قباطية.... دم في عيني

e-mail icon
قباطية.... دم في عيني
عيسى قراقع
مقالات
-
الأحد, 14 شباط (فبراير), 2016

بلد في كينونة، نصفها رصاص ونصفها اسطورة في فيض اشلاء ، توسدت سندس الله، لم يستسلموا للاحتلال، صوت جائع للحق المبين، في بلد تسمى قباطية، تقع في بطن واد ضيق بين شعبتين جبليتين، تطل على البحر من بعيد، تبسط يدها اليمنى على سهل عرابة، ويدها اليسرى على جبل دوثان الاثري، وبين عينيها يضيء مثلث الشهداء.
قباطية الفلسطينية، دم في عيني، تتدلى جدائلها كقطوف دانية في دوالي الراحلين، يجتمع الشهداء المعدومين والمقتولين تعسفا وميدانيا حول ابتسامتها الواسعة : في الخليل ونابلس والقدس وبيت لحم واريحا وغزة ورام الله ، كمثل صف طويل من التلميذات يجلسن  حارسات على بوابة المدرسة.

قباطية، دم في عيني، وردة تحمل الليل كله بين اكمامها، تتكيء على صدر شهيد وشهيدة، تعطي خصرها لزند الهواء، تحتضن الحياة بشهوة وتبوح باسرارها، اثداء الشوارع تدر غزيرة، الحليب دم، والملائكة اطفال صغار يسيل دمهم على حصير الوقت، تفوح رائحة مستقبل لا يأتي الا من هذه الجثث المتطايرة.

الجنة رأيتها تحت قدمي قباطية، والا ماذا تقولون في بشر كل منهم يعيش داخل موته المستقبلي، لا يملكون سوى حلم واحد، ان يكتمل سهل عرابة بالقمح، لتقرأ الارض بجسدها مخاضها الربيعي.

ما اجملك قباطية ، بلد الصخور والمحاجر، حجر قباطية يشق غباره، يصير له عينين لامعتين، دم يراق كأنه ينبجس من طين الجنة الاحمر، ينقشها ازميل سليم كميل على جدران الموت في تلك السجون المظلمة.

في قباطية، رأيت اغصانا يانعة في اجسام شهداء يانعين، يبحثون عن الهواء الطلق في اشعة شمس تنزل كاليقين الدافيء فوق اهدابها ، تمسك بيد الموت في لباس مدرسي اخضر وتغني.

هكذا تكلمت قباطية، ازاحت القيد عن شفتيها، وتجندل ابو جندل في ملحمة مخيم جنين، اعدموه واقفا كسارية تمتطي فرسا في فضاء اللاجئين.

هكذا تكلمت قباطية ، طفل يكرر ولادته الجميلة، محمولا على ذراع الفجر الى القدس، يخرج من صرة المدينة ضوء، ومن رحمين وشجرتين وذاكرة.

هكذا تكلمت قباطية، شهداؤها يكتبون تاريخا آخر للصوت والحرف والكلمة، صرح الشهداء الفلسطينيين الى جانب صرح الشهداء العراقيين، وجه زياد عامر ومحمود طوالبة وابو السباع  ومنير وشاحي وطه الزبيدي ونضال سويطات ونجلة وضاح، يشيرون باصبعهم الى البحر المتوسط، وسمعنا نشيدا يتردد من  حنجرة التاريخ.

قباطية، دم في عيني، كلما اتسع الموت الفلسطيني، ضاقت الحياة على الاسرائيليين، نزلوا الى اسفل سافلين فسادا واخلاقا، وصاروا من المرجومين حاضرا وغيبا، مسجونين وراء جدار وحواجز ومعسكرات ، مرهقين من حالة الطواريء الدائمة وهم يهتفون: دعوا الجيش ينتصر.

قباطية، دم في عيني، يطل الشهيد الاسير فادي الدربي من نافذة السجن، يعود الى امه بعشر سنين فائضات في الموت، وبعشرة سنابل حاملات ناضجات متجددات في الجفاف، هم اسرى يعلنون حياتهم بعد الممات.

صباح الخير يا قباطية، ينسكب الفجر فيك ويتوزع على الافق، شهداء يحملون مفاتيح قلوبهم وينتشرون : احمد محمد كميل يسقط على حاجز الجلمة، قاسم سباعنة يسقط على حاجز زعترة، محمود نزال يسقط على حاجز حوارة، احمد عوض ابو الرب يسقط على حاجز الجلمة، نور الدين ومحمد سباعنة يسقطان على حاجز حوارة، واحمد زكارنة واحمد ابو الرب ومحمد كميل يسقطون في القدس،  عرجوا الى الاعالي من باب العامود، يحملهم الغيم والصلاة.

قباطية، دم في عيني، اشتباكات امام البيوت والعتبات، في المزارع والمحاجر وبين الكسارات ، تواجه الجنود وتكسر الحصار، مواجهات تشارك فيها العجلات والحجارة والنكافات والتكبيرات، اولاد وبنات يخترقون جدار الصوت، تديرها رئة بلد تتنفس من اعناق النبوءات.

قباطية، دم في عيني، شهداء يعزفون فوق جسد السماء، لم يفرغ الغيم من الدم في فلسطين، ما هذا الشتاء؟ مطر ودم ورياح، ولم تكد الشمس تفرش منديلها حتى التحفت بالشهداء غطاء، ترتفع الارض المبلولة، تغمس عضلاتها في عيون المساء.

صباح الخير يا قباطية

من يصنع حجرا

يصنع  برقا

يحمله الحلم كل ليلة

قربانا للفضاء