ملاحظات حول وثيقة إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير

e-mail icon
ملاحظات حول وثيقة إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير
هشام دبسي
-
الثلاثاء, 12 تشرين الثاني (نوفمبر), 2013

بذلت مجموعة "دعم وتطوير المصالحة الوطنية"، جهداً مشكوراً في إنتاج وثيقة بعنوان “إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية”، وأرفقتها بمجموعة ملاحق، منها جديد مستحدث، ومنها إعادة نشر لوثائق ذات صلة.

“مجموعة الدعم”، ضمت عشرات الكوادر القيادية، في الفصائل الفلسطينية، لكن بصفة فردية، كما ضمت شخصيات وطنية مستقلة.

عقدت "مجموعة الدعم"، ثلاث ورش عمل في هلسنكي واسطنبول وأنقرة بين 6/12/2010 و22/7/2011. لتصبح “الوثيقة” موضع النقاش هي القاسم المشترك المتوافق عليه من أصحاب المبادرة.

في بيروت، وبدعوة من المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية “مسارات” ومقره في رام الله، وبالشراكة مع مركز حقوق اللاجئين “عائدون”. عقدت ندوة، ضمن سلسلة ندوات في الوطن والشتات، شارك فيها قادة الفصائل الفلسطينية، باستثناء حركة فتح، كما شارك لفيف من الكوادر والشخصيات المستقلة والناشطين في المجتمع المدني الفلسطيني.

بينت المداخلات المرتجلة أن أغلبية المشاركين، لم يتسنى لهم الاطلاع على مضمون الوثيقة، لذا كان النقاش بعيداً عما جاء فيها، أو يطالب الوثيقة بما نصت عليه أصلاً، مع تأييد الأغلبية الساحقة لفكرة إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير وإن بنبرة خطابية محفوظة عن ظهر قلب عند البعض، بينما البعض الآخر من كوادر الصف الثاني من الحمساويين، عبّر عن رفضه للآخر الفلسطيني، من خلال هجوم شرس، لم يترك مجالاً لأي لغة تصالحية، في محفل يفترض به دعم المصالحة الوطنية!!.

وبالعودة للوثيقة محط النقاش، فإن الملاحظات الأولية يمكن تلخيصها وحصرها في الجانب السياسي، الذي ورد في الملخص التنفيذي، حيث اعتبرت “مجموعة الدعم” أن عملها من أجل المصالحة يندرج في “سياق إحياء القضية الفلسطينية، وإعادة تعريف المشروع الوطني، بحيث لا يقتصر على إقامة الدولة الفلسطينية، على حدود عام 1967، وإنما يتضمن إنهاء الاحتلال والعودة وتقرير المصير والاستقلال الوطني والدفاع عن الحقوق الفردية والوطنية للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وفتح الباب أمام البدائل والخيارات الأخرى”.

وأن إعادة البناء لمنظمة التحرير “تستند إلى كون الشعب الفلسطيني يمر بمرحلة تحرر وطني يعاني فيها من الاحتلال لكل وطنه التاريخي”. انتهى كلام الوثيقة.

على هذه الرؤية والخلفية يمكن تسجيل بعض الملاحظات:

أولاً: خطأ التسليم بأن القضية الفلسطينية تحتاج إلى إحياء، ما يعكس تقدير عدمي للنتائج التي وصلت إليها مسيرة الكفاح الوطني على غير صعيد، سواء في مجال بناء السلطة الوطنية أو المكانة السياسية المتقدمة في المحافل الدولية وآخرها في الأمم المتحدة.

كما أن هذا التقدير يصطدم مع مقولة حركة حماس حول إنجازاتها خلال العقدين الماضيين. لذا نحن بحاجة إلى تقييم موضوعي دقيق للحالة الفلسطينية من منظار تاريخي وصولاً إلى تقدير موقف راهن، يساعدنا على تطوير الأداء الوطني الذي يشوبه الكثير من العيوب.

كما ينبغي الإشارة إلى أن حركة حماس القطب الثاني في المعادلة السياسية، انضمت بأشكال مختلفة إلى تأييد خيار “حل الدولتين” ما يعزر الإجماع الوطني على هذا الخيار، بما ينطوي عليه من نتائج ملزمة للجميع، وأهمها الفصل بين الحق التاريخي الذي يتمسك به الفلسطيني على الدوام، وبين الحق السياسي، الذي تقره الشرعية الدولية على الرغم من الإجحاف الذي ينطوي عليه بالنسبة لنا.

ثانياً: إن الجمع بين الحق التاريخي، وبين الحق السياسي، بواسطة عبارات ملتبسة تنادي بإقامة الدولة وكذلك إنهاء الاحتلال، والاستقلال، لتشمل أرض فلسطين التاريخية، وإنجاز حق العودة، دون إيضاح إذا كان الأمر يتطلب تدمير دولة إسرائيل أم الظفر بالدولة المرحلية بالقوة المسلحة، من دون أي تسوية مع الكيان الصهيوني.

إن مثل هذه الصياغة، إنما تولد أسئلة أكثر مما تجيب على معضلات معقدة!!. والسؤال حقاً، كيف للعقل السياسي لبعض النخب الفلسطينية، التي لا ينقصها الخبرة النضالية، أن تجمع في عدة أسطر عبارات من هذا الطراز، في سياق البحث عن “حل وطني للقضية الفلسطينية” كما ورد، والسؤال الأهم، هل تقبل قيادة حركة حماس هذه الخلاصة، التي شارك في صياغتها عدد من كوادرها؟ وكذا هل تقبل قيادة فتح بمثل هذه الصياغات؟

أعتقد أن الجواب لا قاطعة عند الطرفين، ولذا أقول ما فائدة الأمر؟ وكيف ندعم المصالحة وفق هذه المقاربة السياسة للشعارات الاستراتيجية الفلسطينية، إذا كانت فتح وحماس لا توافقان على ما جاء فيها؟!

ثالثاً: إن إعادة بناء مركزية الشعب الفلسطيني السياسية، عبر نشأة وتطور منظمة التحرير، ورسوخها ككيان وطني حتى قيام الدولة، تعزر من خلال تطور الخيارات الوطنية، التي أطلقها مشروع السلام الفلسطيني، وهذا لا يمكن التخلي عنه ببساطة، حتى في ظل الأزمة التي تشهدها المفاوضات الجارية.

كما أن شعار الإصلاح الداخلي للمنظمة كان يحمل مشروعاً لتحجيم حركة فتح، تارة لمصلحة النظام السوري، وأخرى لمصلحة حلف سوري – ليبي – إيراني. واليوم فإن إصلاح المنظمة تفهمه حركة فتح، بصفته مسعى حمساوي لمصادرتها والقبض على التمثيل السياسي، ولذا ما لم تطرح الشعارات الإصلاحية بوضوح وبعلاقتها بالمهمة السياسية المحددة، فإن كل شعار يتحول إلى حل لفظي.

إن المصالحة يجب أن تقوم على المصارحة أولاً والاعتراف بالأخطاء والتقدم لبلورة قناعات مشتركة وليس توليف نص يجمع بين المتناقضات، أو بين المرحلي والاستراتيجي أو بين الحقوق التاريخية والمهام البرنامجية.

رابعاً: إن الحديث عن قيادة واحدة، وبرنامج تحرير شامل يعيد طرح السؤال حول برنامج الفلسطينيين في إسرائيل ورؤيتهم لدورهم وأهدافهم وعلاقتهم بالدولة التي يحملون جوازات سفرها وهنا لا أدري ماذا تقول لهم الوثيقة وإلى ماذا تدعوهم؟

أعتقد أن الأمر لا يجد حلاً عبر الشعارات والتوكيد المستمر على وحدة القضية والأرض والشعب في الوقت الذي يعاني كل تجمع فلسطيني من مشكلات لا حصر لها، كما يعاني من قصور المرجعية المحلية وقصور المرجعيات العامة عن تلبية الاحتياجات الأولية الملحّة.

إنّ الهمّ الفلسطيني كبير.. ويحتاج لجهد مستمر.