كلفة الانقسام وأثره على الفلسطينيين

e-mail icon

المقدمة

 

أوصى مؤتمر "نحو رؤية شاملة لإعادة بناء الوحدة الوطنية"، الذي عقد في 6 آب/أغسطس 2016، بتشكيل لجنة دعم الوحدة الوطنية بمشاركة أعضاء من مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني داخل الوطن، بما فيها أراضي 48، والشتات لتساهم في توفير عناصر الضغط السياسي والجماهيري بشكل متراكم، بما يضمن تحقيق هدف إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة على أسس وطنية وديمقراطية توافقية ومشاركة سياسية حقيقية.

لقراءة الكتاب أو تحميله ... اضغط/ي هنا 

وقامت اللجنة بتنظيم العديد من اللقاءات لبحث وسائل وآليات تطبيق الرؤية التي تضمنتها "وثيقة الوحدة الوطنية"، التي جاءت كحصيلة لعملية حوارية واسعة في فلسطين التاريخية والشتات، وتتضمن القواسم المشتركة المعبرة عن تطلعات الشعب الفلسطيني ومصالحه، كما تنطلق من الوحدة الوطنية كشرط لاستكمال مسيرة التحرر الوطني والديمقراطي.  ودعت الوثيقة إلى بناء رأي عام ضاغط باتجاه توفير الظروف والمقومات لنمو تيار وطني شعبي عابر للجغرافيا والفئوية التنظيمية والانغلاق الفكري والسياسي، بحيث يضم الحريصين على النهوض بالقضية الوطنية من الوطن والشتات ومن داخل الفصائل وخارجها، وجميع المتضررين من الانقسام والمؤمنين بضرورة إنهائه.

وفي هذا السياق، أصدرت اللجنة بيانات عدة وقع عليها آلاف الشخصيات السياسية والأكاديمية والمجتمعية والنسوية والشبابية من مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وشاركت في مختلف النشاطات والتحركات الرامية إلى إنهاء الانقسام.  كما أوصت في أحد لقاءاتها في قبرص يومي 25 و26 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، بتركيز الجهد البحثي على دراسة كلفة الانقسام وأثره على الشعب الفلسطيني في مختلف المجالات والقطاعات، وهو جهد أصبحت نتائجه الآن بين دفتي هذا الكتاب.

لقد شارك في إعداد فصول هذا الكتاب عدد كبير من الباحثين ومساعدي البحث، واستغرق العمل في إنجازها أشهر عدة شهدت مراجعة أكبر عدد ممكن من الأبحاث والتقارير والأوراق والمقالات ذات العلاقة بالانقسام وآثاره طيلة عشر سنوات.  وأجريت عشرات المقابلات والاستشارات مع ذوي الاختصاص، كما أدخلت تعديلات بناء على مراجعات لفصول هذا الإصدار شارك فيها باحثون مختصون حتى يخرج بالصورة التي أصبحت بين أيديكم.

وبذلك، نأمل أن يحقق هذا الجهد هدفه بتغطية الآثار الضارة الواسعة التي سببها الانقسام حتى يتواصل العمل ويتصاعد لإنهائه بما يكفل إعادة القضية الفلسطينية إلى المكانة التي تستحقها كقضية تحرر وطني.  فالوحدة الوطنية تعد المتطلب الإستراتيجي الأول للتمكن من تحقيق أهداف النضال الفلسطيني في العودة والمساواة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني بأسره في الوطن والشتات، بما يشمل حقه في تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة، وهو هدف لا يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال والاستيطان بشكل كامل عن جميع الأراضي المحتلة العام 67.

كنّا ندرك قبل إعداد هذا الكتاب وإصداره أن الانقسام مكلف جداً، لكننا لم نكن نتصور إلى أي حد، فكلفة الانقسام لا تقتصر على الآثار السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية والثقافية، إذ إن أكثر آثاره خطورة تلك التي طالت الإنسان الفلسطيني هنا في الوطن، وهناك في الشتات، حيث وجه الانقسام ضربة قوية جداً لثقته بنفسه وقدرته على مواصلة الكفاح لتحقيق أهدافه وحقوقه الوطنية، كما وجه ضربة قوية جداً للقضية الفلسطينية ساهمت في زيادة تهميشها خلال السنوات السوداء الماضية.

ووفّر انهماك الفلسطينيين في صراع داخلي مدمر يستنزف طاقاتهم ويضعف قدرتهم على المضي قدماً في كفاحهم التحرري، فرصة ذهبية نادرة لإسرائيل لمواصلة العمل بشكل متسارع لتنفيذ أهدافها ومشاريعها الرامية إلى استكمال تحقيق أهداف المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني العنصري بإقامة "إسرائيل الكبرى"، وجعلها الدولة اليهودية المركزية المسيطرة على ما يسمونها "منطقة الشرق الأوسط" تزييفاً لاسمها العربي، وتسهيلاً لاستمرار تفتيتها، والإمعان أكثر في تقسيمها لإبقائها أسيرة للتبعية والتفرقة والجهل والتخلف والفقر.

في ختام هذه المقدمة، أعود بالذاكرة إلى ما قاله أرئيل شارون، رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، غداة إقراره خطة "فك الارتباط" مع قطاع غزة، أثناء لقاء مع مجموعة من شباب حزب الليكود الرافضين لهذه الخطة، وخصوصاً لكونها تأتي من شارون الذي كان يلقب بـ "أبو الاستيطان"، حيث قال ما معناه بأن أهمية مستوطنة نتساريم (وهي كانت مستوطنة صغيرة جداً في قطاع غزة) تساوي أهمية تل أبيب (أكبر وأهم مدينة في إسرائيل) للدلالة على صعوبة قرار إخلائها. وأضاف: استمعوا جيداً لما سأقول؛ بعد تنفيذ خطة فك الارتباط، ستدب الفوضى في القطاع، وسينشب قتال بين "فتح" و"حماس"، وسيرسل الفلسطينيون رسالة للعالم بأنهم غير جديرين بإقامة دولة فلسطينية، وهذا سيساهم في تحقيق هدف إسرائيل التي ترفض إقامة دولة فلسطينية.

لا يعني ذلك أن ما قاله شارون كان قدراً لا رادّ له، أو أن إسرائيل هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن وقوع الانقسام، بل يتحمل مسؤوليته أولاً وأساساً طرفا الانقسام اللذان تجاهلا الأهداف الإسرائيلية، وكذلك ما يعانيه النظام السياسي والمجتمع الفلسطيني من خلل وثغرات وأخطاء، وجملة من الأسباب والجذور التي أدت إلى وقوع الانقسام، والواردة باختصار في الفصل الأول الذي يتناول تأثير الانقسام في الجانب السياسي. كما تتحمل مسؤولية الانقسام ثانياً بقية القوى والفعاليات والشخصيات العامة والمثقفون الذين لم يستطيعوا منع وقوعه أو إنهاءه طيلة سنوات. وبعد ذلك، تتحمل إسرائيل المسؤولية، لأنها وفّرت كل الظروف وساهمت بنشاط في وقوعه واستمراره.

لقد وقع الانقسام وتعمق طيلة السنوات الماضية، رغم أن الأهداف والمخططات الإسرائيلية كانت شديدة الوضوح منذ شرعت إسرائيل في تطبيق خطة الفصل بين الضفة والقطاع، ما قبل توقيع اتفاق أوسلو، وواصلت تطبيقها بعد توقيعه، وعندما لم تنسق الحكومة الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية عند إعادة نشر القوات المحتلة في محيط قطاع غزة، لتضمن وقوع الانقسام كنتيجة لحالة الفوضى والاقتتال التي تحدث عنها شارون، وعندما وضعت القيادة الفلسطينية عند توقيع أي اتفاق للمصالحة أمام خيارين لا ثالث لهما: الاختيار بين إسرائيل أو "حماس"، وعندما اعتقلت عشرات النواب من كتلة التغيير والإصلاح وبعض الوزراء من أعضاء الحكومة الفلسطينية العاشرة التي شكلتها "حماس" بمفردها بعد فوزها في الانتخابات التشريعية العام 2006، فضلاً عن مقاطعة إسرائيل لحكومة الوحدة الوطنية التي شكلت بعد توقيع اتفاق مكة في شباط 2007، وأوقفت تحويل الأموال الجمركية الفلسطينية.

كما كان العامل الإسرائيلي حاضراً في مشهد إدامة الانقسام عندما أقنعت الحكومة الإسرائيلية اللجنة الرباعية الدولية، بواسطة حليفتها الموثوقة الدائمة الولايات المتحدة الأميركية، بوضع شروط ظالمة على أي اعتراف أو تعامل مع أي حكومة فلسطينية، دون وضع أي شرط على إسرائيل، رغم تنصلها من كل التزاماتها في اتفاق أوسلو، ورغم استمرار احتلالها ومجازرها وعدوانها واستيطانها ورفضها وانتهاكها للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ولكل المواثيق الدولية، ورغم إفشالها لكل الجهود والمبادرات الرامية للتوصل إلى تسوية تضمن إنهاء الاحتلال، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة، وتحقيق الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة.

 

هاني المصري

المدير العام لمركز مسارات

ملف الإصدار: