فلسطينيو الأردن قلقون من قرارات جديدة تهدد وجودهم

e-mail icon
فلسطينيو الأردن قلقون من قرارات جديدة تهدد وجودهم
عدنان أبو عامر
مقالات
-
الخميس, 4 شباط (فبراير), 2016

يضمّ الأردن ما يقارب من مليوني لاجئ فلسطينيّ، ويتعامل معهم على قسمين: قسم وصل إلى الأردن عقب حرب عام 1948، ويسمّون لاجئين من قبل المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، ويعاملون معاملة الأردنيّ الكامل، وحاصلون على الجنسية الأردنية، وقسم وصل عقب
حرب 1967، ويسمّون نازحين، وهم قادمون من الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، ولا يتمتّعون بالمواطنة الكاملة، ولا يعملون في مؤسّسات الدولة، لكنهم يعملون في القطاع الخاص بدون أذونات رسمية من الدولة، ويدرسون في الجامعات الحكوميّة بمعايير مقيّدة، خاصة النظام الموازي الذي يتعلق
بآلاف الطلاب الفلسطينيين الذين لا يحملون الرقم الوطني أو الجنسية الأردنية، حيث يُعاملون معاملة الطالب الأجنبي، ويدفعون الرسوم الجامعية بالدولار الأمريكي بدلاً من الدّينار الأردني كباقي الطلبة الأردنيين، وهي معايير تؤرق آلاف الطلاب الفلسطينيين، تضاف إليها المشاكل الماديّة،
وعدم مقدرتهم على تأمين أقساط للجامعات الخاصة، ولديهم جواز سفر يجدّد كلّ عامين.
تفريق الدولة الأردنية بين اللاجئين والنازحين، ومن يحملون جنسية أردنية ومن يحملون جواز سفر يتم تجديده كل عامين فقط، جاء عقب إعلان الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال، عام 1988، فك الارتباط بين الأردن والضفة الغربية، رغبة منه بعدم فرض الوصاية على الفلسطينيين
بطلب من منظمة التحرير الفلسطينية في ذلك العام.

انتقادات واعتراضات
تداولت وسائل الإعلام الأردنية في 9 كانون الثاني/يناير إصدار الحكومة الأردنيّة قراراً اتّخذته في 6 كانون الثاني/يناير، لاستيفاء رسوم تصاريح عمل من الفلسطينيّين الحاملين جوازات أردنيّة موقّتة الذين وصلوا الأردن عام 1967، ويشمل نحو 110 آلاف عامل، الخاصة بالفلسطينيين
القادمين إلى الأردن عام 1967، وتبلغ قيمة الرسوم 180 ديناراً، أي 250 دولاراً للعامل الواحد، ولم تكن تحصل منهم رسوماً مالية قبل هذا القرار، لكنّ وزير العمل الأردنيّ نضال القطامين أعلن في 23 كانون الثاني/يناير، التراجع عن تحصيل الرسوم عقب جملة من الاعتراضات التي وردت
في الصحافة الأردنية، في ظلّ تردّي الأوضاع المعيشيّة لأبناء غزّة والضفة الغربية المقيمين في الأردن.
بعد إلغاء الحكومة الأردنية لقرار تحصيل الرسوم مقابل استصدار تصاريح العمل للفلسطينيين، لكن قرار استصدار التصاريح بقي قائماً على أولئك الفلسطينيين، لاسيما من أصول غزاوية، وهو ما تصر عليه الدولة الأردنية، وهو ما يؤثر سلباً على هؤلاء الفلسطينيين لأنه يؤثر على خياراتهم
في البحث عن حرية الحصول على أي فرصة عمل، بعيدا عن القيود الحكومية الأردنية الجديدة المتمثلة بالحصول على التصاريح.
أبلغ مصدر مسؤول في وزارة العمل الأردنيّة، شارك في صياغة القرار، رفض كشف هويّته وموقعه الإداري في الوزارة، ‘المونيتور’ بأنّ ‘القرار يحلّ إشكالاً قانونيّاً، كونه يتيح العمل بصورة قانونيّة لحملة الجوازات الموقّتة وأبناء غزّة في الأردن، لأنّهم كانوا قبل صدور القرار ممنوعين رسمياً من
العمل في القطاع الخاص، ومن يعمل منهم يعدّ مخالفاً، وجاء هذا القرار الجديد لينظم عملهم بصورة قانونية، ويحافظ على حقوقهم المالية’.

أصدرت الباحثة الأردنيّة نادية سعد الدين تقريراً في عام 2013 حول عمل الفلسطينيّين في الأردن، جاء فيه أنّهم يحتكمون إلى قيود قانونيّة تحدّد عملهم، ممّا أدّى إلى ارتفاع معدّلات الفقر والبطالة بينهم، فلا يعملون في القطاع الحكوميّ الأردنيّ، أو يزاولون بعض المهن، مثل طبّ الأسنان
والهندسة الزراعيّة والمحاسبة والصيدلة والسياحة والبنوك، وأن هناك فرصاً قليلة في القطاع الخاصّ شرط الموافقة الأمنيّة، بناء على قوانين لبعض النقابات المهنية الأردنية، واشتراط وزارة الداخلية الأردنية في بعض المهن.
وهو ما دفع بالفلسطينيّ علي سالم من مخيّم الزرقاء في الأردن إلى القول لـ’المونيتور’: ‘إنّ هذا القرار المرفوض يساويني أنا الموجود في الأردن منذ أكثر من 40 عاماً، بعامل آخر قادم من الصين أو الفيليبّين… هل يعقل هذا على الرغم من أنّني أعتبر الأردن بلدي الثاني بعد فلسطين’؟
وطرح القرار الذي اتخذته الدولة الأردنيّة الوارد أعلاه جدلاً في الصحف الأردنيّة، وركّز معظمه على معارضته. فقد نشر الكاتب الأردني عمر كلاّب مقالاً في صحيفة الدستور الأردنيّة في 10 كانون الثاني/يناير، قال فيه إنّ أبناء غزّة في الأردن يعيلون أهلهم في قطاع غزّة، وزيادة العبء
عليهم يزيد من أزمة أهلنا في غزّة. ووصف الكاتب الأردني الشهير ياسر الزعاترة في موقع عمون الأردنيّ في 14 كانون الثاني/يناير، القرار بأنّه عبثيّ، لأنّه يساوي بين أبناء غزّة في الأردن، مع الوافدين الأجانب الذي يأتون إلى الأردن فقط لأجل العمل.
يطرح القرار الأردنيّ أسئلة لدى الفلسطينيّين أبناء غزّة في الأردن، عن مدى صوابيّة معاملتهم كالعمّال المهاجرين الأجانب، على الرغم من اختلاف أوضاع الفئتين، فالفلسطينيون مقيمون في الأردن منذ العام 1967، بصفة دائمة، والعمال المهاجرين يأتون ويغادرون حسب العمل والوظيفة، ولا
تزيد فترة إقامتهم في الأردن عن سنوات قليلة، وهل يعني أنّ حملة الجوازات الموقّتة، سيجبرون على العمل ضمن قائمة المهن الخاصّة بالوافدين، ومخالفتهم في حال عملوا في مهن أخرى، ورغم عدم وجود قوائم معلنة رسمية تحدد طبيعة العمل المسموح لهم بها، والمحظورة عنهم، لكن هناك
توافقاً حسب خبرتهم الطويلة منذ إقامتهم في الأردن بإتاحة فرص عمل معينة، وحظر مهن أخرى.
وقال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصاديّة والمعلوماتيّة في عمّان أحمد عوض لـ’المونيتور’ إنّ ‘القرار الأردنيّ يعبّر عن تغيير جذريّ سلبيّ في السياسة الأردنيّة تجاه الفلسطينيّين، لأنّه يشمل 300 ألف فلسطينيّ من أصول غزّاويّة، و500 ألف فلسطينيّ من أصول الضفّة الغربيّة، ويلزمهم
بعدم العمل إلّا بتصريح، ويشمل عشرات الوظائف في القطاع الخاص الأردني في مجالات الطب والهندسة والمحاسبة وغيرها، ويعني إلحاقهم بالأجانب المقيمين في المملكة، وإن إلزام الفلسطينيين بالحصول على تصاريح قانونية جديدة قد يدفعهم لعدم الحصول عليها، ويلجأون لخيارات سلبيّة،
كالعمل في شكل غير قانونيّ، ويجعلهم عرضة للاستغلال من أصحاب العمل، ويحرمهم من الضمان الاجتماعيّ، ممّا يضطرّهم إلى الهجرة خارج الأردن بحثاً عن عمل’.

صمت السلطة الفلسطينيّة
طالب النائب الثاني لرئيس مجلس النوّاب الأردنيّ خميس عطيّة، في 14 كانون الثاني/يناير، وزير العمل الأردنيّ، ‘بإلغاء حصول الفلسطينيّين على تصاريح عمل، لأنّهم يعيشون في الأردن منذ عام 1967، ولا يستطيعون العودة إلى بلادهم، جرّاء الاحتلال الإسرائيليّ لها’.
كان ملفتاً الصمت المطبق للسلطة الفلسطينيّة بعدم التدخّل في القضيّة، على الرغم من أنّها تخصّ قرابة 140 ألف لاجئ فلسطينيّ في الأردن، ربّما لرغبتها بعدم زيادة التوتّر مع الأردن في ظلّ الفتور السائد بينهما منذ أشهر، عقب الاتّفاق الإسرائيليّ-الأردنيّ في 25 تشرين الأوّل/أكتوبر حول
نصب كاميرات داخل المسجد الأقصى لمراقبة المسلمين واليهود، ولم يتمّ إشراك السلطة الفلسطينيّة في الاتّفاق.
‘المونيتور’ حاول التواصل مع مسئولين فلسطينيين رسميين للتعقيب على القرار الأردني، لكنهم تحفظوا على إعلان موقف رسمي، خشية أن يؤثر ذلك على العلاقات بين السلطة الفلسطينية والأردن، لكن عريب الرنتاوي الكاتب الأردني المشهور، وصاحب العلاقات القوية مع السلطة الفلسطينية،
قال في مقال له يوم 25 يناير أن الحكومة الأردنية أخطأت حين وضعت الفلسطينيين المقيمين في أراضيها منذ عشرات السنين، بقرارها الأخير بالحصول على تصاريح عمل رسمية، في سلة واحدة مع العمالة الأجنبية الوافدة، ويجعلهم هذا القرار في بؤرة دائرة القلق والمجهول وعدم الاستقرار،
دون أي مبرر سياسي واقتصادي وأمني مقنع لأحد في الأردن.

وقال رئيس دائرة شؤون اللاجئين في حماس في غزّة عصام عدوان، لـ’المونيتور’: ‘إلزام الأردن بحصول الفلسطينيّين على رخصة عمل، يعني أنّهم باتوا غرباء عنه، وهذا لا يجوز، لأنّ جامعة الدول العربيّة أصدرت في عام 1966 قراراً يلزم الدول العربيّة بمعاملة الفلسطينيّين كالمواطن المحلّيّ،
وهذا القرار فيه تمييز سلبيّ في المعاملة، لأنّ جزءاً كبيراً من الأردنيّين حملة الجنسيّة الأردنيّة من أصول فلسطينيّة. وهذا القرار قد يضرّ بالتماسك الاجتماعيّ في الأردن بين فلسطينيّ وآخر، فلسطيني يعمل من دون تصريح وآخر في حاجة إلى هذا التصريح’.
وأضاف: ‘هل يعقل أنّ الأردن الذي استوعب مليون سوريّ، ومليون عراقيّ، عاجز عن استيعاب مئات الآلاف من الفلسطينيّين من حملة جوازات السفر الموقّتة، مع أنّهم ليسوا طارئين على الأردن، فقد أمضوا ما يزيد عن 48 عاماً في المملكة منذ عام 1967، وهذا يتطلّب من الدولة الأردنيّة
أن تعاملهم على أنّهم أردنيّون بكامل الحقوق، لأنّ إلزامهم بالحصول على تراخيص عمل لا يليق بالأردن’.
أخيراً… على الرغم من الدعوات المتواصلة من أوساط فلسطينيّة وأردنيّة للحكومة الأردنيّة للتراجع عن قرار حصول الفلسطينيين على تصاريح العمل، بعد أن اكتفت الحكومة الأردنية بقرار وقف تحصيل الرسوم المالية، وأبقت على قرار إلزام الفلسطينيين بالحصول على التصاريح الرسمية للعمل،
فلا يبدو أنّها في صدد الاستجابة لذلك، ممّا قد يشير إلى إمكان تفاقم الأزمة بين فلسطينيّي الأردن والسلطات الأردنيّة، وإثارة مشاكل جديدة بينهما، في ظل أن اللاجئين الفلسطينيين في الأردن يعانون مشاكل الازدحام السكاني في مخيماتهم، والفقر والبطالة، والعديد من مساكنهم في حالة سيئة
وبحاجة للإصلاح وإعادة التأهيل، ولذلك يبدو الطرفان الفلسطيني والأردني في غنى عن مشاكل جديدة، وفي ظلّ ما تحياه الدول المجاورة للأردن من توتّرات أمنيّة متصاعدة في لبنان وسوريا ومصر.