في الدوحة تفاهمات وليس مصالحة

e-mail icon
في الدوحة تفاهمات وليس مصالحة
سامي الاخرس
مقالات
-
الأربعاء, 10 شباط (فبراير), 2016

إن ما يدور في الساحة الفلسطينية من أحداث على صعيد الإنقسام الفلسطيني – الفلسطني لا يمكن إطلاق عليه مصالحة بما أن الإرادة الفعلية للمصالحة لم تتوفر بعد لدى الطرفين، وكذلك لا بيدي الطرفان اي بوادر عملية يمكن البناء عليها في إطار مصالحة إستراتيجية تعيد الأمور لما كانت عليه قبل عام 2007، بل كل ما يحدث حاليًا هو محاولات لخلق تفاهمات عامة تحافظ على مكتسبات ومصالح وسلطات كل طرف من الطرفين اللذان يستميتان حتى لا يخسر أي منهما أحد المفاتيح ومصادر القوة التي بيده من سلطات وأوراق ضغط في الأزمة، وهو ما يقلص من الإرادة التي يمكن بناء عليها مصالحة إسراتيجية تعيد القضية الوطنية إلى مصافها الطبيعي.

محادثات قطر أو الدوحة تعتبر ضمن السياق التفاهمي الذي تسعى إليه الأطراف المتفاوضة في حدود الثنائية الاستقطابية بمعايير استثمارية محضة في عملية أشبه بمقاربة بين طرفي الإنقسام بناء على معايير ودوافع اقتصادية استثمارية، وتجيير قوة كل طرف في استنزاف الآخر، وابتزازه في بعض القضايا، حيث إن حجماس تحاول ابتزاز السلطة عبر ملف الموظفين الذين تم توظيفهم في أعاقب الإنقسام الذي حدث في غزة، أما السلطة الوطنية فهي تحاول الضغط على حماس عبر القضايا الاجتماعية في غزة التي أصبحت خارج تقبل واستيعاب المواطن الغزاوي في ظل هذه الحالة المأساوية التي يعيشها. وعلى هذا الإدراك فإن الطرفين يدركان أن أي شراكة في المفاضوات أو توسيع رقعتها من قوى أخرى تضر بهما وبمصالحهما أكثر مما تجدي بما أن الأطراف الأخرى تتحدث وتفاوض بدوافع وطنية وبعيد عن المنطلقات الحزبية الضيقة وفق مبدأ الربح والخسارة. وبناءً على هذا التقدير فإن مفاوضات الدوحة هي فضفضة ومصارحة بين الطرفين ومراضاه وتوزيع المكاسب أكثر منها محادثات جدية تنطلق وفق قواعد المصلحة الوطنية. ورغم ذلك فإن أي نتائج يتم تحقيقها على هذا الصعيد تعتبر إنجاز مجتمعي ربما يخفف من وطأة الحالة المأساوية لشعبنا الفلسطيني.

المُدرك في قراءة الأمور يستنبط أن كل ما يجري هو مجرد تفاهمات تعاني من عسر، وبمقارنتها مع التقاربات التي أجراها الطرفين بشكل مباشر أو غير مباشر مع الإحتلال يتضح إنهما أقرب للتفاهم مع الإحتلال من تقاربهما مع بعضهما البعض مما يؤكد أنه لا إرادة للتصالح وإنما محاولة تفرد كل طرف بمنطقته وسلطاته الجيوسياسية، بعيدًا عن فهم شراكة وطنية استراتيجية حقيقية، بل ما يتوقع من مضافات الدوحة بعض التفاهمات البسيطة غير الراسخة التي تهتز أمام أي تصريح أو حدوث أزمة ما بين الطرفين، وهم لديهم من الاحترافية في خلق أزمة من لا أزمة.

هناك حقائق عديدة لا يمكن تجاوزها بعيدًا عن القضايا الأساسية المتداولة، أهمها وأخطرها قضية الأذرع العسكرية في قطاع غزة وعلى وجه التحديد كتائب عز الدين القسام الذراع العسكري لحماس، وسرايا القدس الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وهل يمكن لهذين الذراعين أن يتوافقا مع برنامج السلطة الوطنية السياسي والمقاوم، وايمان الرئيس محمود عباس بالعملية السلمية الحالية؟ هذه المعضلة هي أهم معيقات وإشكاليات المصالحة الإستراتيجية الفاعلة والناجزة مقياسًا باستعدادت الطرفين على التنازل عن محدداتهم ورؤياهم وفهمهم لطبيعة الصراع مع الاحتلال الصهيوني. وأعتقد أن البرنامجين لا يمكن لهما التلاقي سياسيًا، حيث لا يمكن التنبؤ بأن ينخفض برنامج الذراعين لمستوى برنامج السلطة الوطنية، والعكس لا يمكن لبرنامج الأخيرة أن يرتفع لمستوى القسام وسرايا القدس، مما يعتبر المعضلة الأساسية في مخطط وخطط التوافق الاستراتيجي الفاعل.

بناءً عليه فإن ما يحدث في حلبة التجاذبات والتفاوض هو محاولات لخلق تفاهمات معينة تؤسس لعملية إنقاذ وتعايش لطرفي الإنقسام، ما بين اللاتوافق واللانقسام، مما يتطلب حالة فض اشتباك حاسمة بينهما لن تتم إلا من خلال حسم المعركة عسكريًا من أحد الطرفين في شطري الوطن أو إجراء انتخابات يفوز بها طرف بأغلبية ساحقة ومطلقة يسيطر بها على النظام السياسي منفردًا، وكلا الإحتمالين غير قابلان للتنفيذ أو الحدوث في المرحلة الراهنة على أقل تقدير، خاصة مع غياب حل وسطي في الخارطة السياسية الفلسطينية أي وجود طرف ثالث قادر أن يكون رمانة الميزان بين الطرفين. وعليه لابد وأن يدرك الطرفان أن الحل الأساسي هو معضلة إقليمية – دولية تتحكم في مسارات الحول النهائية، وكل طرف من هذه القوى يبحث عن مصالحة في ضوء بعثرة الأوراق في المنطقة.

خلاصة الأمر إن كل ما يتم تداوله هو عبارة عن تفاهمات تخفف من ضغط كل طرف على الآخر، ومحاولة تقديم بعض الحلول المجتمعية لبياض الوجه بعدما بدأت ملامح الإنفجار بين جماهير شعبنا.