محاولة للتفكير بصوت مرتفع حول الهواجس والمخاوف من انعقاد المجلس الوطني

e-mail icon
محاولة للتفكير بصوت مرتفع حول الهواجس والمخاوف من انعقاد المجلس الوطني
غانية ملحيس
مقالات
-
الاثنين, 30 نيسان (أبريل), 2018

كل الاسىلة المطروحة من قبل الكتاب والمثقفين والنشطاء الفلسطينيين حول انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني غدا هواجس تراود كل فلسطيني في الوطن والشتات، وتثير مخاوف جدية يفرضها المكان الذي يعقد فيه المجلس وغموض البرامج وطرق التحضير وإجراءاته وحالة الانقسام والتردي الذي تعيشه الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة بكل مكوناتها الفصائلية وأطرها السياسية والاقتصادية والنقابية إلخ.

لكننا ايضا يجب ان نقر اننا امام مأزق حقيقي ربما الاخطر منذ النكبة الاولى، وأننا جميعا نعيش حالة جمود يحصرنا في دايرة الشلل الذي يقتصر على الاعتراض دون التطور الى فعل جدي مؤثر يحول دون انقطاع المراحل من جهة، ويمنع من جهة اخرى استمرار التكلس في مرحلة العجز الذي استدام كثيرا ما بات يهدد جديا بالانقطاع، وتقويض المنجزات المهمة التي احرزها شعبنا الفلسطيني داخل الوطن وفِي الشتات بتضحياتهم الجسيمة طوال ستة عقود.

 ولان النقد الذاتي استحقاق ضروري للبدء في التغيير، فلا بد ان نشير اولا الى قصورنا الكبير نحن النخب الذين سبق ونجحنا في منع انعقاد المجلس الوطني لذات الأسباب التي نسوقها الان، دون ان نبذل جهدا جديا في الإعداد للمجلس المرغوب الذي يشكل انعقاده استحقاقا وطنيا ضروريا لحماية الوجود الفلسطيني في الداخل ومخيمات الشتات على السواء وللحفاظ على التماسك المجتمعي ولحماية وحدة الهوية الوطنية والتماثل بين الشعب والقضية والوطن، عبر برنامج وطني تحرري جامع وتجديد شرعية أطره التمثيلية الفلسطينية الجامعة على كافة المستويات.

ومع اقتناعي ان الوضع الراهن لا يبشر بأننا جميعا قد بلغنا النضج الكافي لإنجاز المطلوب منا، واننا جميعا في مأزق حقيقي، من يغامر بالمضي في المجهول، ومن يعترض ولا يقدم البدائل الحقيقية للحفاظ على المكتسبات ودرء المخاطر.

عندما وقعت البيان الماضي مع المئات للضغط من اجل تأجيل انعقاد دورة المجلس الوطني في السابق لذات التحفظات القائمة على انعقاده حاليا، وجدت في التأجيل انجازا يفتح الباب للتغيير والاعداد الجدي للمجلس المستحق.

لكنني الان، وبعد مرور الوقت، دون اي فعل جدي منا، وتقصير كبير نتحمّل مسوولية مضاعفة عنه كضاغطين من اجل التأجيل، لا نستطيع تحصين أنفسنا بمواصلة الاعتراض رغم وجاهة الأسباب. فصناعة التغيير لا تنحصر بتسجيل المواقف، وانما ربما بإعادة التفكير في منهج العمل منطلقين من مجموعة من الحقايق أبرزها:

- ان الحفاظ على الإطار الفلسطيني الجامع / منظمة التحرير الفلسطينية / الوطن المعنوي لكل الفلسطينيين في غياب امكانية تحقيق المواطنة الكاملة في الوطن القابع تحت استعمار استيطاني اجلايي إحلالي تحالفت القوى الدولية المتنفذة على استمرار تغييبه، يفترض ان يشكل الاولوية الاولى، ما يعني ضرورة الحفاظ على القوة التمثيلية لهذا الإطار الجامع، التي تقتضي توفر النصاب في الاطر القيادية كاللجنة التنفيذية، الذي بات مهددا بشكل جدي.

- ان الوطن / معنويا كما في حالة منظمة التحرير الفلسينية، ام حقيقيا كما هو حال ساير الاوطان /كيان مستقل بذاته عن النظام السياسي الذي يحكمه، وان السعي لتغيير النظام لا يجب ان يطال تغيير الوطن.

-ان انظمة الحكم في دول العالم الثالث عموما، وفِي بلادنا العربية المنكوبة خصوصا، تحاول التماهي مع الوطن الى درجة التوحد لضمان هيمنتها وبقايها في السلطة ورفع كلفة تغييرها، وقد نجحت الأنظمة التي تولت الحكم في بلادنا بإقناع الغالبية الساحقة بان النظام والدولة والوطن وحدة واحدة، ما أدى الى اغتراب الشعوب في أوطانها، وأقصى غالبية الجماهير عن دايرة الفعل والتأثير في صنع مستقبلها وتقرير مصيرها. ولعل هذا هو السبب الرئيس في نكوص الربيع العربي، فعندما ثار ت الشعوب على الأنظمة وارادت تغييرها سلميا، لم تتورع عن ربط مصير الوطن بمصيرها وفتحت الباب امام القوى الخارجية لالتقاط الفرصة لهدم الاوطان مع استبدال الأنظمة باخرى ربما اكثر خنوعا.

وعليه، فان الشعب الفلسطيني يفترض به ان يكون يقظا عند ممارسة حقه في محاسبة نظامه السياسي بالفصل التام بينه وبين الإطار المؤسسي.

فمنظمة التحرير إطار تمثيلي جامع قبل فتح والفصائل وحماس ويفترض ان تبقى وطنا معنويا الى حين تحرير الوطن ماديا وبلوغ الحرية والعودة وتقرير المصير

-ان الحفاظ على الالية النظامية، وليست الاستثنايية،لتجديد الشرعية ينطوي على اهمية قصوى، لان استمرار استخدام المواد الاستثنائية المتاحة نظاميا لاستكمال عضوية اللجنة التنفيذية ينطوي على سوء لانه يجعل العضوية لا تنتهي الا بالوفاة، ولأنه يتيح الفرصة لاصحاب المصالح في الفصائل التوافق فيما بينهم على تجديد شرعياتهم بأنفسهم، وهو الامر الذي أدى الى انحسار الفصايل كافة وانفضاض الجماهير من حولها 

- ان اي أشخاص قد يصلون الى اللجنة التنفيذية، رغم اهمية معيار الأهلية الوطنية والكفاءة السياسية والمهنية، يجب ان لا يحظوا بذات القدر من الاولوية التي تستدعيها الاطر، فهم المتغير الأسرع الممكن احداثه محليا في ضوء تطورات جوهرها داخلي، فيما بناء الاطر والمؤسسات الفلسطينية واكتسابها شرعية وطنية ودولية تمثيلية، عملية تاريخية طويلة ومعقدة ومكلفة سياسيا وبشريا تحتاج الى نضج ظروف محلية وعربية واقليمية ودولية.

- الانطلاق من حقيقة ان الجديد يولد من رحم القديم، الا انه ليس تكرارا له، وانما يحدد ملامحه مجموعة من الاعتبارات والظروف الذاتية والموضوعية، والانطلاق ايضا من ان صراعا حتميا بين القديم المتمسك بالبقاء والجديد المتحفز لاستعجال المخاض، لا يغير من حقيقة اتجاه حركة التاريخ لصالح الجديد.

- الثقة بان الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده هو الوحيد صاحب الولاية في منح الشرعية لقادته، وهي شرعية مشروطة بإنجازات ومحدودة زمنيا رغم طول بعضها، وبالتالي لا يجب الفزع، فعلى امتداد اكثر من قرن من الصراع مع المشروع الاستعماري الغربي الصهيوني الاستيطاني العنصري، اثبت الشعب الفلسطيني قدرته على ممارسة ولايته في تفويض القادة الذي يعتقد بأهليتهم في قيادة المرحلة، وفِي سحبها منهم عندما يعجزون.

وكانت الحقوق الوطنية والتاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني في الحرية والعودة وتقرير المصير على الدوام بوصلته في منح التفويض او سحبه، وكان قادرًا على منح الفرص والحكم على النتائج في مدى القدرة على الاقتراب من بلوغ الحقوق او تهديدها.

- وأخيرا وليس آخراً، ان الصراعات الوجودية كالصراع العربي- الصهيوني الذي يعتقد البعض بقرب انتهائه، غير ممكن ما بقي طابعه الوجودي الفلسطيني - الاسرائيلي.

أخلص مما سبق الى القول ان انعقاد المجلس برغم مما يحيط به من محاذير ومخاوف جدية، ليس اخطر من عدم انعقاده الذي قد يقود الى انقطاع المراحل الذي قد يهدد جل ما تحقق من منجزات يتوجب حمايتها وأهمها الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية كإطار رسمي تمثيلي جامع معترف به فلسطينيا وعربيا واقليميا ودوليا.

وان اي تخوف من اتفاق لتمرير صفقة لا يقبلها الشعب الفلسطيني وارد، لكن يتوجب الثقة بأنها لن تمر، والمثال الأقرب هو اتفاق أيار عام ١٩٨٢ في لبنان الذي وقعه الرئيس اللبناني المنتخب بشير جميل، تحت حراب الاحتلال.