ما هي آليات المواجهة الفلسطينية بعد قرار ترامب؟

e-mail icon
ما هي آليات المواجهة الفلسطينية بعد قرار ترامب؟
يحيى قاعود
مقالات
-
الخميس, 28 كانون اﻷول (ديسمبر), 2017

 

أثار إعلان دونالد ترامب غضب الفلسطينيين والعالم، وقوبل قرار اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل يوم 6 كانون الأول 2017م برفض عام دولي، وكذلك في هيئات الأمم المتحدة. خلافاً لأسلافه من الرؤساء الأميركيين الذين أرجأوا تنفيذ القرار منذ العام 1995م، تبنى بشكل علني الرواية الصهيونية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

في غضون ذلك، شكل اعتراف الراعي الأميركي لعملية السلام "القدس عاصمة لإسرائيل" نهاية عملية التسوية السياسية عملياً، وإمكانية بدء نضال وطني فلسطيني بإستراتيجيات جديدة مناهضة للدور الأميركي والتغول الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.

تداعيات قرار ترامب

في خطوة استباقية قبل قرار ترامب بشأن القدس بأيام محسوبة، أبلغت الخارجية الأميركية السلطة الفلسطينية بإغلاق مكتب منظمة التحرير. وعلى صعيد آخر، اعتبر الكونغرس الأميركي منظمة التحرير منظمة إرهابية. وبعد تدخلات عربية ومفاوضات أجرتها القيادة الفلسطينية تقرر تأجيل إغلاق المكتب تسعين يوماً، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إدغار فازكيز في تشرين الثاني/نوفمبر 2017م، "تم تقديم نصيحة لمكتب منظمة التحرير الفلسطينية بأن يقصر نشاطاته على أمور مرتبطة بإنجاز سلام دائم وشامل، وإذا رأى الرئيس بعد تسعين يوماً أن الفلسطينيين ملتزمون بمفاوضات مباشرة وذات معنى مع إسرائيل، فيمكن رفع القيود عن منظمة التحرير ومكتبها في واشنطن".

في المجمل، إن رفضت السلطة أي قرار أميركي، ولم تتجاوب مع مفاوضات السلام وفق الرؤية الإسرائيلية سيسحب الترخيص ويتوقف الدعم المالي، فقد أقر الكونغرس الأميركي الأربعاء 1 كانون الأول/ديسمبر 2017م، قانونًا ينص على خفض شديد لمساعدات قدرها 300 مليون دولار تقدمها سنوياً للسلطة. إذ يعتبر رفض الرئيس محمود عباس استقبال مبعوث ترامب مايك بينس  رداً وتحدياً للإدارة الأميركية. ولم يقتصر التهديد الأميركي للفلسطينيين فحسب، بل توعد دونالد ترامب وسفيرته لدى الأمم المتحدة نيكي هالي الدول التي تدعم الحقوق الفلسطينية وتطالب بإلغاء قرار ترامب في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

منذ احتلال كامل الأراضي الفلسطينية العام 1967م، لم تتخل إسرائيل في أي مرحلة لاحقة عن القدس، وعكفت طوال هذه السنوات على تعزيز استيطانها الإحلالي في المدينة، من خلال رسم خرائط لطرد الفلسطينيين وزيادة المستوطنين في القدس، ومن ثم شرعنة الأمر الواقع من خلال قوانين عنصرية في البرلمان "الكنيست الإسرائيلي". واستغلت إسرائيل الأوضاع في المنطقة العربية، لتحقق تطلعاتها المستقبلية "إسرائيل الكبرى"، فمنذ ما يزيد عن عامين وهي تروج للسلام الإقليمي، والتحالف الإسرائيلي-العربي لمحاربة الإرهاب، وفي ذات الوقت استبعاد القضية الفلسطينية.

في هذا السياق، تروج الديبلوماسية الإسرائيلية للعالم بأن المنطقة العربية تقبل بقرار ترامب، وتسعى للحصول على اعترافات جديدة من دول العالم بأن القدس عاصمة لـ إسرائيل. حيث صرح بنيامين نتياهو في مقابلته مع شبكة CNN الإثنين 22 كانون الأول/ديسمبر 2017م أن إسرائيل تجري اتصالات مع عدة دول بهذا الصدد.

 

تسوية سياسية جديدة

نهاية حل الدولتين أم نهاية رعاية الولايات المتحدة الأميركية

لا يمثل قرار ترامب إلا فارقاً في درجة الانحياز الأميركي لإسرائيل منذ نشأتها إلى اليوم، خاصة رعايتها للعملية السلمية من خلال المفاوضات بعيداً عن الشرعية الدولية. ويعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أحمد يوسف أحمد أن مشكلة الفلسطينيين والعرب أن الدولة الوحيدة القادرة على الضغط على إسرائيل غير راغبة في ذلك لاعتبارات داخلية وخارجية، أما الدول والقوى الأخرى كروسيا والصين والاتحاد الأوروبي فحتى لو كانت راغبة في الضغط على إسرائيل فهي غير قادرة على ذلك أو بالأحرى ليست قادرة بما يكفي لحل مشكلاتنا معها. إن الموقف الأميركي ليس منحازاً للاحتلال فحسب، وإنما يساعده داخلياً ويحميه دولياً لفرض سياسة الأمر الواقع.

يعمل دونالد ترامب وفق إستراتيجية الصفقة في العلاقات الدولية، فمنذ وصوله لسدة الحكم تحدث عن صفقة سياسية لتسوية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، وأعاد طرح صفقات من الوعيد والتهديد لمن يعارض سياسة الولايات المتحدة في هيئات الأمم المتحدة بسحب المعونة الأميركية. رغم أن الولايات المتحدة تدفع هذه المعونات دفاعاً عن مصالحها الاقتصادية والتجارية في تلك الدول، أي أن المعونة تعود بأرباح عليها.

إن ما أحدثه قرار ترامب رغم اللقاءات والحوارات حول عملية السلام بين إدارته والقيادة الفلسطينية يقودنا إلى بلورة رؤية جديدة للنضال الوطني الفلسطيني، والنقاش حول مستقبل عملية السلام ورعاية الولايات المتحدة لعملية التسوية السياسية. وبتظافر الجهود العربية والدولية لتقديم شيئاً ملموساً أكثر من الشجب والاستنكار، وقرارات إدانة تقابل بالرفض في مجلس الأمن والجمعية العامة.

حدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس في خطابة بمنظمة التعاون الإسلامي الأربعاء 13 كانون الأول/ديسمبر 2017م، ما يحتاجه من الدول العربية والإسلامية. حيث طالب المجتمع الدولي مراجعة اعترافه بدولة الاحتلال ما لم يذعن لقرارات الشرعية الدولية. وتحديد علاقات الدول العربية والإسلامية بدول العالم في ضوء موقفها وردود أفعالها من قرار ترامب، وإنه سيتوجه لمجلس الأمن بمشروع قرار ضد قرار ترامب وفق الفصل الخامس، المادة (27) الفقرة (3) لإسقاط حق أميركا في استخدام الفيتو. إلا أن مشروع القرار الذي قدم لمجلس الأمن لم يوجه ضد الولايات المتحدة، واكتفى بمخاطبة كل الدول بالتراجع عن إنشاء سفارات وممثليات لها في القدس، ما أتاح لها استخدم حق النقض الدولي- الفيتو. فيما أعلن البيان الختامي لقمة مؤتمر التعاون الإسلامي  القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين، وتمسكها بحل الدولتين، ودعم كافة الخطوات القانونية والسياسية للحفاظ على القدس. وأكد رؤساء البرلمانات العربية سحب الرعاية الأميركية لعملية السلام في اجتماعهم الخميس 14 كانون الأول/ديسمبر 2017م.

في التاريخ السياسي، تسقط الدول حينما تحتل عواصمها. ففي الحرب العالمية الثانية أعلن الفرنسيين باريس مدينة مفتوحة لتجنب مصير العواصم التي دخلها الجيش النازي. لن ينتهي الاحتلال باعتراف دول العالم أن القدس عاصمة للفلسطينيين، فإنهاء الاحتلال هو الغاية.

رغم حجم الدعم والتأييد الدولي في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أننا نواجه هيمنة الولايات المتحدة وسياسة احتلالية توسعية في الأراضي الفلسطينية. لذا، نحن بحاجة إلى تسوية سياسية جديدة مفتوحة على كافة خيارات ومشاريع التسوية، فلا يمكن أن يستمر الاحتلال دون تكلفة.

إن الفلسطينيين ربحوا المعركة شعبياً وسياسياً وقانونياً، وخسروا النصر، ويتطلعون بكل قوة وعزم لإحرازه، فالديبلوماسية الفلسطينية الرسمية والشعبية استطاعت في أسبوعين كشف حقيقة الولايات المتحدة من "شرطي العالم" إلى "بلطجي العالم" بخرقها القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية وانحيازها للاحتلال والكولونيالية.

إذا ما أرادت القيادة الفلسطينية الاستمرار في التسوية السياسية، عليها أولاً، إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني ومرتكزاته الأساسية على قاعدة الشراكة الوطنية الحقيقية، وما يضعف القرار السياسي الفلسطيني التباطؤ في إنهاء الانقسام والرؤى المختلفة في مواجهة الاحتلال. وثانيا، إيجاد رعاية دولية متعددة الأطراف وفق قرارات الشرعية الدولية، فالتهديدات الأميركية والتصويت في الأمم المتحدة، يوضح لنا بأنه لا يوجد دوله قادرة على مجابهة التعنت الأميركي والإجراءات الإسرائيلية. لذا، الاتحاد الأوروبي صاحب فكرة حل الدولتين ودول آسيا الكبرى والبرازيل التي تتطلع لدور عالمي تصلح لرعاية أي تسوية سياسية جديدة.

 

آليات النضال الفلسطيني الجديدة

المشكلة التي تواجه الفلسطينيين هي عدم رغبة ترامب وإدارته الأصولية بتعديل موقفها وسحب قرارها، مما يعني زيادة التغول الاستيطاني في القدس والضفة الغربية، فاستخدام الفيتو الأميركي في مجلس الأمن يوم الإثنين 17 كانون الأول/ديسمبر 2017م، ضد قرار ترامب للمرة 43 من عمر الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، بالرغم من حالة الاجماع الدولي ضد القرار والإجراءات الإسرائيلية. هذه الإشكاليات تؤكد ضرورة بناء إستراتيجية فلسطينية توظف كل أدوات النضال الوطني سياسياً وقانونياً وشعبياً، والمزاوجة بينها. وتقترح الورقة عدة مسارات للعمل الفلسطيني على المستوى الرسمي والشعبي، وهي:

  1. السياسة الداخلية: ضرورة توفير متطلبات قيام وحدة وطنية حقيقية على أساس القواسم المشتركة، وإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني ومرتكزاته الأساسية، حتى نستطيع مواجهة الاحتلال ومخططات تصفية القضية الفلسطينية، وتحديد أدوات النضال الوطني الفلسطيني الممكنة.
  2. السياسة الخارجية الفلسطينية: السعي لعقد مؤتمر دولي للسلام برعاية الدول المحبة للسلام، وتدويل الصراع لهيئات الأمم المتحدة، والمحاكم الدولية. وعدم القبول بالمفاوضات الثنائية والرعاية الأميركية والتخلص من إرث أوسلو. والانتقال من حالة الدفاع عن الحقوق الفلسطينية إلى حالة مواجهة الاحتلال أمام الهيئات الدولية، كسحب الاعتراف الأممي بدولة الاحتلال، وإعادة المطالبة في الجمعية العامة باعتبار الحركة الصهيونية حركة عنصرية.
  3. المقاومة الشعبية: لا توجد أطر نقابية أو شبابية للدفاع عن القدس على غرار قضية اللاجئين والأسرى، وهذا يتطلب تشكيلات شبابية فاعلة للدفاع عن القدس بشكل دائم ومن خلال خطة موضوعية. إن التظاهرات الميدانية في كل فلسطين مهمة للغاية، فبدون تحرك داخلي لن يكون هناك تحرك عالمي. للاستمرار في إدانة ومقاطعة الاحتلال والولايات المتحدة الداعمة والمساندة لكل إجراءاته العنصرية ضد الشعب الفلسطيني ومقدساته.

إن التحرك الدولي ضد قرار ترامب والاحتلال الإسرائيلي داعم للحقوق الفلسطينية، لكن غير مستثمر ويتطلب جهود فلسطينية وعربية من قبل الجاليات في كافة دول العالم لاستثماره. فتكمن أهمية استمرار الدعم الشعبي العربي والدولي بإجبار النظم السياسية بالتحرك السياسي لصالح القضية الفلسطينية. الأهم من ذلك، هو استثمار التظاهرات الشعبية فلسطينياً، والتناغم ما بين متطلبات الشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية.

  1. الهيئات والمنظمات الدولية: ضرورة العمل على رفع مكانة دولة فلسطين إلى دولة كاملة العضوية كي تستطيع رفع مشاريع قرار أمام الجمعية العامة ومجلس الأمن، وتحصل على عضوية محكمة العدل الدولية.

إن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية إلزام إسرائيل بقرارات الشرعية الدولية، ويستلزم منا إجبار المجتمع الدولي على تحمل مسؤولياته من خلال الضغط فلسطينياً وعربياً لترجمة قرارات الشرعية الدولية لأفعال سياسية إما التنفيذ أو المقاطعة السياسية والاقتصادية والثقافية للاحتلال، والمطالبة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وفقاً لقرارات الشرعية الدولية.

  1. المحاكم الدولية: لم يلغ قرار ترامب في المنظمات الدولية رغم تأييد المجتمع الدولي للحقوق الفلسطينية. لذلك، من الأهمية التوجه للمحاكم الدولية لتعطيل القرار. فيمكننا رفع دعوة قضائية في المحكمة الجنائية ضد  ترامب. وكذلك التوجه للمحاكم الأميركية لتعطيل القرار باعتبار أن قرارات الشرعية الدولية جزءاً من التشريعات الأميركية.

 

الخاتمة:

إن التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية الآن تتطلب منا التحرك في أكثر من مسار، فالتحركات يجب أن تكون بمستوى التحديات والتطلعات الفلسطينية بإقامة الدولة وإنهاء الاحتلال. لذا، يلزم طرح إستراتيجية فلسطينية جديدة، تتعلق بالكل الفلسطيني، ومطالبة الدول العربية والإسلامية وباقي العالم، بدعم هذه الإستراتيجية، عبر كافة الوسائل والمسارات المتاحة، ووضع مخطط تفصيلي يتعلق بضرورة فرض عقوبات على الجانب الإسرائيلي، وعدم التطبيع معه، والدفع باتجاه تقليص العلاقات السياسية والاقتصادية مع الاحتلال من قبل دول العالم، حتى تتم الاستجابة للقرارات الدولية.

فيما يخص التهديدات الأميركية- ترامب، لن تستطيع فرض عقوبات أو قطع معونات "جماعية" عن كافة الدول إذا ساندت الحقوق الفلسطينية، وفيما يخص الاعتراف العربي والدولي بمدينة القدس عاصمة للدولة الفلسطينية لا يغير من واقع المدينة المحتلة، فالمطلوب هو توحيد الجهود العربية والدولية لإنهاء الاحتلال.