مدينة الناصرة ... إلى التطوير أم التهويد؟

e-mail icon
مدينة الناصرة ... إلى التطوير أم التهويد؟
جمان مزاوي
تقدير موقف
-
الأربعاء, 12 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2016

(تأتي هذه الورقة ضمن إنتاجات الملتحقين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وتحليل السياسات").

*************************

 مقدمة

أصدرت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بتاريخ 27/6/2016، القرار رقم (1551)، الذي ينصّ على "تغيير هيكلية "شركة تطوير عكا" المختصة بتطوير وتخطيط المدن، وتوسيع نطاق عملها من مدينة عكا لتكون مسؤولة أيضًا عن تخطيط تطوير وإعادة تأهيل مواقع وشبكات سياحية في البلدة القديمة، ومدينة الناصرة عمومًا"، ما استوجب - بحسب القرار - تغيير اسم الشركة من "شركة تطوير عكا" إلى "شركة تطوير عكا والناصرة". وبعد يومين من تغيير هيكليّة الشركة، أُعلن عن "دافيد هراري" مسؤولًا مباشرًا عن تطوير المعالم السياحية في البلدة القديمة.

لقراءة ورقة تقدير موقف أو تحميلها بصيغة PDF اضغط/ي على هذا الرابط

كما خوّل القرار وزارة السياحة بوضع مخططات، وتخصيص ميزانيات لهذا الهدف، والقيام بإجراءات إدارية، على أن تقوم سلطة الشركات الحكومية بالإجراءات التنفيذية. وهذا يعني أن الشركة ومديرها أصبحا المسؤوليْن المباشريْن عن المعالم السياحية في الناصرة، وأن الترميم والتطوير لهذه المعالم سيكون وفق معايير وشروط الشركة الحكومية.

وتمت المباشرة بتنفيذ القرار على أرض الواقع، حيث بدأت شركة تطوير عكا والناصرة بأولى المراحل التحضيرية التي شملت عقد اجتماع وزيارة ميدانية، في ظل بيئة وعوامل داخلية داعمة لتنفيذ المخطط.

تباينت ردود الفعل والمواقف على بدء تنفيذ المخطط على أرض الواقع في الناصرة، بين من اعتبر أن ما يجري هو بالفعل تطوير للناصرة وضرورة من ضرورات التطور في المدينة، وبين من اعتبره تهويدًا سيطال المدينة وهويتها العربية الفلسطينية، خاصة أن التخطيط في المنظومة الاستعماريّة، يعد إحدى أدوات السيطرة على الحيّز العام، ويعمل على مناهضة تنفيذ المخطط في الناصرة خشية من أن يطالها التهويد، لا سيما أن خطة تهويد عكا مستمرة منذ بدأ المخطط حتى تاريخ كتابة هذه الورقة، حيث الإهمال المتعمد، والمصادرة، وإخلاء العديد من البيوت الفلسطينية، بالإضافة إلى مشاريع سياحية تهويدية لمعالم عكا.

ما يجري في الناصرة اليوم، هو تهويد وسيطرة بغطاء تطوير. وهو ليس البداية، ولا النهاية، بل استكمال لمسيرة استهداف المدينة وتغيير معالمها التراثية والثقافية، وأصولها وهويتها الفلسطينية.

 

 شركة تطوير عكا ... تطوير أم تهويد؟

تأسست شركة تطوير عكا في العام 1967 كشركة حكومية تتبع لوزارة السياحة ومخطّطاتها العامّة، لتكون مهمتها الظاهريّة تطوير البلدة القديمة في عكا وتحويلها إلى بلدة سياحية عالمية.

وتموّل هذه الشركة من المكاتب الحكومية التي يترأسها دافيد هراري منذ العام 1993، وهو خرّيج قيادة هيئة الأركان، وجندي نظامي في سلاح البحريّة داخل جيش الاحتلال.

ويشار إلى أن تقرير "مراقب الدولة" للعام 2010، قد انتقد عمل "شركة تطوير عكا" في ما يتعلق بهيكلية إدارتها، خاصة فيما يخص استثناء ممثلي الجمهور، وإقامة شركات فرعية بشكل يتعارض مع القانون، وسوء في الإدارة المالية.

من الجدير بالذكر، أن الشركة تسيطر على أملاك "الغائبين" مع "دائرة أراضي إسرائيل"[1]. وقد قامت بمنع ساكني البيوت التي تعتبرها ضمن أملاك الغائبين بعد النكبة 1948، من ترميمها، حتى أصبحت "غير مناسبة للسكن"، الأمر الذي يسهّل إخلاءها والاستيلاء عليها بهدف بيعها لشركات يهودية.

تستعمل سلطاتُ الاحتلال الإسرائيلي، حين تتعامل مع القرى الفلسطينية، التطويرَ كغطاء لتغيير المعالم والمدينة والحياة فيها. إن توظيف مصطلح التطوير لأجل التهويد ليس بالسياسة الجديدة، بل تعدّ من ركائر السياسة الإحلالية. فعلى سبيل المثال، إن فتح شارع أوتستراد جديد يصل الناصرة بالعفولة بذريعة التخفيف من حدّة أزمة السير، يعد في الوقت ذاته قاتلًا للناصرة واقتصادها، وشريانًا نابضًا للمستوطنة التي أقيمت حديثًا بمحاذاة المدينة الفلسطينية.

حين احتلّت "إسرائيل" جنوب لبنان اعتمدت تسمية عمليتها "حملة سلام الجليل"، وأنشأت وزارة تحت مسمى "تطوير النقب والجليل"، حيث يعاني النقب من مخطط برافر، بينما يخضع الجليل إلى التهويد. وقد دعا وزير تطوير النقب والجليل "سيلفان شالوم" في بيانه بتاريخ 1/7/2011 إلى عدم الخجل من خطة تهويد الجليل، ودفع المستوطنين إلى القدوم والاستيطان في البلدات العربية.

ما يجري اليوم في عكا نموذج آخر لمخططات التهويد التي تنفيها "شركة تطوير عكا"، حيث تشير مجموعة جدل الفلسطينية إلى "أن تشكيل الحكومة لشركة تدير شؤون البلدة القديمة في عكا تحت يافطة التطوير، كانت خطوة ثعبانيّة من أجل تمويه المخطط السلطوي الاستيطاني الصهيوني، ولتحويل المواجهة بين سكان عكا العرب وبين الشركة كوكيل اختبأت خلفها الحكومة، فيتحول الصراع مع الوكيل مشتتًا حول التفاصيل لننسى القضية الأصل".

وما يحذث من إسقاطات عمل للشركة على الهوية الفلسطينية لبلدة عكا، مؤشر إضافي لسياسات التهويد، حيث نوهت حنين الزعبي، النائب الفلسطينية في الكنيست، في تعقيبها بتاريخ 1/9/2016، إلى "أن الحديث يدور عن شركة عنصرية قامت بطرد السكان العرب في عكا، وتهويد عكا القديمة تحت ذريعة "التطوير". ويُذكر على سبيل المثال لا الحصر قضية بيت سلوى زيدان "أم أحمد"، ومسجد البرج، ومناقصة بيع خان العمدان التي أعلنت عنها "دائرة أراضي إسرائيل" ووزارة السياحة بهدف تحويله إلى فندق سياحي، وكذلك الاستيلاء على ممتلكات الوقف الإسلامي. وهذا كله أدى إلى نشوب مناهضة شعبية تفرعت لأشكال عدة، منها وقفات الاحتجاج، والمظاهرات، إضافة إلى حملات إعلامية.

ما سبق ذكره، يشير إلى أن تحقيق إسرائيل لأهدافها الخاصة في التهويد يتم من خلال العديد من الوسائل، وشركة "تطوير عكا" هي إحدى هذه الوسائل وأحد وكلاء التهويد تحت مظلة "التطوير".

 

 البيئة الداخلية وفرص نجاح المخطط في الناصرة

كأي مدينة أخرى، للاطّلاع عليها وتحليلها، وجب التطرّق إلى كافة المركّبات الطبقيّة والاجتماعية والقانونية والاقتصادية والسياسية، كجزء من دراسة الحالة، التي لا يمكن النظر إلى مستقبل المخطّط دون العودة إليها، سواء إن كان بهدف تمريره أو إحباطه. لذلك، فإن العوامل المساندة للمخطّط في المدينة بتركيبتها الحاليّة كثيرة، ومن أبرزها:

  • 30% من بيوت وحوانيت البلدة القديمة في الناصرة تعتبر "أملاك غائبين". وهذا يشكل خطرًا لكونها حجة معتمدة لتسهيل منع الترميم والقيام بالإخلاء من طرف "شركة تطوير عكا والناصرة" بالتعاون مع "دائرة أراضي إسرائيل". ويعني هذا الإجراء المساهمة في إغلاق ملف "أملاك الغائبين" ذي الصلة بموضوع العودة، الأمر الذي يحقق الأهداف السياسية للمخطط الصهيوني تحت غطاء التطوير.
  • أدى التراجع الاقتصادي في سوق البلدة القديمة نتيجة عدم تمكّن السيارات من الدخول إليها، وظهور الحوانيت في أنحاء المدينة والمجمعات التجارية سهلة الوصول إليها؛ إلى هجر العديد من أصحاب الحوانيت السوقَ، مما يوفر فرصة الاستيلاء على هذه الحوانيت من قبل شركة تطوير عكا والناصرة.
  • لم يراع مشروع الناصرة 2000، الذي كانت سوق البلدة القديمة جزءًا مركزيًا منه، اتخاذ الإجراءات الكفيلة بعدم تضرر القاطنين فيها وأصحاب الحوانيت، ما حدا بالعديد منهم إلى ترك البلدة القديمة.
  • مثّل ظهور حالات العنف الاجتماعي في زقاق السوق، بيئة طاردة لبعض المؤسسات، وخروجها من سوق البلدة القديمة.
  • سياسة بلدية الناصرة بكل ما يخص التعامل مع الشركة ووزارة السياحة، الذي تجسد في زيارات واجتماعات بينهم، إضافة إلى تصريح البلدية بأن لا خطر تهويديًا يتضمنه المخطط، بالرغم من عدم إنكارها لما حصل من إجراءات تهويد من قبل هذه الشركة في عكا، حيث أشار محمد عوايسي، نائب رئيس البلدية، في مقابلة له إلى عدم وجود عقد بين البلدية وهذه الاطراف. وبدد خوف الجمهور والمجتمع المدني من تهويد السوق عبر رأيه القائل إن مساهمة الشركة ستكون إيجابية للبلدة، وما حصل في عكا لن يتكرر في الناصرة.

 

 وصول المخطط إلى الناصرة والمخاطر

باشرت وزارة السياحة الإسرائيلية و"شركة تطوير عكا والناصرة المرحلة التحضيرية لتنفيذ المخطط في الناصرة، وذلك فور صدور القرار الحكومي (1551). فما الذي نفذ من قبل الشركة على الأرض حتى كتابة هذه الورقة؟

نفّذت بعد صدور القرار الإجراءات والأنشطة الآتية:

  • عقد جلسة مع المعنيين من بلدية الناصرة بتاريخ 18/8/2016، بحضور الوزير اليمينيّ يريف ليفين، لمناقشة حيثيات المخطط.
  • جولة ميدانية تفقدية للبلدة القديمة في الناصرة.
  • إصدار توصيات ذات صلة ومواقع معينة بالمدينة، منها على سبيل المثال: تطوير الشارع المحاذي لدوار المدينة، وترميم السرايا وتحويلها إلى متحف بلدي ومكتب لرئيس البلدية.

بالرغم من التركيز الإعلامي على سوق الناصرة، إلا أن مخطط عمل الشركة يشمل كل البلدة القديمة للناصرة وليس فقط السوق وفق البيان الرسمي للقرار (1551). وهذا يزيد من وزن المخطط، وإسقاطاته، وسيطرة الشركة على مدينة الناصرة.

 

 ردود الفعل والمواقف

تباينت المواقف وردود الفعل تجاه عمل وأهداف شركة تطوير عكا والناصرة، ما بين مؤيّد ومعارض للشركة، إذ مثّل المجتمع المدني والقوى السياسية والجمهور فئة المعارضين، بينما مثّلت البلدية برئيسها ونائبه الفئة الداعمة للمشروع.

المواقف المعارضة

أعربت أطراف عدة عن رفضها ومناهضتها لدخول الشركة إلى مدينة الناصرة، مشددة على الضبابية في شفافية التعاون بين البلدية، والشركة والوزارة، وعدم مشاركة ممثلي الجمهور، خاصة ذوي الشأن في سوق البلدة القديمة، وعدم نشر التعاقدات والشروط التي يُفترض أنها تمت حتى اليوم.

وصرّحت جمعية الناصرة للثقافة والسياحة عن معارضتها للمخطط، مدعية بالقول "إذا كانت الناصرة بحاجة إلى شركة تطوير/اقتصادية، فالأجدر بالبلدية الحالية إقامة شركة تطوير محلية تضم أبناء المدينة ذوي الكفاءات والغيورين عليها". وقد أعربت الجمعية عن أسفها في تعاطي البلدية معها، حيث "سلّمت الجمعية ملف مشاريع البنى التحتية لإدارة البلدية الحالية في العام 2013، وهو جزء صغير مما تحتاجه البلدة القديمة خاصة، والناصرة عامة، من استثمار في البنى التحتية والسياحية، ولم يتم حتى اليوم العمل على تنفيذها".

وتضيف الجمعية: "للأسف، منذ العام 2014 تم استثناؤنا من قبل البلدية الحالية، ولم تعُد لنا أي علاقة في استمرارية هذه المشاريع، ومحاولة تجنيد موارد إضافية لإحيائها حسب الخطة المعتمدة من الوزارات المختلفة".

بدورها، عبرت النائب حنين زعبي عن معارضتها للمخطط، حيث أشارت إلى "أن رفض أهالي الناصرة دخول الشركة للمدينة يعود إلى: أولًا، أن المدينة وأهلها أولى بتخطيط وتنفيذ مشاريع تطويرية للبلد، وأن فشل، أو بالأحرى، امتناع البلديات السابقة والحالية عن تطوير شركة اقتصادية للناصرة، سهّل عملية دخول شركة تطوير عكا الحالية، إلا أن الفشل لا يعني حتمية الفشل، ولا يعني أننا غير قادرين، كبلد وكطاقات مهنية وكأهالي السوق، على التخطيط والتنفيذ لمشاريع تطوير المواقع الأثرية والسياحية في الناصرة. ثانيًا، أن الحديث يدور عن شركة عنصرية قامت بطرد سكان العرب في عكا وتهويد عكا القديمة تحت ذريعة [التطوير]. وثالثًا، أن الشركة متهمة بالفساد، حيث انتقد تقرير مراقب الدولة للعام 2010، بشكل حاد، عمل الشركة في عكا في ما يتعلق بمشاريع الصيانة والترميم التي تكفلت بها في عكا القديمة".

أما مؤسسات المجتمع المدني، فعبّرت عن معارضتها للمخطط، بهذا الصدد، حيث نوه محمد زيدان، مدير عام المؤسسة العربية لحقوق الإنسان، إلى أن هذا المخطط يستهدف المجتمع الفلسطيني عامة، وليس أهالي الناصرة فحسب. وشدد على الدور المركزي لبلدية الناصرة بقوله: "بلدية الناصرة هي لاعب رئيسي في هذا الموضوع، باعتقادي، ليس في المجال القانوني وتغيير القرار الحكومي، ولكن في تطبيقاته، فلا يمكن لأي شركة، حتى لو كانت حكومية، أن تدخل هكذا اعتباطًا ودون تنسيق ... المؤسف في الموضوع هو عدم وجود شفافية".

وطالبت الكتل السياسية المختلفة (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، شباب التغيير ومجموعة جدل) بلدية الناصرة بعقد جلسات تفسير ونشر مستندات ذات صلة بالمخطط,

كما نددت  حملات إعلامية توعوية على شبكات التواصل الاجتماعي بالمخطط، وشجعت الجمهور على إعادة إحياء سوق البلدة القديمة، اجتماعيًا واقتصاديًا، من خلال التردد إلى المصالح التجارية والأنشطة فيها.

الموقف المؤيد

تؤيد البلدية عمل "شركة تطوير عكا والناصرة"، ممثلة برئيسها علي سلام، مخطط تطوير الناصرة، حيث بدد في تصريحاته الادعاءات والمخاوف المعارضة للمخطط، وأنكر وجود أي اتفاقية بين البلدية والشركة.

 

 خلاصة واستنتاجات

إن سياسات التهويد العامة التي يتّبعها الكيان الصهيوني في مختلف البلدات الفلسطينية، وتاريخ ونماذج عمل "شركة تطور عكا" (عكا والناصرة حاليًا)، بالتوازي مع بيئة داخلية في مدينة الناصرة ميسّرة لتنفيذ مخططات الشركة، وهي ذاتها مخطّطات المؤسسة الحاكمة؛ إنما تدفع باتجاه الحسم بأن ما يجري في المدينة تهويد تمامًا، مثلما جرى في مدينة عكا من خلال الشركة نفسها.

تكمن الفرصة في مقاومة المخطط في وجود موقف فلسطيني جمعي يوحد الصفوف تجاه رفض تنفيذ هذا المخطط التهويدي؛ موقف تنبثق عنه إستراتيجيات لمناهضة المخطط، وآليات تنفيذه على أرض الواقع.

 

 


[1] للاستزادة حول موضوع "أملاك الغائبين" انطر ورقة ازي نابلسي، قانون أملاك الغائبين في القدس: السيرة الذاتية للنهب، مركز مدار، 2015.