مداخلة مؤتمر - الآليات العملية لإعادة بناء المشروع الوطني الجامع

e-mail icon
مداخلة مؤتمر - الآليات العملية لإعادة بناء المشروع الوطني الجامع
هاني المصري
مقالات
-
الخميس, 3 آب (اغسطس), 2017

 

(قدمت هذه الورقة في مؤتمر "نحو مشروع وطني جامع قابل للتطبيق"، الذي نظمه مركز دراسات الشرق الأوسط في العاصمة الأردنيّة عمّان، يوم 2/8/2017).

في البداية، أتوجّه بجزيل الشكر لمركز دراسات الشرق الأوسط، وللأستاذ جواد الحمد، وللقائمين على المركز تنظيم هذا المؤتمر المهم.

لا شكَّ أن من أهم العوائق التي تحول دون إعادةِ إحياءِ المشروعِ الوطني عدمُ الاتفاقِ على الآليات الكفيلة بإعادة بنائه، وهي عقبةٌ لا ترتقي إلى أهمية الاتفاق على أهداف وتعريف المشروع الوطني، ولكن من دونها لا يمكن التقدمُ إلى الأمام.

المعضلةُ أنّ المشروعَ الوطنيَ لم يعد معروفًا ولا متفقًا عليه، ما يستوجبُ العملَ على إعادة تعريفه.

هل المشروعُ الوطنيُ هو كما حدده الميثاقُ القوميُ عند تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، أم الميثاقُ الوطنيُ المعتمد بعد سيطرة فصائل الثورة الفلسطينية على المنظمة بقيادة حركة فتح في العام ١٩٦٩، أم كما حددته وثيقةُ إعلان الاستقلال المقرة في العام ١٩٨٨، أم كما جاء في مبادرة السلام التي تزامنت معها وأكدت على حق تقرير المصير، وحقِ العودة وإقامةِ الدولة الفلسطينية على حدود ١٩٦٧، وما انتهى إليه كل ذلك إلى اعتبار الميثاق (كادوك)، وإلى نبذِ العنف، والاعترافِ بقرار٢٤٢ رغم أنه لا يتناولُ القضيةَ الفلسطينية، وصولًا إلى عقدِ مؤتمرِ مدريد للسلام وتوقيعِ اتفاق أوسلو الذي اعترفَ بحقِ إسرائيلَ في الوجود على مساحة ٧٨٪‏ من فلسطين من دون اعترافٍ إسرائيليٍ في المقابل بأيٍ حقٍ من الحقوقِ الفلسطينية.

لقد قزّمَ اتفاقُ أوسلو القضيةَ وقسّمَ الشعبَ والأرضَ، وفصلَ ما بين القضيةِ والشعبِ والأرضِ، وفصلَ ما بين المرحلتين الانتقالية والنهائية، إذ تمت الموافقةُ على فصلِ القدس عن بقية الأراضي المحتلة العام ٦٧، على أن يتم التفاوضُ حولها في مفاوضات الوضع النهائي التي من المفترض أن تنتهيَ في شهر أيار من العام ١٩٩٩.

ووصلت مسيرةُ اتفاق أوسلو إلى تعديلِ معظمِ بنود الميثاق، مع أنّ هذه العمليةَ لم تستكمل من الناحية الإجرائية والقانونية، وإلى الموافقة على مبدأ "تبادل الأراضي" الذي يشرعنُ الضمَ والاستعمارَ الاستيطاني، والاستعدادِ للمساومة على حق العودة عبر الاستعدادِ لقبولِ عودة رمزية لعدد من اللاجئين وفق معايير كلينتون، ولقبول حقٍ متفقٍ عليه لقضية اللاجئين، كما ورد في مبادرة السلام العربية التي مضى على تبنيها أكثر من خمسةَ عشرَ عامًا من دون أن نقترب من القبول الإسرائيلي بها،  بل أصبح خطرُ قلبِها رأسًا على عقب خطرًا زاحفًا، بحيث يتم التمهيدث والترويجُ للتطبيعِ مع إسرائيل أولًا وقبل انسحابِها من الأراضي العربية المحتلة العام ٦٧، الأمر الذي إذا تحقق – وليس سهلًا تحقيقه بعد ملحمة القدس - سيوجه ضربة قاضية للقضية الفلسطينية ولاحتمال تجسيد الدولة الفلسطينية رغم الاعتراف الأممي بها كعضو مراقب منذ العام ٢٠١٢.

كما أن هناك مسألةً أخرى مهمةً تعيقُ آلياتِ إعادةِ بناءِ المشروع الوطني تتعلقُ بالبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية المترتبة على سنوات الاحتلال الطويلة، وعلى أكثر من عشرِ سنواتٍ  على وقوع الانقسام؛ ما أوجدَ جماعاتٍ يمكن تسميتُها بـ"جماعات مصالح الاحتلال" التقت موضوعيًا، وربما أكثرَ من ذلك، مع "جماعات مصالح الانقسام"، الأمر الذي يجعلُ مهمةَ إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية مهمةً صعبةً، إن لم تكن مستحيلة، ولكنها أولويةٌ وضرورةٌ وطنيةٌ وليست مجردَ خيارٍ من الخيارات، وستتحقق عندما يستطيع الشعب أن يعبر عن إرادته من خلال تكوين "جماعات مصالح الوحدة"، بحيث تكون أقوى من جماعات مصالح الاحتلال والانقسام.

إنّ عدمَ وضوحِ ماهية المشروع الوطني تطرحُ آليةَ الشروع في حوارٍ وطنيٍ شاملٍ، باعتبارها الآلية الرئيسية لوضع آليات إعادة بناء المشروع الوطني. حوار ليس حول الجوانب الشكلية والإجرائية، وإنما حول المضمون، ولا يستهدف فقط ولا أساسًا تطبيقَ الاتفاقات ووثائقَ الإجماع الوطني، وإنما يستهدفُ مراجعةَ التجربةِ السابقة، واستخلاصَ الدروسِ والعبرِ، وتطويرَ الاتفاقاتِ السابقةِ لتتسعَ للتطورات والمستجدات والحقائق الجديدة، فمنذ توقيعِ اتفاق القاهرة في العام ٢٠١١ وما تبعه من إعلاني الدوحة والشاطئ جرت مياهٌ كثيرةٌ تستدعي التوقفَ عندها .

من المفترض أن يوضع على جدول الحوار:

أولًا: بلورةُ رؤيةٍ وطنيةٍ شاملةٍ تحددُ الحقوقَ والأهدافَ، وتعيدُ تعريفَ المشروعِ الوطنيِ، وتحديدَ الروايةِ التاريخيةِ، وما يجمعُ الشعبَ الفلسطينيَ، وتلحظُ الظروفَ الخاصةَ والتبايناتِ التي تميز كل تجمع. وهذا يتطلبُ وضعَ ميثاقٍ وطنيٍ جديد، يستندُ إلى الميثاقين القومي والوطني بصياغةٍ عصريةٍ  تحافظُ على الحققو، وتوفرُ القدرةَ على الفعلِ والتأثير.

ثانيًا: الاتفاقُ على إستراتيجيةٍ سياسيةٍ ونضاليةٍ قادرةٍ على مواجهةِ التحديات والمخاطر، والحفاظِ على القضية والإنجازات والمكاسب، وتوظيفِ الفرص المتاحة.

وعلى سبيل المثال فإنّ المقاومةَ مكونُ رئيسيٌ في هذه الإستراتيجية، مع ضرورة أن تتصدرَ المقاومةُ الشعبيةُ، والإدراكُ بأن المقاومةَ تزرع والمفاوضاتِ تحصد، ومن لا يزرع لا يحصد. وتدل ملحمةُ القدس على أن الشعبَ قوةٌ جبارةٌ يجب الرهانُ أولًا وأساسًا عليه، وليس على الأطراف والدول العربية والأجنبية، على أهمية البعد العربي والإسلامي والتحرري والإنساني للقضية الفلسطينية، ولا يجب الرهانُ على الولايات المتحدة الأميركية، إذ أثبت التاريخُ أنَّها منحازةٌ لإسرائيل، وأن من يراهن عليها يخسر.

ثالثًا: وضعُ أسس المشاركة السياسية بين مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي المؤمنة بالشراكة، وبالاستناد إلى خصائصِ وطبيعةِ القضية الفلسطينية، والمشروعِ الاستعماريِ الاستيطاني العنصري الاحلالي الإجلائي الذي لا يتسعُ لتسويةٍ في ظلِ اختلالِ موازين القوى لصالحه، ما يفرضُ اعتمادَ الديمقراطية التوافقية التي تفترضُ تشكيلَ جبهةٍ وطنيةٍ، بحيث لا يتم اللجوءُ إلى الانتخابات العامة إلا بعد الترافق الوطني وكأداةٍ من أدوات الصراع مع المحتل.

تأسيسًا على ما تقدم، يجري إعادةُ بناء مؤسسات منظمة التحرير بوصفها حركةَ تحريرٍ وطنيٍ تدركُ أن التحريرَ ليس على الأبواب ولا كذلك تجسيد الدولة، وأن المطلوبَ التركيزُ على تغيير موازين القوى لتسمحَ تحقيق البرنامج المرحلي كخطوة على طريق تحقيق الحل الجذري التاريخي للقضية الفلسطينية.

إن الآلية لتحقيق إعادة بناء مؤسسات المنظمة يمكن أن تكون عبر تفعيل الإطار القيادي المؤقت للمنظمة أو اللجنة التحضيرية للمجلس الوطني، على أن يتم عقده بمشاركة مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي التي تؤمن بالمشاركة السياسية.

رابعًا: الاتفاقُ على ضرورة تغيير شكلِ السلطة وطبيعتِها ووظائفِها والتزاماتِها، لتتخلص من القيود المجحفة، ويعادُ النظرُ في سياساتها الاقتصادية وموازنتها لكي تستجيبَ للأولويات والاحتياجات والمصالح الفلسطينية التي تحققُ المصلحةَ الوطنية العليا، إضافة إلى إعادة النظر في أنها تحولت إلى ترتيب نهائي، إذ أصبح بقاؤها هو الغاية، بينما أُنشِئت كمرحلة مؤقتة على طريق إنهاءِ الاحتلال وإقامةِ الدولةِ الفلسطينية، وهذا يستوجبُ أن تُنْقَلَ المهماتُ السياسيةُ التي تقومُ بها السلطةُ إلى المنظمةِ لتصبحَ سلطةً مجاورةً للمقاومة، تعملُ من أجل تعزيز عواملِ الصمود والتواجدِ الشعبي على أرض فلسطين، وبقاءِ القضيةِ حيةً، وتقليلِ الأضرارِ والخسائر، إلى جانب إحباطِ المخططاتِ الصهيونيةِ التي تريدُ استكمالَ تهويدِ الأرض وأسرلتها، وطردِ أكبر عددٍ ممكنٍ من السكان، وسجنِ من يتبقى منهم في معازلَ منفصلةٍ عن بعضها البعض تكون تحت سيطرةِ إسرائيل، إذ لا مكانَ في المخططات الإسرائيلية لدولةٍ تملكُ مقوماتِ الدولِ، لا في الضفة ولا في غزة.

خامسًا: في هذا السياق يمكن تشكيل حكومة وحدة وطنية، والتوجه إلى إجراء الانتخابات على كل المستويات باعتبارها إحدى أدوات الصراع ضد الاحتلال.