحلة ما بطريقة قد تكون أشد كارثية مما حصل العام 2007. لذا، كان من الأجدر التوافق أولاً على معايير وأسس موجهة للجنة الخاصة بدمج وتنظيم أوضاع موظفي السلطة في القطاع بالتوافق الفصائلي دون تهميش، وعلى أسس تراعي الكفاءة والمهنية والاحتياجات الفعلية من الموظفين في كل مؤسسة.

 

البديل الثالث: العودة إلى مربع الانقسام

رغم توفر الدعم الشعبي والمؤسسي، ورغبة مؤيدي "فتح" و"حماس" بإتمام المصالحة، إلا أن مسار الفشل مطروح لاعتبارات عدة، أهما انشغال طرفي الانقسام بعملية تطبيق هدف تمكين الحكومة دون وجود فهم مشترك للتمكين وآلياته، واستمرار الإجراءات العقابية التي اتختها السلطة ضد القطاع غزة، إضافة إلى وجود ملفات عدة وقضايا خلافية، كقضية العلاقة بين سلاح كل من السلطة والمقاومة، والبرنامج السياسي القادم للحكومة في ظل تأجيل بحث قضايا تطوير المنظمة إلى ما بعد تسلم الحكومة مؤسسات السلطة في القطاع، فضلاً عن الضغوط الخارجية، وخاصة الإسرائيلية والأميركية، التي تحاول فرض شروط على مشاركة "حماس" في مؤسسات النظام السياسي على مستوى الحكومة والمنظمة.

إن فشل الجهود المبذولة هذه المرة لإتمام المصالحة قد تكون ذات تداعيات أكثر خطورة، فقد تتجاوز العودة إلى مربع الانقسام لتهدد بمخاطر تحوله إلى انفصال، كما أنها ستوجه ضربة قاسية لحالة التفاؤل النسبية في أوساط الفلسطينيين، وخاصة في القطاع، وستعمق أزمة الثقة بين الجمهور والقيادة والفصائل عموماً.

 

الخيار المفضل

إن البديل/السيناريو الأول هو المفضل، مع أنه الأصعب من حيث التطبيق. لذا، ترى الورقة أن تحويله من سيناريو إلى خيار يتطلب ما يأتي:

 

أولاً: التوافق على المشروع الوطني الفلسطيني

إن الشراكة السياسية بين الكل الفلسطيني لن تتم في إطار نظام سياسي موحد بمعزل عن إعادة تعريف المشروع الوطني. ففي مرحلة التحرر الوطني ليس هناك ما هو أثمن من الوحدة الوطنية أساساً للنهوض بالمهمة الوطنية الرئيسية، وهي التخلص من الاحتلال. عشر سنوات من الانقسام كافية للاقتناع بضرورة الانطلاق من إعادة بناء المشروع الوطني الذي يعيد بناء موقف وطني وشعبي جماعي يلتف حول أهداف مسيرة التحرر الوطني، ويساهم في تطوير الفكر السياسي الفلسطيني وبلورة ميثاق وطني يعبر عن مرتكزات النضال الوطني من أجل الحصول على الحقوق التاريخية والوطنية للشعب الفلسطيني.

 

ثانياً: التوافق على البرنامج السياسي العام والإستراتيجية الفلسطينية

إتمام المصالحة الوطنية دون الاتفاق على البرنامج السياسي العام القادر على شق مسار سياسي وكفاحي باتجاه تحقيق أهداف المشروع الوطني، يجعل من الاتفاق الجديد عرضة للفشل مرة أخرى. إن التوافقات الأولية بين "فتح" و"حماس" في القاهرة، مؤخراً، تعد أولى الخطوات نحو إنهاء الانقسام وبناء الشراكة السياسية على أساس برنامج سياسي توافقي، غير أن هذه الخطوات ليست هي المصالحة بحد ذاتها. وهو ما يستدعي توسيع الحوار حول البرنامج السياسي في هذه المرحلة ليشمل مشاركة جميع الفصائل ومختلف مكونات المجتمع الفلسطيني، وليس "فتح" و"حماس" فقط، بهدف التوصل إلى برنامج سياسي عام متفق عليه.  

ويعني الاتفاق على البرنامج السياسي توافق مكونات الحقل السياسي على تقديم إجابات عن الأسئلة التي تطرحها ملفات المصالحة الأكثر تعقيداً، مثل العلاقة بين سلاح السلطة والمقاومة، لأنه يحدد الأهداف وأشكال النضال المناسبة لتحقيقها حسب طبيعة المرحلة، وموازين القوى، وظروف كل من التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات. أي أنه يحدد برامج العمل السياسي والكفاحي، ويوحد الجهود والقوة الفلسطينية في مجابهة الاحتلال، سواء في زمن السلم، أو مواجهة العدوان.

نحن في أمس الحاجة إلى مراجعة النهج السياسي، وإعادة النظر في الخيارات لمواجهة الاحتلال، فلا يمكن لفصيل تقرير الحرب وآخر يقرر السلام، دون وجود برنامج سياسي عام يسعى لتحقيق المشروع الوطني ضمن إستراتيجية واضحة.

 

ثالثاً: الاتفاق على أسس الشراكة السياسية

لا توجد ضمانات تمنع استمرار الانقسام، أو تمنع إعادة إنتاج ذات الأحداث مستقبلاً، إن لم تبن الوحدة على أسس الشراكة السياسية. لذا، فإن اتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار أحداث الماضي أمر في غاية الأهمية. فالتوافق على المشروع الوطني والبرنامج السياسي للمرحلة الراهنة وتطوير منظمة التحرير، يتطلب تحديد الأسس التي تعزز الشراكة السياسية دون إجحاف بالبرامج السياسية لكل من الفصائل، وبخاصة الالتزام بالديمقراطية، والتعددية، وحرية الرأي والتعبير، وتقبل الآخر، والاتفاق على شروط إجراء الانتخابات، سواء في المنظمة أو السلطة، مع مراعاة أن الأولوية للبدء في إعادة بناء مؤسسات المنظمة، وخاصة المجلس الوطني، من خلال الانتخابات إذا توفرت البيئة المناسبة لذلك، أو عبر التوافق الوطني إذا تعذر إجراء الانتخابات، فضلاً عن التوافق على انتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي.

خاتمة

لا يوجد أمام الشعب الفلسطيني وقواه السياسية ومنظماته المدنية خيار آخر غير التقاط الفرصة التي توفرها جهود المصالحة الأخيرة، والبناء عليها للوصول إلى إعادة بناء الوحدة الوطنية بعيداً عن الهيمنة والإقصاء، وبما يضمن الوصول إلى قيادة واحدة، وبرنامج وطني توافقي، وكيان تمثيلي موحد.

ويتطلب ذلك التعامل مع خيار إعادة بناء الوحدة الوطنية بصفته ممراً إجبارياً للخروج من المأزق الشامل الذي تعانيه مجمل الحالة الفلسطينية، في ظل تفكك الحقل السياسي الوطني، وتعمق المشروع الصهيوني الاستعماري على الأرض الفلسطينية، ما يعني أن إعادة بناء الحقل السياسي الفلسطيني وتوحيده بمنزلة الشرط الواجب توفره لمواجهة مخططات التجزئة والتفتيت، ومحاولات إطلاق عملية سياسية إقليمية بمشاركة دولة الاحتلال تكون مدخلاً لتصفية الحقوق الفلسطينية، وتكريس واقع المعازل المفروضة على الفلسطينيين.