لماذا لا يجب التفاوض

e-mail icon
لماذا لا يجب التفاوض
محمد ياغي
مقالات
-
الأحد, 8 آيار (مايو), 2011

المفاوضات مع حكومة إسرائيل حتى لو تمت على أرضية خطاب أوباما لا يتوفر لها عناصر النجاح. لماذا؟ لأن أرضية أوباما مليئة بالثقوب. المفاوضات بلا آليات حيث لا يوجد جدول زمني لانتهائها، ولا توجد آلية تحكيم فيها أو مبادئ يمكن التوجه لجهة تحكيم على أساسها. مدة التفاوض يجب أن تكون مرتبطة بآلية التحكيم. بخلاف ذلك، قد تبدأ المفاوضات وقد تستمر لعشرين عاماً أخرى بلا نتائج. من سيجبر إسرائيل على القبول بتسوية وفق مبادئ أوباما؟ وبغياب لجنة تحكيم وأسس للتحكيم، ألا يعني ذلك استمرار المفاوضات الى الأبد؟

يجري الحديث أيضاً عن قبول إسرائيل لمبدأ حدود العام 1967 مع "تعديلات" باعتبار ذلك جوهر قضية الصراع مع إسرائيل. يقول أصحاب المفاوضات، إذا حلت مسألة الحدود تحل معها مسألتان: الأمن والمستوطنات. ينسى هؤلاء أن الأمن في نهاية المطاف مرتبط بحل جميع قضايا الصراع مع إسرائيل- الحدود إحداها. ينسى البعض أيضاً أن مبادئ أوباما أجلت مسألتي القدس واللاجئين. بمعنى حتى لو تمت تسوية مسألة الحدود فإن ما يسمى "جوهر" الصراع وهو ما يتعلق بالقدس واللاجئين لن يكون بشأنه حتى مجرد "حوار". ثم لماذا يجب تجزأة المفاوضات؟ هل توجد مصلحة فلسطينية في ذلك؟ أيام مدريد (1990-1991) كنا نخشى من أن فصل مسارات التفاوض سيضعف الموقف الفلسطيني، لأن إسرائيل ستنفرد بالحلقة الأضعف- الطرف الفلسطيني- للحصول على أكبر قدر من المكاسب. بالعودة للوراء، ربما كان هذا الموقف فيه الكثير من السذاجة. لأن جشع دولة إسرائيل كان أكبر بكثير مما توقعناه. إسرائيل مثلاً لم تعد لسورية الجولان لإخراجها من معادلة الصراع كما اعتقدنا، بهدف الانفراد بالفلسطينيين. إسرائيل تريد الجولان، والقدس، ولا تريد لاجئين، وتريد بناء أكبر قدر من المستوطنات في الضفة طالما أن كلمة السر التي ستحل مشكلة المستوطنات هي "تعديل الحدود". بالإمكان تعديل الحدود اليوم، ويمكن تعديلها بعد عشرين عاماً.. بالنسبة لإسرائيل لماذا "العجلة" طالما أن المزيد من الوقت فيه المزيد من المستوطنات، وفيه المزيد من التبادل.

القبول بالمفاوضات قبل اعتراف إسرائيل بأنها قوة احتلال وبأنها جاهزة لإنهاء هذا الاحتلال من جميع الأراضي التي احتلتها عام 1967 هو أساس وجوهر الخطأ الذي وقعت فيه القيادة الفلسطينية منذ عشرين عاماً ولا زالت مستمرة فيه. هذا الخطأ "المفصلي" أدى الى أربع نتائج "كارثية" بحق الشعب الفلسطيني. ترتيبها ليس مهماً لأن جميعها بنفس القيمة. أولاً: التفاوض حرر إسرائيل كدولة احتلال من مسؤولياتها عن المناطق المحتلة، وأصبحت السلطة الجهة الملزمة برواتب الموظفين وبتوفير الخدمات المدنية والبنى التحتية لمناطق ما زالت خاضعة لدولة الاحتلال. ترتب على ذلك أن غضب الشارع الفلسطيني بسبب فقر الخدمات وعدم توفر الرواتب في مواعيدها المحددة أصبح يوجه للسلطة بدلاً من الاحتلال. والأسوأ من ذلك أن شعباً بلا دولة أصبح مديناً بعدة مليارات! وأن المليارات التي دخلت مناطق السلطة "كمنح" استفادت منها دولة الاحتلال أيضاً بنفس مقدار استفادة السلطة منها.

ثانياً: أصبحت السلطة مسؤولة عن أمن من يحتلها، وأصبحت المقاومة عبئاً على "حركة تحرر وطني" يجب التخلص منه، بدلاً من تشجيعه حتى إنهاء الاحتلال. بمعنى أن المفاوضات حررت إسرائيل من مسؤوليتها الأمنية عن نفسها. وبدلاً من أن تنشغل إسرائيل في ذلك، وجدت بديلاً لها يقوم بهذه المهمة بكفاءة وفاعلية أكثر وله على الأقل بعض الشرعية.

ثالثاً: المفاوضات شجعت إسرائيل على التغول في الاستيطان. ليس فقط لأن أوسلو لم يتطرق للاستيطان في بنوده، ولكن لأن عملية التفاوض بقيت مستمرة منذ مدريد في الوقت الذي كانت فيه المستوطنات تتوسع كسرطان. الآن يجري الحديث عن "رسم" الحدود كبديل لوقف المستوطنات. وهي نفس السياسة القديمة التي شجعت إسرائيل على رفض التوصل لحل مع المنظمة. لأن التفاوض، هو وقت، يقوم الفلسطينيون بإضاعته باسم الرغبة بالسلام، بينما تقوم إسرائيل باستخدامه لبناء المستوطنات في القدس والأغوار وفي كل مكان تتمكن منه.

رابعاً: المفاوضات جردت الشعب الفلسطيني من التعاطف الدولي. عندما كانت إسرائيل تحاصر كدولة "أبارتهيد" في العالم مثل دولة جنوب أفريقيا العنصرية، جاءت المفاوضات لتكسر عزلة إسرائيل عالمياً، بطريقة جرى فيها خلط "مريب" للأوراق. السلطة صورت على أنها دولة من قبل إسرائيل وحلفائها. والسلطة نفسها ساهمت في ذلك من خلال مؤتمرات المانحين وبنائها لأجهزة أمن وحتى بممارسة "طقوس" سياسية لا تمارسها إلا دول ذات سيادة. يضاف لذلك، التغير الذي جرى على الخطاب الفلسطيني عالمياً. وأقل ما يوصف به هذا الخطاب، بأنه أخرج كلمة "احتلال" من لغة الإعلام العالمي، واستبدلها بكلمات مثل "مفاوضات"، "حل متفق عليه"، "مسيرة سلمية" وغيرها من المفردات التي توحي بأن هنالك مجرد خلاف بين "دولة" فلسطين ودولة إسرائيل، بالقليل من الحكمة يمكن للطرفين إنهاؤه. لكن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالصراع مثل: من يحتل من؟ من يقتل من؟ من يصادر أرض من؟ من يحرم من الحركة؟ من يستولي على أموال من؟ جميعها أصبحت خارج الخطاب الفلسطيني الدولي الذي يستهدف كسب الحلفاء منذ أوسلو.

الآن يقال للفلسطينيين إن بديل المفاوضات هو المفاوضات مع إضافة عبارة التوجه للأمم المتحدة لطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية. الأسباب التي تقدم لذلك بأن هذا سيعدل من عملية التفاوض بحيث يجري التفاوض بين دولتين لهما نفس المكانة في الأمم المتحدة، وبأن إسرائيل ستصبح دولة محتلة لدولة أخرى في نظر القانون الدولي. لكن لاحظوا جيدا بأن الاعتراف بالدولة لا يعني بأن "دولة" فلسطين المحتلة ودولة إسرائيل ستصبح لهما نفس المكانة فعلياً. لو كان الأمر كذلك، لما وجدت مشاكل في العالم كله. مثلاً، إذا اقتنعنا بهذا الرأي، كيف يمكن تبرير احتلال الولايات المتحدة للعراق. القانون الدولي مهم، لكن من يطبق القانون الدولي هو الأهم. التطبيق منوط في الكثير من الحالات بمجلس الأمن وهو ما يعني بأن هنالك فيتو أميركياً سيجعل من مسألة الاعتراف في "حالة حدوثها" مسألة شكلية. وفي بعض الحالات منوط برؤية الدول "القوية" لمصالحها. مثلاً، العراق جرى احتلاله بدون قرار مجلس أمن. بشكل مختصر الاعتراف بالدولة مسألة شكلية، معنوية، لها قيمة إذا كان البرنامج السياسي لحركة التحرر الوطني الفلسطيني هو برنامج يستهدف حصار إسرائيل، ومخاطبة العالم لمقاطعتها، مصحوباً بإجراءات أخرى تستهدف الضغط على دولة الاحتلال. لكن بوجود برنامج المفاوضات.. أيلول ليس أكثر من وقت يجري إضاعته والتمهيد خلاله لمسألة أخرى لإضاعة المزيد من الوقت بعده.