قانون القوميّة: تغيير أم نسف قواعد اللعبة؟

e-mail icon
قانون القوميّة: تغيير أم نسف قواعد اللعبة؟
رازي نابلسي
تقدير موقف
-
الأربعاء, 10 آيار (مايو), 2017

 

(أصدرت لجنة السياسات في مركز مسارات هذه الورقة من إعداد الباحث رازي نابلسي).

 

مقدمة

أقرّ الكنيست الإسرائيلي يوم الأربعاء الموافق 10 أيّار/مايو الجاري،  "قانون القوميّة" الذي قدّمه عضو الكنيست عن حزب "الليكود" والرئيس السابق لجهاز الشاباك "آفي ديختر" بأغلبيّة 48 صوتًا مقابل 41 معارضة. وعلى الرغم من أن فرص تمرير القانون بصيغته الحاليّة في القراءة الأولى والثانيّة والثالثة ضعيفة بسبب إعلان حزب "كولانو" عدم دعمه للقانون بصيغته الحاليّة، إلّا أن وزيرة القضاء عن حزب "البيت اليهوديّ"، أييلت شاكيد، أعلنت أن الحزب يعمل على صياغة جديدة للقانون، وسيقدّم على أنّه اقتراح قانون حكوميّ وسيكون مقبولًا على كافة أحزاب الائتلاف الحكوميّ. وبما أن  حزب "كولانو" أعلن على لسان رئيس كتلته البرلمانيّة، روعي فولكمان أن الحزب يدعم القانون مبدئيًا ويعارض بعض البنود فيه، فإن احتماليّة تمرير القانون بصيغة جديدة مختلفة واردة بشدّة.

بغض النظر عن تمرير القانون في القراءات الأولى والثانية والثالثة أو عدمه، فإنّ الخطوة المهمّة هي إعادة القانون إلى مسار التشريع من جديد باعتباره قانون أساس، بعد الفشل في سنّه مرّات عديدة في الماضي، وهو ما يضع الفلسطينيين ليس في الداخل فقط، إنّما في الداخل والخارج، أمام واقع يجب عليهم التجهيز له، وعدم الاكتفاء بالانتظار حتّى تمريره والانشغال بسؤال مروره أم لا. فإسرائيل، بحكوماتها المتعاقبة، منذ أولمرت مرورًا بليفني، تبحث القانون، وهذا إن دل فيدل على جديّة المنظومة وليس حزبًا معيّنًا حسم التناقض بين "يهوديّة" و"ديمقراطيّة" الدولة قانونيًا وتشريعيًا. وهو ذات المنطق الذي على الفلسطينيّ، أن يعمل به، من خلال إستراتيجيّات طويلة وقصيرة، بكل ما يخص صراعه مع إسرائيل، كمنظومة سياسيّة وأيديولوجيا تستهدفه على المدى البعيد والقريب.

 لقراءة الورقة أو تحميلها ... اضغط/ي هنا 

 

الصيغة المقترحة للقانون

تنص الصيغة المقترحة للقانون الذي صادقت عليه الكنيست على أن "دولة إسرائيل هي البيت القوميّ للشعب اليهوديّ"، وأن "حق تقرير المصير فيها سيكون حصريًا لليهود"، بالإضافة إلى أن "الأماكن المقدّسة ستكون محميّة من أي تدنيس، بما يضمن حريّة وصول أبناء جميع الديانات إلى الأماكن المقدّسة دون أي قيود، وعدم المساس بهم أو بالمشاعر الدينيّة"، وأن "اللغة العبريّة هي اللغة الرسميّة الوحيدة في الدولة". وينص القانون في جوهره على أنه "سيتم التعاطي مع القوانين السابقة واللاحقة استنادًا إلى قانون الأساس هذا".

يشكّل القانون بوصفه قانون أساس، وأيضًا الصيغ السابقة المشابهة من حيث الجوهر للقانون، حجرًا ستبنى عليه القوانين اللاحقة وقرارات المحاكم الإسرائيليّة. إذ ينص القانون في بند الهدف وراء سنّه على أنّه "الدفاع عن مكانة إسرائيل على أنّها الدولة القوميّة للشعب اليهوديّ". وفي تفسير القانون يُقال إن الهدف من وراء سنّه هو سن قانون أساس يحافظ على خصوصيّة دولة إسرائيل، ويشكّل قانون أساس موازيًا لقوانين الأساس الإسرائيليّة التي تحفظ حقوق الإنسان والديمقراطيّة.

هذا التمايز، بالنسبة إلى الفلسطينيّ في كافة أماكن تواجده وبغض النظر عن مكانته القانونيّة أو السياسيّة، هو التمايز الاستعماريّ الذي تأسّست عليه إسرائيل، تمايز كونها مشروعًا حصريًّا لليهود. وهو أيضًا، التمايز الذي يميّزها عن أي دولة ديمقراطيّة أخرى في العالم، ويجعل من ديمقراطيّتها متناقضة وناقصة كديمقراطيّة تحت سقف الصهيونيّة أيديولوجيًا وممارسة استعماريّة. ومن هنا، يمكن فهم القانون على أساس كونه قانون أساس وليس قانونًا عابرًا يتطرّق إلى جوهر صراع الفلسطينيّ مع الصهيونيّة، ولا ينحصر في سياسة وقانون عنصريّ كسلسلة القوانين العنصريّة التي تصل إلى عشرات القوانين العنصريّة، إنّه باختصار: يجعل من العنصريّة شرعيّة وقانونيّة ويبني عليها.

 

قانون القوميّة: بين التضييق في الداخل والشرعيّة في الخارج

يبقى النظر إلى قانون القوميّة باعتباره استهدافًا للفلسطينيين في الداخل فقط منقوصًا. وكذلك، يبقى النظر إليه باعتباره موجّهًا فقط إلى الخارج، أي المجتمع الدوليّ والعالم العربيّ، منقوصًا أيضًا. وبالتاليّ، تنظر هذه الورقة إلى القانون باعتباره قانون أساس إسرائيليًّا، يهدف إلى قمع وقتل الفلسطينيّ الحامل لجواز السفر الإسرائيليّ، وكذلك الفلسطينيّ بوصفه قضيّة وطنيّة أخلاقيّة.

من جهة، ينص القانون بصيغته الحاليّة  على أن "دولة إسرائيل هي البيت القوميّ للشعب اليهوديّ"، وأن "حق تقرير المصير فيها لليهود حصريًا"، وهو ما يؤثّر على الوضعيّة السياسيّة والقانونيّة للفلسطينيين الذين يشكّلون قانونيًا، مواطنين في الدولة الإسرائيليّة، فيرجّح كفّة اليهوديّة على حساب الديمقراطيّة ليبني عمليًا مواطنتين الأولى متميّزة لليهود، وأخرى منقوصة للفلسطينيين.

ومن جهة أخرى، يُطالب نتنياهو، وقبله أولمرت وليفني وشارون، منظّمة التحرير الفلسطينيّة، بالاعتراف بإسرائيل كدولة قوميّة لليهود، وهو ما يعد ضمنيًا اعترافًا بشرعيّة وأخلاقيّة المشروع الصهيونيّ وروايته التاريخيّة من قبل الفلسطينيين، ما يفتح الباب أمام مثل هكذا اعتراف عربي ودولي. 

 

تأثير القانون على الفلسطينيين في الداخل

يشكّل "قانون القوميّة" بصيغته الحاليّة والماضيّة، إطار قانونيّ ناظم لجوهر الدولة على الصعيد القانونيّ والرسميّ. وعلى الرغم من أن السياسة الإسرائيليّة تجاه الفلسطينيين في الداخل هي سياسة تمييزيّة وعنصريّة من الأساس على الصعيد المجتمعيّ والمؤسّساتي، إلّا أن خطورة القانون تكمن في قوننة التمييز وشرعنته وجعله إطارًا ناظمًا لجوهر الدولة. وعلى الرغم من حقيقة أن القانون يأتي تشريعًا لسياسات تمييزيّة، إلّا أن تأثيره الأساسيّ سيكون على المساحات السياسيّة والقانونيّة التي يجابه الفلسطينيّون في الداخل إسرائيل من خلالها لتحصيل مطالب قوميّة حقوقيّة ومطلبيّة. وإذا أردنا الخوض في مثل هذه المساحات فإنّها تتركّز في مؤسّسات المجتمع المدنيّ، والمحكمة الإسرائيليّة العليا، بالإضافة إلى الساحة البرلمانيّة، أي مساحة المعارضة التشريعيّة، ومؤسّسات الحكم المحليّ. وجميع هذه المساحات، مترابطة ومكمّلة لبعضها، وتعمل من خلال وفي مساحة التناقض البنيويّ بين يهوديّة الدولة الإسرائيليّة وديمقراطيّتها.

إن القيمة القمعيّة القهريّة المُضافة التي يطرحها القانون، هي ترجيح كفّة اليهوديّة على حساب الديمقراطيّة، ما يضيّق من مساحة الخطاب الديمقراطيّ الإسرائيليّ. وبالتاليّ، الهامش الديمقراطيّ الذي تنشط فيه الأحزاب والمؤسّسات السياسيّة الفلسطينيّة بالداخل. فالقانون، مثلًا، يتعارض بالإضافة إلى القانون الدوليّ، مع قوانين أساس إسرائيلية كقانون أساس "كرامة وحريّة الإنسان"، وقانون أساس "حريّة العمل".

في فلك المواطنة والديمقراطيّة، نشطت ولا تزال القوى السياسيّة في الداخل المحتل، إلّا أن سن القانون يقونن عمليًا منظومتين من المواطنة، الأولى لليهود وهي متميّزة؛ والثانيّة للعرب وهي منقوصة. هذا القانون، بالإضافة إلى التغيّرات الجوهريّة التي يجريها في نظام الحكم، يجعل المواطنة في الدولة متميّزة للدين، فيصبح اليهوديّ المقيم في أميركا ولا يملك جواز سفر إسرائيليًّا، مواطنًا بحكم ديانته، له حقوق تفوق حقوق الفلسطينيّ حامل الجواز الإسرائيليّ المُقيم في الداخل. وبكلمات أخرى مختصرة أكثر: يقونن القانون إنشاء الفلسطينيين في الداخل على أساس عابرين ومارّين في دولة اليهود، رغم أنّهم سكّان البلد الأصليّون.

صحيح أن إسرائيل عنصريّة وتسعى لاستهداف الفلسطينيّ في الداخل مع القانون أو بدونه. فالظروف التي يعيشها الفلسطينيّون داخل الأراضيّ المحتلة العام 1948، من عنف وانتشار سلاح، وحصر ملكيّة الأراضيّ على اليهود من خلال الصندوق القوميّ اليهوديّ، والميزانيّات غير الموزّعة بشكل عادل، والبنى التحتيّة، وهدم المنازل، كلها ممارسات مستمرّة دون علاقة للقانون. ولكن، مساحة العمل السياسيّ والقانونيّ، الذي كان يستند أساسًا إلى قوانين أساس الديمقراطيّة التي يسعى القانون إلى موازاتها وترجيح كفّة تمايز اليهوديّة.

على سبيل المثال، يغدو توزيع الميزانيّات بشكل غير عادل على السلطات المحليّة العربيّة في الداخل، قانونيًّا. ويغدو سجن الفلسطينيّ لإحياء ذكرى النكبة قانونيًّا. ويغدو بعد القانون، حريّة التعبير عن الرأي، التي يتم الدفاع عن الشبّان في المحاكم استنادًا إليها، مساويّة للاعتراف بإسرائيل ومشروعها الاستعماريّ. وبكلمات أكثر دقّة، فإن إدراج الكنيست الحاليّ حواليّ 136 قانونًا عنصريًا تستهدف الفلسطينيين سيكون قانونيًا وشرعيًا في حال سن "قانون القوميّة"، ويجعل منه تمايزًا قوميًا بالمفهوم القانونيّ أكثر من كونه عنصريّة.

هذا القانون هو إعلان تأسيس نظام أبرتهايد متأصّل قانونيًا، سيؤثّر بالأساس على قرارات المحاكم، التي شكّلت حتّى اليوم، مساحة قانونيّة يدور في فلكها العمل السياسيّ بالداخل. فباسم الديمقراطيّة يقدّم الفلسطينيّ بالداخل التماسات اعتراضيّة، ويستند إلى قوانين ومواطنة، ستقوم إسرائيل من خلال هذا القانون بقتلها وإنشاء منظومتين من المواطنة.

 

يهوديّة الدولة" كشرط في العمليّة السياسيّة

على الرغم من انشغال إسرائيل بتعريف "من هو اليهوديّ" تاريخيًا، أي منذ تأسيس الدولة، إلّا أن تحوّلًا طرأ على تعاطي إسرائيل مع الموضوع. فمع بداية سنوات الثمانينيات بدأ يطرأ تحوّل من التعامل مع القضيّة "اليهوديّة- الدولة" من قضيّة داخليّة، أي جدليّة "متديّن- علمانيّ"، إلى السياق الخارجيّ القوميّ السياسيّ، أي "إسرائيليّ- فلسطينيّ".[1]

هذا التحوّل، لا يقل أهميّة عن إسقاطات القانون على الفلسطينيين في الداخل. وهو يندرج في سياق بحث الصهيونيّة عن شرعيّة مشروعها الاستعماريّ وتحويله من استعماريّ إلى "تحرّري"، كما ترى هي والمجتمع الإسرائيليّ ذاتها بوصفها حركة تحرّر خرجت لحل إشكاليّة اليهود وبناء وطن قوميّ لهم.

وهذا التحوّل في التعامل مع العلاقة "اليهوديّة- الدولة" من الداخليّ الديني إلى السياسيّ القوميّ يحمل في طيّاته تحوّلًا في النظر إلى الديانة ذاتها. ففي الوقت الذي تقوم فيه الصهيونيّة الدينيّة بالإجابة عن أسئلة سياسيّة من خلال التوراة، حوّلت إسرائيل المنظومة، الإجابة عن الأسئلة الدينيّة المعقّدة كسؤال "من هو اليهوديّ ؟" من إجابات توراتيّة إلى إجابات سياسيّة قوميّة. وهذا ليس حديثًا على منظومة استعماريّة كإسرائيل، تصدّر تناقضاتها الخارجيّة وأسئلتها الداخليّة نحو التناقض مع الفلسطينيّ لتُصبح الإجابة عنها نابعة من تناقض الفلسطينيّ مع الصهيونيّة، فيتحوّل التناقض الداخليّ الإسرائيليّ إلى تناغم استعماريّ مع تحوّل السؤال مباشرة إلى العلاقة مع الفلسطينيين.

تجري مطالبات الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة من شارون حتّى نتنياهو الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهوديّة ضمن صيرورة بحث إسرائيل عن اعتراف بشرعيّة المشروع الذي أقامها. فيصوّر نتنياهو الاعتراف بأن إسرائيل "دولة الشعب اليهوديّ" خلال مطالبته بهذا الاعتراف من الفلسطينيّين على أنّه طبيعيّ، قائلًا مثلًا إن "فرنسا هي البيت القوميّ للفرنسيين، وبريطانيا هي البيت القومي للبريطانيين، وكما يطالبوننا بالاعتراف بالدولة الفلسطينيّة على أنّها دولة الفلسطينيّين نطالبهم بالاعتراف بإسرائيل كدولة اليهود". نلاحظ أن نتنياهو لا يقول مثلًا "دولة الإسرائيليين"، بل يشدّد على "دولة اليهود"، وهذا ليس اعترافًا بالطابع المواطنيّ للدولة بالقدر الذي فيه هو اعتراف بشرعيّة إقامة دولة لليهود في فلسطين، أي شرعيّة المشروع الذي يراه الفلسطينيّون والعرب استعماريًا، ما يجعل التصالح والاعتراف بالطابع الكولونياليّ للدولة على أنّه "طبيعيّ".

 

ماذا بعد؟

تعاقب القانون في المسار التشريعيّ مع تعاقب الحكومات الإسرائيليّة والقيادة، فعمل فيه: ليفني، وشاكيد، وبينيت وشارون، ونتياهو، وأولمرت. هذا التعاقب بغض النظر عن التبدّل في النخب السياسيّة، وبقاء القانون ثابتًا، يضعنا أمام واقع فيه يكون سن القانون هذه المرّة أو عدمه، غير مهم بالقدر الذي يهمّنا كفلسطينيين النظر إليه على أنّه قانون تنشغل في سنّه المنظومة الاستعماريّة كمنظومة وليست أحزابًا أو أفرادًا. وبالتاليّ، أمام اتجاه كامل إسرائيليّ نحو المزيد من التضييق والمزيد من التطرّف والحسم في قضايا كانت ولا تزال غير محسومة وتشكّل ثغرة في المنظومة ينشط من خلالها الفلسطينيّ في الداخل خاصة. وفي المقابل، تحاول من خلال ذات القانون، استهداف القضيّة الفلسطينيّة وشرعيّة الرواية.

يأتي مأزق الفلسطينيين في الداخل، كما صاغته القائمة المشتركة مثلًا في بيانها حول "قانون القوميّة" بأنّه يؤثّر على كافة مناحي الحياة، وذلك انطلاقًا من شرعنته للعنصريّة وقوننتها باعتباره تضييقًا يتعدّى مرحلة السياسيّ العابر، ويذهب أكثر إلى نسف قواعد اللعبة أساسًا، وإنشاء مواطنة منقوصة. لذا، هناك حاجة ماسّة إلى الخروج من المأزق الجذريّ بإجراء مراجعة جذريّة وجديّة للخطاب السياسيّ القائم ومدى نجاحه، أو بصورة أدق، مدى إمكانيّة البقاء فيه، والعمل من خلاله أصلًا بعد أن تبيّن أن إسرائيل تعمل على حصره، والقضاء عليه من خلال الإجهاز على التناقض الذي استغلّه الفلسطينيّون في الداخل طيلة العقود الماضية.

إن إغلاق أبواب المواطنة بصورة قانونيّة أساسيّة وجذريّة يحتاج إلى فتح أبواب أخرى بديلة تكون أكثر نجاعة. وتوصي الورقة أن الرد على المحاولات الإسرائيلية نسف قواعد اللعبة السياسية في الداخل الفلسطيني عليه أن يكون في ثلاثة اتجاهات غير متناقضة:

  1. استنفاد كافة الطرق النضاليّة والشعبيّة والتعبويّة للتعريف بالقانون ومدى خطورته، وبناء تحالف واحد يتشكّل من الداخل والخارج، للنضال ضد القانون شعبيًا ومؤسسيًا، ما من شأنه أن يساهم، حتّى إن لم ينجح بإيقاف القانون، في صياغة الهويّة الفلسطينيّة بالداخل وإعادة تعريف إسرائيل شعبيًا على أساس كونها دولة أبارتهايد وتمييز عنصريّ.
  2. انفتاح نحو الفلسطينيّ: يشكّل إعلان إسرائيل نيّتها الجادّة سن "قانون القوميّة" إعلانًا موازيًا بتضييق إضافيّ جذريّ على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة العام 1948، من خلال إعلانها إنشاء مواطنة منقوصة وتشريعها قانونيًا. الأمر الذي يفرض على الفلسطينيين بالداخل البدء بالبحث عن بدائل سياسيّة وفتح باب جديد، والبدء بالتفكير سياسيًا بما يتلاءم مع التغيير الجذريّ في الحقل السياسيّ الذي تسعى إليه إسرائيل. ويملك الفلسطينيّون خبرة طويلة وتجربة ستكون مثريّة لأي مراجعة معرفيّة وسياسيّة يتم إجراؤها على مستوى فلسطينيّ عام لكافة مسيرة العمل السياسيّ مقابل منظومة السيطرة الاستعماريّة.

وكما قتلت إسرائيل حل الدولتين بالاستيطان، فإنّها وبالموازاة تقتل من خلال هذا القانون فرص تحقيق مطلب "المساواة" أو "دولة المواطنين"، وهما برنامجان سياسيان استندا أساسًا إلى التناقض وعدم حسم معادلة "يهوديّة- ديمقراطيّة". لذا، وجب التطرّق إلى هذا القانون ضمن سياق فلسطينيّ عام، ومنظومة استعماريّة واحدة تستوجب وقفة يبادر إليها الفلسطينيّون في الداخل اعترافًا أمام العالم، والفلسطينيّ ذاته، بأن إسرائيل دولة أبارتهايد. والبدء في إنشاء تحرّك فلسطينيّ عام، يعترف بإفشال إسرائيل المسيرة السياسيّة ويقرّ بذلك، ويبدأ بالبناء من جديد استفادة من التجربة. وبالتاليّ، البدء بخوض حوار فلسطينيّ عام للتحضير لمرحلة يُصبح فيها هامش "الخصوصيّة" أصغر وأقل، ما يكبّر ويفتح آفاقًا جديدة نحو مشروع وطنيّ واحد فلسطينيّ.

  1. الانفتاح نحو الدوليّ: خلال مؤتمر صحيفة "جيروساليم بوست" الأميركيّة قالت وزيرة القضاء الإسرائيليّ، أييلت شاكيد، إنّ "ضم الضفّة الغربيّة سيكون مفيدًا للعرب واليهود، أنا أريد مصلحة العرب أيضًا، في إسرائيل هناك عرب يعيشون أفضل ويحصلون على حقوق أكثر من بقيّة الدول العربيّة". في هذه اللحظة تحديدًا، تحاول شاكيد استغلال الوضعيّة القانونيّة للفلسطينيين في الداخل، أي مشاركتهم الحياة السياسيّة الإسرائيليّة، مستغلّة تعيين قاضية شرعيّة عربيّة وبناء محكمة في مدينة الطيبة، لتشريع التهام وسلب الأراضيّ الفلسطينيّة المتبقيّة.

إن توجّه الفلسطينيين في الداخل نحو المحافل الدوليّة لفضح سياسات إسرائيل القمعيّة والعنصريّة، سيُسقط ورقة التوت عن النظام الاستعماريّ، ويضعفه، ويقوّي بالموازاة الرواية الفلسطينيّة، ويضعف إسرائيل وقدرتها على بيع وهم "الديمقراطيّة"، ويساند في حشر إسرائيل دوليًا وتشكيل ضغط اقتصاديّ سياسيّ وجماهيريّ.  Top ofب

يشكّل "قانون القوميّة" التغيير نحو الأسوأ في وضعيّة الفلسطينيين حملة الجواز الإسرائيليّ، ولكنه في ذات الوقت فرصة لإجراء مراجعة تاريخيّة وبناء سياسات بديلة جذريّة، عليها أن تكون غير محصورة في الأحزاب والبنى السياسيّة القائمة، بل يتوجّب في حال عدم قيام القوى السياسيّة القائمة بإجراء مثل هكذا إجراءات أن يتم البدء بالبحث عن أسس قاعديّة تشكّل الأساس لعمليّة بناء مسار سياسيّ جديد.

 


[1] لمن يود التوسّع حول تاريخ إشكاليّة "من هو اليهوديّ" يمكن النظر إلى مقالة د. هنيدة غانم تحت عنوان "إسرائيل كدولة يهوديّة وديمقراطيّة: إشكاليّات تعريف من هو اليهوديّ". وأيضًا يمكن النظر إلى الفصل الأول من كتاب د. عزمي بشارة تحت عنوان "من يهوديّة الدولة حتّى شارون". وأيضًا يمكن الاطّلاع على سلسلة المقالات الواردة في كتاب "الدولة اليهوديّة" الصادر عن مركز "مدار".