مقترحات لإزالة العراقيل التي تحول دون إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية

e-mail icon
مقترحات لإزالة العراقيل التي تحول دون إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية
هاني المصري
مقالات
-
الخميس, 14 أيلول (سبتمبر), 2017

(قدمت هذه المداخلة في افتتاح مؤتمر "كلفة الانقسام وأثره على الفلسطينيين" الذي نظمه مركز مسارات في مدينة غزة بتاريخ 14/9/2017).

اسمحوا لي في البداية أن أرحب بكم جميعًا مع حفظ الألقاب، وأن أشكر الذين ساهموا في عقد هذا المؤتمر، وخصوصًا أعضاء لجنة دعم الوحدة الوطنية، والعاملين في مركز مسارات، وبشكل خاص الزميل صلاح عبد العاطي الذي من دونه كان من الصعب عقد مثل هذا المؤتمر. كما اسمحوا لي أن أشكر كل الذين ساهموا في إنجاز البحث والدراسات الاستطلاعية التي ساعدت على إنتاجه.

كنا نخطط أن نكون معكم في غزة ولكن لم نتمكن نظرًا لعدم صدور التصاريح، ولكننا معكم عبر الفيديو كونفرنس، ومن خلال عقولنا وقلوبنا ومشاعرنا، وسعينا الدائم والمستمر لبذل كل ما يكفل رفع الحصار الظالم عن شعبنا في القطاع، وإزالة كابوس الاحتلال عن أرضنا الحبيبة.

********

ينعقد هذا المؤتمر في ظل توارد أخبار إيجابية من القاهرة، مع أن التجربة المريرة السابقة علمتنا ألا نغرق في التفاؤل، لأن أسباب الانقسام متعددة، وتضرب بجذورها عميقًا في السلطتين المتنازعتين، فضلًا عن وجود أطراف ومحاور خارجية، أهمها إسرائيل التي ساعدت على وقوع الانقسام، وتعمل كل ما تستطيعه من أجل استمراره.

كما ينعقد هذا المؤتمر وسط متغيرات واسعة ومتلاحقة في إسرائيل، إذ تسير أكثر وأكثر نحو اليمين واليمين الديني المتطرف، وترفض أي تسوية تحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، وتهدف بدلًا من ذلك إلى تطبيق خطة إقامة "إسرائيل الكبرى". في المقابل، تراجعت الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، وخسرت العراق وسوريا رغم النتائج الكارثية، كما حققت إنجازات مهمة في مناطق أخرى، ولكن الأمر المؤكد أنها لم تعد الدولة الأحادية المسيطرة على المنطقة والعالم، وإنما تنافسها دول وأطراف أخرى، ما يوسع هامش المناورة لدى الفلسطينيين والعرب.

ما سبق يدل على أن هناك فرصة وأمل رغم التحديات والمخاطر، من دون التقليل من خطورة المخططات الأميركية الإسرائيلية لفرض ما تسمى "صفقة الصفقات" لتصفية القضية الفلسطينية، و"الحل الإقليمي" الاسم المستعار لإقامة حلف أميركي عربي إسرائيلي في المنطقة، وهذا الهدف ليس سهلًا تحقيقه كما يصور نتنياهو، ومع ذلك علينا أن نعمل كل ما نستطيعه لإحباطه.

كما يأتي هذا المؤتمر كتتويج لبرنامج مشترك ينفذه مركز مسارات بالاشتراك مع مبادرة إدارة الأزمات الفنلندية (CMI)، بدأ أواخر العام 2010، ونأمل أن يختتم سريعًا بإنهاء الانقسام.

وفي إطار هذا البرنامج، عقدت عشرات الورشات والندوات والاجتماعات، وعدد من المؤتمرات، في مختلف أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، وأنتج وثائق وطنية، وقدم اقتراحات وتوصيات تتضمن حلولًا للمشاكل والعقبات التي تحول دون إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية.

وكانت ذروة هذا البرنامج عقد مؤتمر "نحو رؤية شاملة لإعادة بناء الوحدة الوطنية" في آب 2016، بمشاركة أكثر من 700 شخصية من مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، وأقر في ختامه "وثيقة الوحدة الوطنية"، وأوصى بتشكيل لجنة دعم الوحدة الوطنية التي تشكلت من عشرات الشخصيات من مختلف المناطق والأطياف، التي عقدت بدورها اجتماعات عدة، وأصدرت عدد من النداءات وقع عليها الآلاف. كما أوصت هذه اللجنة بإنتاج بحث عن كلفة الانقسام وأثره على الفلسطينيين بعد عشر سنوات على وقوعه، وتوصيات هذا البحث واستخلاصاته هي محور هذا المؤتمر.

ساهم في إنتاج هذا البحث العديد من الباحثين الذين تناولوا أثر الانقسام في المجالات السياسية والقانونية والاقتصادية والثقافية الاجتماعية، وعلى شعبنا في أراضي 48 والشتات. وما وزع عليكم من أوراق هي مجرد مسودات غير مطروحة للنشر والتوزيع والاقتباس، لأنها لم تبلور بعد بصيغتها النهائية، وتأمل الاستفادة من أي ملاحظات أو اقتراحات ستقدم في هذا المؤتمر أو بعده. فهذا المؤتمر باكورة لعقد سلسلة من الندوات والمؤتمرات في مختلف أماكن تواجد الشعب الفلسطيني، في الخليل ونابلس ورام الله والقدس وأراضي 48 وعمان وبيروت.

لم نكن غائبين عن النتائج الوخيمة للانقسام قبل هذا البحث، ولكن ما جاء فيه يكشف مدى خطورة الانقسام، والحاجة الملحة لإنهائه بأسرع وقت وقبل فوات الأوان.

ما سأقدمه في مداخلتي الموجزة هي خلاصة عمل مركز مسارات ضمن برنامج الحوار الوطني لتحقيق الوحدة الوطنية، وهي تنطلق  من أن المشكلة لم تبدأ بتشكيل اللجنة الإدارية، ولا بالإجراءات العقابية على قطاع غزة حتى تنتهي بحل هذه وإلغاء تلك، مع أن حل اللجنة وإلغاء الإجراءات أمران مهمان جدًا، ولكن المطلوب من أجل إنهاء الانقسام أكثر من ذلك بكثير كما سيتضح من خلال هذه المداخلة.

*************

منذ حوالي عشر سنوات، وتحديدًا في 14 حزيران 2007، وقع الانقسام السياسي والجغرافي والمؤسسي، وبالرغم من كل الجهود والمبادرات واللقاءات والاتفاقات التي تم التوقيع عليها، وخصوصًا "اتفاق القاهرة" الذي خرج إلى النور في 4 أيار 2011، إلا أن الانقسام لم ينته، بل أصبح يتعمّق أفقيًا وعموديًا.

إن العبرة الأساسية التي يمكن أخذها من فشل المحاولات لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية أن تحقيق الوحدة لا يمر عبر إدارة الانقسام أو تحسين شروط الحياة الفلسطينية في ظله، أو الاكتفاء بحل بعض المظاهر والمشاكل والتركيز على الجوانب الشكلية والإجرائية وإهمال المضمون، وإنما من خلال الإجابة عن سؤال: لماذا نريد إنهاء الانقسام؟ هل من أجل المصالحة بين "فتح" و"حماس" وبقية الفصائل، أم من أجل إحياء القضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال والعودة والاستقلال وتقرير المصير، بما يشمل تجسيد دولة فلسطين، من خلال توفير متطلبات ذلك عبر إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير لتكون المؤسسة الوطنية الجامعة لمختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي، على أساس رؤية وطنية شاملة ينبثق عنها إستراتيجية سياسية ونضالية.

في هذا السياق، أثبتت التجربة منذ وقوع الانقسام وحتى الآن أن القضايا التي يقف أمامها الحوار الفلسطيني يجب أن تؤخذ كرزمة واحدة حتى تؤدي إلى اتفاق شامل يخرج منه الشعب الفلسطيني بمختلف أطرافه منتصرة على أساس معادلة "لا غالب ولا مغلوب"، على أن يتم تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفردية والفئوية والفصائلية، وهنا لا بد من التأكيد على ما يأتي:

أولًا: أن الاتفاق يجب أن يكون رزمة كاملة وشاملة، وهذا لا يعني أنه سيطبق مرة واحدة، وإنما على مراحل وبالتوازي والتزامن، وضمن رعاية فلسطينية وعربية وآلية تطبيق ملزمة وجدول زمني يتفق عليهما منذ البداية.

ثانيًا: إن كلمة السر ومفتاح طريق إنجاز الوحدة الوطنية هي الاتفاق على أسس الشراكة السياسية الحقيقية والكاملة (في المنظمة والسلطة/الدولة)، على أساس الديمقراطية التوافقية التي تنسجم مع الشرط الاستعماري الاحتلالي الذي تعيشه فلسطين، وبرنامج وطني يجسد القواسم المشتركة (الحد الأدنى الوطني)، بما يعزز فرص نجاح الجهود لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وضمن تجسيد الشراكة باعتبارها حقًا لكل ألوان الطيف السياسي والاجتماعي التي تؤمن بالشراكة.

ثالثًا: إن توحيد المؤسسات والوزارات والأجهزة الأمنية والقضائية هي الخطوة الثانية بعد الاتفاق على البرنامج السياسي والشرط الأساسي الذي يضمن إنجاز تحقيق الوحدة الوطنية، وهذا لا يمكن أن يتحقق إذا لم تلتزم "حماس" قولًا وعملًا، من خلال خطة تنفيذية يتم الاتفاق عليها، بإنهاء سيطرتها الانفرادية على قطاع غزة بحيث تكون السلطة في القطاع جزءًا من السلطة الواحدة، مقابل التزام "فتح" قولًا وعملًا بإنهاء هيمنتها على السلطة في الضفة الغربية وعلى منظمة التحرير.

رابعًا: إن الانتخابات الدورية المنتظمة على كل المستويات والقطاعات ضرورية لتمكين الشعب من المشاركة في تقرير مصيره وتحديد خياراته، ولكن الانتخابات ليست المدخل لإنهاء الانقسام، وإنما لا بد أن تأتي تتويجًا لإنهائه. والانتخابات وحدها لا تحقق الديمقراطية، خصوصًا في الظروف الفلسطينية، حيث فلسطين تحت الاحتلال وتتعرض لمشروع استعماري استيطاني عدواني عنصري، وحتى تعكس الإرادة الشعبية لا بد من ترابطها مع عوامل وشروط أخرى، من ضمنها ضمان حريتها ونزاهتها واحترام نتائجها، وهذا من المتعذر تحقيقه تحت الاحتلال ما لم تأت في سياق الكفاح الفلسطيني للتحرر الوطني وتحقيق الاستقلال والسيادة.

خامسًا: أهمية الاتفاق على برنامج سياسي يجسد القواسم المشتركة، ويتصدى للمخاطر والتحديات التي تواجه القضية الفلسطينية، ويوظف الفرص المتاحة، ومن دون الاتفاق على هذا البرنامج وما ينبثق عنه من خطة عمل لمواجهة المهمات الراهنة لا يمكن أن تقوم وحدة راسخة.

سادسًا: ضرورة إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أسس وطنية وديمقراطية، وشراكة حقيقية، لتضم مختلف ألوان الطيف السياسي، والمدخل لذلك العمل من أجل عقد مجلس وطني توحيدي، وهذا هو الأفضل، بعد إنهاء الانقسام، أو عقد مجلس وطني قديم مجدد بأسرع وقت ممكن تشارك فيه الفصائل غير الممثلة في المنظمة من خلال نوابها في المجلس التشريعي (مثل حركة حماس)، واختيار عدد من أعضائها نوابًا في المجلس الوطني تحت بند المستقلين (مثل الجهاد الإسلامي) يمهد لعقد مجلس وطني توحيدي بعد إنهاء الانقسام.

سابعًا: تشكيل حكومة وحدة وطنية، تقوم بتوحيد المؤسسات الأمنية والوزارات، وتسهل إعادة بناء وتوحيد القضاء، وتلبية احتياجات المواطنين ورفع الحصار عن قطاع غزة، وتعيد النظر في الهيكل الإداري والوظيفي للسلطة من خلال تشكيل "لجنة وطنية قانونية إدارية" تحدد الأولويات والاحتياجات والمصالح الوطنية والمعايير لذلك، والتمهيد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية.

**********

تأسيسًا على ما تقدم، إن إنجاز الوحدة الحقيقية ليس أمرًا سهلًا ولا يمكن أن يتحقق من دون بلورة تيار وطني، جبهة وطنية تضم كل الحريصين على بقاء القضية الفلسطينية وانتصارها، والذين يدركون أن الوحدة طريق الانتصار، والذين سيناضلون من أجل فرض الوحدة عبر التحرك السياسي والشعبي المتراكم والمتعاظم على الرغم من كل الأطراف والعوامل والشروط التي تحول دون تحقيقها. إن الشعب قادر في النهاية على فرض إرادته على الجميع.

كلمة واحدة سحرية يمكن أن تحقق الوحدة وهي "الشراكة" من دون تفرد ولا هيمنة ولا إقصاء من دون احتكار من أحد للدين ولا للوطن ولا للحقيقة.

أشكركم على الحضور، وأتمنى لهذا المؤتمر النجاح، كما آمل أن تفتح لقاءات القاهرة التي تمت والتي ستحدث في الأيام القادمة طريق الوحدة التي تقوم على القواسم المشتركة، ولا تلغي الخلافات، وإنما تنظمها في إطار الوحدة، ما يجعلها مصدر قوة ومناعة لا تنضب.