معركة الأمعاء الخاوية من الحالة الجمعيّة إلى الفرديّة

e-mail icon
معركة الأمعاء الخاوية من الحالة الجمعيّة إلى الفرديّة
آية زيناتي
تقدير موقف
-
الثلاثاء, 11 تشرين اﻷول (أكتوبر), 2016

 

(تأتي هذه الورقة ضمن إنتاجات الملتحقين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وتحليل السياسات").

*************************

دُشّن العام 2012 بالإضرابات الفردية عن الطعام للأسرى الفلسطينيين الإداريين في سجون الاحتلال، التي بدأها الأسير المحرر خضر عدنان[1]، وتلته الأسيرة المحررة هناء شلبي، ومن ثم الأسيران ثائر حلاحلة وبلال ذياب، وغيرهم الكثير من الأسرى الإداريين.

ومنذ العام 2004 بدأت تتلاشى وتختفي الإضرابات الجماعية للأسرى، أو على الأقل، بدأ يتراجع صداها وتأثيرها، بعد فشل الإضراب الجماعي الذي خاضه الأسرى في ذلك العام، والذي استمر لمدة 18-19 يومًا في سجون مختلفة: هداريم، عسقلان، إيشل، وغيرها، حيث لم تتحقق حينها مطالب الأسرى المضربين.

لقراءة الورقة أو تحميلها بصيغة PDF اضغط/ي على هذا الرابط

وسُجِّلت بعده خمسة إضرابات جماعية خلال الفترة (2006-2014)، مع استمرار وازدياد الحالات الفردية لإضراب الأسرى منذ العام 2012.[2] وبالتالي بات واضحًا أن الإضرابات الفردية التي يخوضها الأسرى الإداريون في سجون الاحتلال تشكّل علامة فارقة في المشهد السياسي الفلسطيني اليومي. وهي تشكّل مؤشرًا لتحول أشكال من النضال الفلسطيني الوطني من الحالة الجماهيرية الجماعية والفصائلية، إلى حالة نضال فردي تمثل بمبادرات فردية، بالإضافة إلى أن حالة الأسرى هي مؤشر لحالة الترهل والضعف التي أصابت فصائل العمل الوطني الفلسطيني، وتشكل انعكاسا لحالة الانقسام الفلسطيني الداخلي، وعدم وجود وحدة في صفوف الأحزاب، والفصائل، والحركات الوطنية، والسلطتين الحاكمتين في الضفة والقطاع.

 

 الانقسام

أدى الانقسام الفلسطيني الذي تعمق منذ العام 2007، عندما سيطرت حركة "حماس" على قطاع غزة، عسكريًا، وبقيت الضفة الغربية تحت قيادة الرئيس الفلسطيني، إلى تشتت وتفرقة بين الأسرى، الأمر الذي انعكس على وحدتهم في السجون الإسرائيلية، إلى جانب بلورة عدم ثقة في القيادات والأحزاب والفصائل وابتعادها عنهم، ما نجم عنه تغير في شكل النضال الجماعي وتحوله، بصورة تدريجية، إلى فردي، دون دعم فصائلي حزبي قيادي كافٍ.

يعتبر بعض الأسرى المحررين أن المستوى الفردي في النضال بين الأسرى هو الأقوى، وتأثيره أنجع في هذه الحالة، وخاصة في الوقت الحالي، بينما ترى الجهات الرسمية المهتمة في قضايا الأسرى أن النضال الجماعي والإضرابات الجماعية هي الشكل المطلوب والأنجح.

جاءت الإضرابات الفردية نتيجة أسباب سياسية مختلفة أدت إلى ولادة ونجاح نضال وطني جديد يحمل طابعًا وشكلًا فرديًا. وهو يمثل أحد إسقاطات الانقسام الفلسطيني، الذي من الممكن أن يكون مؤقتًا ويعود إلى طابعه الجماعي الثابت عند حدوث وحدة وطنية خارج السجون. وقد قال الأسير وليد دقة من باقة الغربية، والقابع في سجون الاحتلال منذ 30 عام، في مقابلة خاصة معه لموقع عرب 48: إن "الحركة الوطنية الأسيرة هي امتداد وانعكاس للحركة الوطنية خارج السجون، وعندما تكون الحركة الوطنية متماسكة موحدة، فإن الأسرى بالتأكيد سيكونون موحدين".

 

 تراجع  الإضرابات الجماعية

فشل إضراب الأسرى في العام 2004 في سجون: هداريم، عسقلان، جلبوع، كيدار، نفحة، إيشل. وكان السبب الرئيسي هو عدم وجود قيادة موحدة للأسرى الفلسطينيين، واستغلال هذا من قبل إدارة السجون لتكريس شعور الفشل بين الأسرى في حواراتهم معها، ما أدى إلى شعور بالإحباط وعدم إمكانية العودة إلى هذا الأسلوب من النضال، كما لعب دورًا جادًا في اختفاء الإضرابات الجماعية للأسرى بعدما كانت المظهر الأساسي لكفاحهم لمدة 35 عامًا خلال الفترة (1969-2004)، الأمر الذي تم تعزيزه في أعقاب الانقسام الداخلي، وإسقاطاته المدمرة على النسيج والنضال الوطني، بما يشمل الأسرى ونضالهم. وكذلك تراجع دور القيادات والفصائل الوطنية في تحديد شكل وبنية نضال الأسرى المطلوب في السجون الإسرائيلية.

وظهرت إضرابات فئوية، عدا الإضرابات الفردية، لتعكس تداعيات الانقسام السياسي. فعلى سبيل المثال، أضرب أسرى حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، في شهر آب 2016 لأيام عدة، وتم تعليق الإضراب جرّاء الوصول إلى اتفاق مع إدارة السجون الإسرائيلية، شمل وقف التفتيش العاري المهين، وتلبية مجموعة من المطالب الحياتية، وتحديدًا في سجن "نفحة". وكان ذلك مختلفًا عن إضرابات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي سجلت في شهر حزيران 2016 إسنادًا ودعمًا للأسير بلال كايد، الذي خاض إضرابًا استمر 71 يومًا، الأمر الذي يؤكد وجود تشرذم وشرخ بين الأسرى.

وأدى تعمق الانقسام إلى تصدع خطير في وحدة الأسرى وتفريقهم عن بعضهم البعض. فقد أشار مختصون في شؤون الأسرى الفلسطينيين في تقرير لـ "سكاي نيوز" نشر مطلع العام 2016، على "أن الانقسام الفلسطيني بين حركتي "فتح" و"حماس" وصل إلى الأسرى، فلم يعودوا موحدين". ويقول قدورة فارس، رئيس نادي الأسير: "إن حالة الانقسام السياسي عكست نفسها على الحركة الأسيرة في السجون الإسرائيلية".

كما أوضح عبد الناصر فروانة، المختص في شؤون الأسرى الفلسطينيين، أن "الحركة الأسيرة (قيادة الأسرى) لم تعد قادرة على اتخاذ موقف موحد في مواجهة السلطات الإسرائيلية"، الأمر الذي يساعد هذه السلطات على تصعيد إجراءاتها ضدهم.

ويوضح فارس بروز الإضرابات الفردية عن الطعام خلال السنوات الأربع الماضية، مثل إضراب خضر عدنان وسامر عيساوي، التي تعكس الحالة المأساوية التي وصلت إليها الحركة الأسيرة في السجون.

ويشدد كل من فارس وفروانة على أن "هذا النوع من الإضراب يسلط الضوء على انتهاكات إسرائيل بحق الأسرى، ويمثل شكلًا جديدًا في مواجهة السجان الإسرائيلي". كما أنه "ينتزع بعض الحقوق الفردية للأسرى، مثل إنهاء الاعتقال الإداري".

وفي تقرير لصحيفة "وطن" الإلكترونية نشر بتاريخ 2/2/2016 جاء فيه أن المتابعين لشؤون الحركة الأسيرة يعزون تراجع حدة الإضرابات الجماعية في سجون الاحتلال إلى أسباب مختلفة. فيرجعها عيسى قراقع، رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، إلى "ضعف الحركة الأسيرة التي لم تعد قوية كما كانت سابقًا، بسبب ترهل وضعف التنظيمات والفصائل داخل السجون، وهو الأمر الذي يستوجب منها إعادة وحدة الحركة الأسيرة لمواجهة القوانين الاسرائيلية"، بينما أشار خضر عدنان إلى أن السبب "يرجع إلى قيادة الأسرى وتقسيم السجون حسب المناطق (غزة، الضفة، شمال، جنوب)، إضافة إلى تأثير الانقسام بشكل كبير على السجون الذي فرق الأسرى عن بعضهم البعض".

وأضاف قراقع في التقرير: "إن تجربة الحركة الأسيرة داخل السجون أثبتت أن الإضرابات الجماعية هي الأكثر نجاعة وفائدة للأسرى، وتحقق النتائج المطلوبة، وتحسن الشروط الجماعية للأسرى داخل السجون". ويرى "أن الإضراب الفردي يكلف الأسير ثمنًا باهظًا كونه يواجه سلطات الاحتلال والسجون وحيدًا، بينما حين يضرب 6 آلاف أسير عن الطعام بشكل جماعي، فإن ذلك سيكون أكثر نجاعة وضغطًا على سلطات الاحتلال أكثر من إضراب أسير بشكل فردي".

وبحسب عدنان "فإن الإضراب الفردي لا يعني رفض الإضراب الجماعي، ونجاح الإضرابات فردية أم جماعية يتعلق بجديتها، ولكن بعد إخفاق إضراب 2004 لم يكن هناك إضراب جماعي وشامل"، مشيرًا إلى "تنامي عقدة الإخفاق من الفشل من تحقيق النتائج المرجوة في الإضراب الجماعي، بسبب الضغوط التي تمارسها سلطات السجون على الأسرى".

توضح الآراء سالفة الذكر، الفجوة في التوجهات بين الجهات الرسمية المختصة في شؤون الأسرى، والأسرى المحررين الذين خاضوا إضرابات فردية نجحت في تحقيق مطالبهم، أو حققت تضامنًا شعبيًا واسعًا، على الأقل. وبالتالي، هم يتكلمون عن تجربتهم الخاصة، ويوجهون دعمًا للأسرى الموجودين في السجون الذين يخضون معركتهم الخاصة والصعبة.

كما أنهم يعبرون عن ثقتهم بأن استمرار الإضرابات الفردية ونجاحها ممكن أن يؤدي إلى تكريس نضال جديد مستمر، ولا يهدد أو يُبدل النضال الجماعي، لكنه يوضح أسباب ولادة النضال الجديد.

أما بخصوص الجهات الرسمية، فنلاحظ تمسكها بالإضرابات الجماعية لعدم زعزعة النضال الجماعي، والمحافظة على دور وتأثير الهيئات الرسمية التي تختص في الأسرى.

نُلاحِظ أيضًا أنّ الأسرى يَدفَعون ثَمنًا باهِظًا لفشل تحقيق أي مكاسب ومطالب داعمة لحقوقهم من قبل السلطة والفصائل الفلسطينية المختلفة، ولذا يخوضون إضرابات مفتوحة عن الطعام مهددين حياتهم وصحتهم بالخطر للمطالبة بحقوقهم وتحسين أوضاعهم، من خلال معركة فردية صعبة وقوية، يضمن الأسرى بواسطتها حقوقهم وحريتهم لكل واحد منهم بشكل خاص، ولا تشمل جميع الأسرى، وذلك في ظل ضعف كبير للأحزاب والفصائل الوطنية الأخرى، وعدم تفعيل دورها بشكل كافٍ في الضغط على السلطات الإسرائيلية والدوائر الدولية بما يخص شؤون الأسرى.

ويرى الأسير المحرر طارق قعدان، الذي خاض إضرابًا فرديًا لمدة ثلاثة أشهر في العام 2013 توّج بالإفراج عنه، في مقابلة خاصة معه لـ وكالة "فلسطين اليوم" الإخبارية، "أن للإضرابات الفردية الشأن الكبير، وخاصة حين تعجز الحركة الأسيرة أن تتفق على خوض معركة ضد إجراءات الاحتلال بحقهم، حينها يكون من حق كل معتقل أن يستلهم الدرس ويطرق جدران الخزان بنفسه".

 

 استنتاجات وتوقّعات

سوف يستمر الأسرى في خوض إضرابات فردية عن الطعام ما لم يحدث تغيير في الحالة الفلسطينية، وما لم تعمل السلطة الفلسطينية بشكل جدي وفعلي من أجل إجبار السلطات الإسرائيلية على وقف الاعتقالات الإدارية، والسياسات التعسفية والمجحفة تجاه باقي الأسرى والأسيرات. وكذلك في حال لم تتخذ ضد إسرائيل أي إجراءات دولية فعلية حول هذا الموضوع.

كما سيتواصل هذا النمط الفردي من النضال في أوساط الأسرى طالما سادت وبقيت الشرذمة بينهم داخل السجون الإسرائيلية التي تنعكس جراء الحالة خارج السجون، وفي ظل عدم وجود أفق لحل مشكلتنا الداخلية الأساسية المتمثلة بالانقسام.

تستغل إسرائيل الشرخ العام عند الفلسطينيين الذي وصل إلى الأسرى، وتستفرد بهم حين يخوضون إضراباتهم الفردية لمدد طويلة جدًا، ولا تسارع إلى اتخاذ قرار بخصوص مطالب الأسرى، مقارنة مع الإضرابات الجماعية، التي تحاول إسرائيل التعامل معها خلال فترات قصيرة.

بالرغم من نجاح الإضرابات الفردية في السنوات الأربع الأخيرة، إلا أن مُدّة الإضرابات الجماعية القصيرة وتحقيق مطالب جميع الأسرى تعني نجاحًا شاملًا أوسع وأكبر وليس فرديًا فقط. لذا، فإن الإضرابات الجماعية والفردية هما شكلان مختلفان، يسعى فيهما الأسرى، لوقف ممارسات الاحتلال في مجالات مثل سياسة الاعتقال الإداري، أو بشأن ظروف الاعتقال والأسر.

في حال الوصول إلى اتفاق فلسطيني داخلي وحدوث مصالحة في أي شكل من الاشكال، ستعود وستنعكس الوحدة أيضًا على الأسرى.

سيبقى نضال الأسرى الفلسطينيين وسيشكّل دائمًا عاملًا مهمًا جدًا في مسار النضال الوطني الفلسطيني العام. فالاثنان مكملان ومتعلقان ومتأثران ببعضهما البعض. والتغييرات التي ستنجم عن الوضع الفلسطيني العام ستنعكس على حالة الأسرى ووحدتهم وشكل نضالهم. لذا، فإنّ الإضرابات الفردية يمكن أن تُشكِل مؤشرًا في تحوّل النضال كونه متأثرًا بالحالة السياسية خارج السجون، كما أنها من الممكن ورغم نجاحها، أن تكون مؤقتة إلى حين حدوث تغييرات جذرية، مثل تغيير سياسة السلطة الفلسطينية في قضية الأسرى، وفي الحراك المقاوم ككل. ففي حال حدوث مصالحة في الوقت القريب، ستؤثر هذه العوامل على نضال الأسرى وشكله وبنيته وممكن أن يعود الطابع الجماعي.

إن بقاء ونجاح النضال الجماعي أيضًا سيضمن حقوق وحرية جميع الأسرى، وليس فقط لأعداد ضئيلة منهم، ولفترات قصيرة. فالإضرابات الفردية تعالج حالات فردية، ولا تشمل باقي الأسرى، وممكن أن تكون مؤقتة. فمثلًا في حالة الأسير سامر العيساوي، صاحب أطول إضراب عن الطعام واستمر لمدة 268 يومًا في العام 2012، تم الافراج عنه جراء ذلك، لكنه اعتقل مرة أخرى في حزيران 2014 وما زال يقبع في السجن.

قضية جميع الأسرى هي واحدة. ويولد النضال الفردي نتيجة حالة النضال الجماعي التي ما زالت موجودة، لكنها ضعيفة وتعاني من الشرذمة.

جدير بالذكر، أن الإضرابات الفردية للأسرى الفلسطينيين ليست جديدة، لكنها عادت مجددًا وبقوة في العام 2012. ففي العام 1968 سُجل أول إضراب فردي للأسير الفلسطيني المحرر عوني الشيخ من قرية الولجة قضاء بيت لحم، حين قبضت عليه قوات الاحتلال بتاريخ 15/9/1968 لرفضه حمل الهوية الإسرائيلية وعدم اعترافه بالاحتلال الإسرائيلي، وأضرب حينها 150 يومًا، وبعدها تم إطلاق سراحه.

وحسب معطيات مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان لشهر آب 2016، يصل عدد الأسرى الفلسطينيين اليوم إلى 7000، منهم 700 معتقل إداري.

 


[1] هو أسير محرر من بلدة عرابة في محافظة جنين، ينتمي إلى الجهاد الإسلامي، خاض إضرابين مفتوحين عن الطعام. الأول استمر لمدة 66 يومًا بتاريخ 13/12/2011، والثاني استمر لمدة 52 يومًا بتاريخ 8/5/2015.

[2] وجب التنويه أن الحالات التي تم استخدامها هي مجرد أمثلة، ولا تشير إلى جميع حالات الإضراب للأسرى. هناك الكثير من الحالات لأسرى إداريين وغير إداريين لم تذكر ولم يشر إليها في الورقة.