كيف نحوّل إنجازات دحر العدوان على غزة إلى رافعة لنهوض وطني شامل

e-mail icon
كيف نحوّل إنجازات دحر العدوان على غزة إلى رافعة لنهوض وطني شامل
ممدوح العكر
-
الأحد, 31 آب (اغسطس), 2014

 

ليس من شك أن روحًا جديدة تدب الآن في مفاصل وشرايين، وربما في أعصاب الجسد الفلسطيني أيضًا. لَكَأنّها عودة الروح لهذا الجسد الذي أرادوا له أن يتمزق، أن يترهل، أن يتيه، وأن يغيب عن الوعي. تمامًا كما كان حال عودة الروح لدى انطلاقة المقاومة الفلسطينية عام 1965التي انطلق بها شعبنا الفلسطيني كطائر الفينيق من بين رماد نكبة 1948. وكعودة الروح أيضًاعندما انطلق طائر الفينيق من جديد عام 1988 انتفاضةً حملت ردًا شعبيًا عبقريًا أعاد الاعتبار لـ م. ت. ف. وللقضية الفلسطينية.

روحٌ جديدة نراها تدب سعيًا للتمرد على التمزق، والترهل، على التيه وفقدان البوصلة، وقبل ذلك وبعده على محاولات " كي الوعي ". ولا يحتاج المرء كي يدرك كُنْه هذه الروح سوى أن يرصد سلوك المواطن الفلسطيني، صغيره قبل كبيره، تجاه مقاطعة كل ما هي سلعة إسرائيلية في أسواقنا، وأن يتابع مدى الإحساس بالعنفوان وبالكبرياء وبالاعتداد بكل ما له علاقة بالمقاومة. وأكاد أقول إنه حتى لغة القيادة الفلسطينية في رام الله نراها في الأيام الأخيرة قد اكتسبت نفسًا أصلب، وأضحت تتحدث بثقة، وربما بجدية أكبر عن ضرورة تغيير المسار الذي تم سلوكه طوال أكثر من 20 عامًا.

ليس لدي من شك أن الهدف الأهم (وكثيرًا ما عبر عنه قادة إسرائيليون بتعبير "كيّ الوعي") لمبالغة إسرائيل في سلوكها المتوحش ردًا على أي فعلٍ فلسطيني مقاوم هو كسر الإرادة الفلسطينية في المقاومة، ومحو فكرة وثقافة المقاومة من قاموس ومن وعي الإنسان الفلسطيني. وقد تجلّت هذه السياسة الصهيونية بشكل خاص طوال الأيام الخمسين للعدوان الأخير على غزة باستهداف المدنيين بشكلٍ لا سابق له، وتدمير البيوت والأبراج السكنية، والبنية التحتية، بما في ذلك محطة الكهرباء وشبكات المياه والاتصالات، والمدارس والجامعات والمستشفيات وسيارات وطواقم الإسعاف والمساجد والمعامل والمصانع والمزارع ... كل ذلك ليس فقط لضرب المقاومة والمقاومين، بل وبشكل أساسي أيضًا لتلقين كل إنسان فلسطيني، سواء في غزة أو في الضفة والقدس أو في أي مكان، درسًا بأنه سيدفع ثمنًا فادحًا يجعله يرفع إصبع سبابته على شفتيه علامة التوبة، ويتردد ألف مرة قبل التفكير، مجرد التفكير، في القيام بأي فعل مقاوم. هذا هو كي وعي الإنسان الفلسطيني الذي سعوا ويسعون إليه بشكل ممنهج.

أعتقد، بدون أية مبالغة، أن أهم إنجاز تم بعد خمسين يومًا من بسالة وصمود المقاومة والتفاف واحتضان الشعب الفلسطيني لها، رغم فداحة التضحيات، هو عودة الوعي هذه، وعودة الروح للشعب الفلسطيني، العودة إلى بوصلة المقاومة، أي شكلٍ من أشكال المقاومة، وما أكثرها. كل أشكال المقاومة مهمة وفعالة شريطة ان نحسن استخدام الشكل المناسب في الوقت المناسب وفي المكان المناسب، فبهكذا بوصلة وبهكذا رؤية يستطيع كل إنسان فلسطيني، أينما وجد، أن ينخرط في شكلٍ أو أخر من أشكال المقاومة. المهم أن نجعل الاحتلال مكلفًا، المهم أن نجعل المحتل يدفع يوميًا ثمن احتلاله: ماديا، واقتصاديًا، وسياسيا، وقانونيًا، ومعنويا ودوليا. انتهت أيام الجدب والخراب وفقدان البوصلة، التي لم يكن الاحتلال فيها مكلفًا له وحسب، بل أكثر من ذلك كان يكسب يوميًا أرضًا، واستيطانًا، واقتصادًا وتعميقًا لاحتلاله وسيطرته وإذلاله الذي وصل إلى حد أن فرض علينا التنسيق الأمني معه، في مفارقة مهينة لم يسبق لها في تاريخ حركات التحرير والاستقلال مثيل.

وعودة الروح لإرادة وثقافة المقاومة صاحَبَها مباشرة إنجاز مهم آخر، وهو تصحيح معادلة العمل الوطني من منظور أن العمل السياسي (بما في ذلك أي عملٍ تفاوضي) يجب أن يكون مكملًا للفعل المقاوم على الأرض واستثمارًا حقيقيا له، وليس بديلًا له، ولا بمعزل عنه، ولا بالتفاف عليه. كلاهما معا يشكلان وجهين لعملة واحدة متكاملة ولا انفصام بينهما. الفعل المقاوم على الأرض يزرع، والعمل السياسي بكل أشكاله يحصد ثمرًا حقيقيًا وليس ثمرًا خبيثًا لا علاقة له ببذار الزرع كما حصل في أوسلو بعد الانتفاضة الأولى.

لا شك أن هناك إنجازات أخرى يمكن، بل ومن الضروري التقاطها وإبرازها. ولكنني أترك ذلك الآن حتى لا أُطيل. ذلك أن همي الأساسي من هذا المقال أن أتحدث عن ماذا بعد، وماذا نحن فاعلون بهذه الإنجازات.

تقتضي الضرورة الملحّة والمسؤولية الوطنية أن نلتقط بسرعة ما أمامنا من فرصة كبيرة لاستثمار هذا المناخ الإيجابي؛ لتحويل صمود المقاومة البطولي وإنجازاتها بعيدة المدى إلى رافعة للنهوض الوطني على طريق تحقيق أهداف شعبنا في إنهاء الاحتلال وحق تقرير المصير مجسّدًا بحق العودة، وحق إقامة الدولة المستقلة ذات السيادة غير المنقوصة على كامل الأرض الفلسطينية التي احتلت عام 1967. وفي هذا السياق أعتقد أن الضرورة القصوى تقتضي، في ما هو قادم من أيام، أن نعطي الأولوية لما يلي :

أولًا: العمل فورًا على تعزيز المصالحة وطيّ صفحة الانقسام نهائيًا من أجل الوصول إلى وحدة وطنية حقيقية عبر شراكة جدية وحقيقية في كل ما يتعلق بالشأن العام والقضايا المصيرية (بما في ذلك ما يتعلق بقرارات الحرب والسلم)، وفق المهمات التي تم تحديدها في اتفاقات المصالحة.

والخطوة الأولى والمحكّ الحقيقي لجدية النوايا في هذا المجال تبدأ بتفعيل الإطار القيادي المؤقت لـ م. ت. ف. (لتضم إلى جانب القوى المنضوية في المنظمة كلًا من "حماس" والجهاد وممثلي المجتمع المدني، ومستقلين، مع حضور واضح للمرأة والشباب في كل هذه المكونات) دون المزيد من التلكؤ والتردد. لن يغفر لنا التاريخ عن كل يوم نتأخر فيه عن المبادرة إلى تفعيل هذا الإطار القيادي المؤقت، خاصة بعد أن أنجزنا وفدًا موحدًا لمفاوضات القاهرة انعكاسًا وانسجامًا مع الوحدة الميدانية لفصائل المقاومة على الأرض. وليس من شك أنه ما كان للمقاومة أن تنجز ما أنجزته وأن تتمتع بحاضنتها الشعبية، وما كان للوفد الموحد في القاهرة أن ينجز ما أنجزه لولا هذه الوحدة. وبالطبع فإن هذا الإطار القيادي المؤقت سيتولى الإشراف على، ومتابعة المهمة الأولى والعاجلة لإيواء وإغاثة أهلنا في غزة وإعادة إعمارها. كما سيتولى وضع صيغ وخطوات إعادة بناء م. ت. ف.، بما في ذلك توقيت وطبيعة أية انتخابات قادمة. وإلى حين انتخاب مجلس وطني جديد، يمكن لهذا الإطار المؤقت أن يدرس فكرة جديرة بالاهتمام وهي تشكيل "مجلس حكماء" كما فعلت عدة شعوب ودول في ظروف معينة ومراحل انتقالية من حياتها.

وتزداد الأهمية الملحّة لتفعيل هذا الإطار القيادي، اليوم قبل الغد، للحيلولة دون تدهور العلاقات ما بين السلطة وحماس بعد أن بدأت تظهر بوادر تنذر بذلك، التي من شأنها نسف كل ما تم من خطوات باتجاه المصالحة، والعودة بنا إلى كارثة الانقسام. وهذا في حد ذاته كان أحد الأهداف الإسرائيلية قبل، وأثناء، وبعد العدوان.

ثانيًا: وإذ ننهمك في ورشة وطنية في غزة، نجنّد لها كل الطاقات والإمكانيات الذاتية والدولية، من إجل إيواء من فقدوا مساكنهم، وإغاثة المنكوبين، وإعادة إعمار غزة علينا أن نكون في منتهى اليقظة والصرامة لمنع استيراد أو استخدام أية مواد بناء إسرائيلية. ولا أحتاج للخوض في تفاصيل آليات ذلك والبدائل المتاحة.

ثالثًا: علينا المضي قُدُمًا، وبدون المزيد من التأخير والتردد، للتوقيع على "ميثاق روما" من أجل الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية. ومن غير المقبول إطلاقًا مقايضة ذلك بأية وعود أو خطوات أمريكية أو دولية حول تحديد سقف زمني لإنهاء الاحتلال. كما أن من غير المقبول الاستجابة لأية ضغوط أو تهديدات لثنينا عن هذا التوجه. يجب ألا ندع إسرائيل تفلت من العقاب على كل ما ارتكبته من جرائم ضد شعبنا. يجب ملاحقة كل من ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من القادة الإسرائيليين السياسيين والعسكريين في محكمة الجنايات الدولية. ولا يجوز المساومة، أو التهاون، أو ربط، أو مقايضة هذا الملف بأي ملف آخر.

رابعًا : تبني حملة وبرنامج المقاطعة الشاملة لإسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (برنامج الـ BDS).

لا بد من الدعم والتبني الرسمي لهذا البرنامج بعد أن قطع شوطًا كبيرًا، وأخذت نتائجه توجع إسرائيل منذ تبني المجتمع المدني وحملة التضامن الدولية له. ومن المتوقع أن يكتسب زخمًا كبيرا إثر ما شاهده العالم من المجازر التي قامت بها إسرائيل أثناء العدوان الأخير على غزة.

خامسًا: المضي قدمًا وسريعًا لفك الارتباط باتفاقيات أوسلو والتزاماتها، وخاصة المتعلقة بالتنسيق الأمني، ولسحب مبدأ "تبادل الأراضي" من التداول. وقد يكون من الضروري أيضًا في هذا السياق سحب الرسالة المتبادلة ما بين الرئيس الراحل ياسر عرفات وإسحاق رابين بتاريخ 9 أيلول 1993، التي اضْطُرّ الرئيس الراحل إلى إرسالها لرئيس الوزراء الإسرائيلي رابين عبر وزير الخارجية النرويجي هولست، قبل أربعة أيام فقط من احتفالية التوقيع على إعلان مبادئ "اتفاق أوسلو" يوم 13 أيلول 1993 في حديقة البيت الأبيض. ومن دون تلك الرسالة ما كان رابين مستعدًا للمضي قُدُمًا في تلك الاحتفالية.

سادسًا: اعتبار الرباعية الدولية وشروطها جزءًا من الماضي. ولا دور لهذه الآلية الفاشلة في أي جهد سياسي مستقبلي.

ويجب أن نعتبر توني بلير شخصًا غير مرغوب به في بلادنا، فلا تطأ قدماه أرض فلسطين بعد الآن.

سابعًا: لم يعد مقبولًا أن نرضى بتاتًا برعاية الولايات المتحدة لأي مسعًى سياسي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي على طريق حلٍ عادلٍ للقضية الفلسطينية. ليس فقط بسبب تحيزها الكامل للمواقف الإسرائيلية طوال أكثر من 35 عامًا مما سميت تضليلًا بـ"عملية السلام"، وعلى امتداد آخر ستة إدارات أمريكية متتالية، كانت تلعب خلالها دور محامي الدفاع عن إسرائيل وحاميها القوي في وجه مجلس الأمن، بل أيضًا وبشكل خاص السلوك الأمريكي المساند للعدوان وإصرار البيت الأبيض صباح مساء أن إسرائيل، في كل ما ارتكبته من عدوان إنما كانت تمارس حقها في الدفاع عن النفس! ولم يخجل رجل القانون أوباما من ذلك، ولا من وصف أسْرِ المقاومة لجندي إسرائيلي معتد بأنه عمل "بربري وإرهابي" !