من أين جاء ترامب؟

e-mail icon
من أين جاء ترامب؟
باسم الزبيدي
مقالات
-
الاثنين, 13 شباط (فبراير), 2017


 بعد منازلة رئاسية تاريخية فاز دونالد ترامب وأصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة. من هو هذا الرجل وما الذي يمثله وأين سيأخذ بلاده والعالم في السنوات الأربع القادمة؟ هذه الأسئلة وغيرها ستبقى تؤرق من يسعى للإجابة عنها، لا لكونها تُعنى برئيس الدولة الأقوى فقط، وإنما لكونها أيضا مؤشرًا على ما ستكون عليه العلاقات الدولية والعالم بأسره في السنوات القادمة. ما تسعى إليه هذه المقالة هو التمهيد للإجابة عن هذه الأسئلة عبر تسليط الضوء على المنطلقات الفكرية والسياسية التي سمحت بصعود "الترامبية" في الولايات المتحدة الأمريكية.

بعض التحليلات ترى ان ما يمثله ترامب من قيم وفكر وتصورات وما سينبثق من سياسات في الداخل والخارج هو امر غريب عن التجربة الامريكية ومناقض لتقاليدها المُستقاة من مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والتي جعلت من الولايات المتحدة، حسب وجهة نظر أهلها، الدولة الديمقراطية الأنقى في العالم.

هذه المقالة تأتي بوجهة نظر مغايرة ترى ان صعود ترامب الى سدة الرئاسة في البلد الاقوى في العالم له اسبابه كثيرة ومتنوعة، لكنها ترتبط بشكل أو آخر بثلاثة اعتبارات: التجربة الامريكية وطبيعة الدستورالمؤسّس للبلاد وميوله الطبقية؛ رواج "عقيدة" أولوية القطاع الخاص على الدولة؛ وتفاقم اشكاليات النظام الرأسمالي المسيطِر كونيا. وعليه، ترى هذه المقالة ان ظاهرة ترامب (وما يرافقها من فكر وقيم وتصورات) هي تعبير منسجم تماما مع منطلقات التجربة الامريكية ولا تشكل انزياحا أو شذوذا عنها، وأن هذه المنطلقات عبّر عنها الدستور الامريكي الذي مالَ وبشكل واضح لأصحاب الثروة والمُلكية على حساب الطبقات والفئات الأخرى من الشعب الامريكي.

ان ما يمثله ترامب من فكر وتوجهات له جذوره في تاريخ وثقافة النخبة الحاكمة، التي هي نخبة اوليغاركية أكثر منها ديمقراطية، وان "ظاهرة ترامب" هي مجرد تعبير معاصر عن معضلة واجهت وما زالت تواجه التجربة الامريكية، تتمثّل بالفجوة بين مبادئ ومُثل الديمقراطية التحررية الخلاصية من جهة، والميل لصالح الأثرياء من جهة أخرى، وما يترتّب على ذلك من تمايز وتباين طبقي واجتماعي وعرقي يقود إلى إفقار وتهميش وإقصاء لشرائح اجتماعية واسعة في الداخل، والى حروب وصراعات بغرض الهيمنة على الآخرين في الخارج.

إن بلوغ ترامب سدة الرئاسة هو مؤشر على اضطراب في صفوف النخبة "الاوليغاركية" الحاكمة بصيغتها التقليدية وعلى تصدّع مصداقيتها وتدني قدرتها على الضبط والسيطرة، ما يجعل ترامب يبدو كمرمّم للنظام وكَمُحَصّن له من غضب ضحاياه الرافضين لسياساته في الداخل والخارج.

أولا: جاء صعود ترامب منسجما مع انحياز الدستور الامريكي لفئتين: الأثرياء والأقليات الدينية. فالاغنياء هم تلك الفئة الاولى التي انحاز لها الدستور الامريكي مبكرا (على الرغم من جهود وليام جفرسون الملقب بأب الدستور الامريكي لجعلِه أكثر تعبيرا عن عامة الناس)، حيث أصر مصممو الدستور على توفير الحماية القانونية القصوى للأقلية الغنية مقابل الأكثرية الفقيرة. وقد كان مسوٍّغ ذلك في حينه ان الأغنياء، وبحكم ما لديهم من ملكية، هم أكثر قدرة على الحكم وعلى ادارة الشأن العام بشكل يضمن تكريس التوازن الاجتماعي والاقتصادي، كما انهم أقل جنوحا للفساد والانحراف لأنهم أصحاب أخلاقيات رفيعة وخِصال مُثلى تجعل منهم مواطنون فضلاء أكثر من غيرهم من الناس. ولتمتين موقعهم الاقتصادي والاجتماعي يَضفون الشرعية عبر تقديم تنازلات محدودة للطبقة الوسطى، لكن دون تعريض ثرواتهم ونفوذهم لأي ضرر، ما يعني ابقاء الفصل بينهم وبين الغالبية الفقيرة من العبيد والهنود وفقراء البيض. ولإضفاء المشروعية على سلطتهم نَحَتَ مهندسو التجربة الامريكية مفردتيْ الحرية والمساواة وضمّناها في خطاب الثورة الامريكية، الذي استدرج بسطاء الناس الى صف الثورة ضد انجلترا، لكن مع الحفاظ على العبودية واللامساواة.

من الملفت هنا ان أقطاب الثورة الامريكية جاءوا من الطبقة الكولونيالية الحاكمة، فأب الثورة الامريكية جورج واشنطن كان الأكثر ثراءا في امريكا في ايامه، إضافة الى آخرين يشبهونه ثراءا مثل جون هانكوك وبنجامين فرانكلن وتوماس جفرسون وغيرهم. في ذات الوقت، بينما بقيت جماعات اخرى كالعبيد والخدم والنساء ومن لا يحق لهم التملك دون تمثيل أو حماية، بينما أعطيَ عظيم الاهتمام لأصحاب الثروة والنفوذ الذين احتكروا السلطة
 
وقد اقتصر حق الانتخاب في الولايات في حينه على المالكين فقط واستثنيَت النساء والهنود والعبيد، كما بقيت المناصب العليا بقبضة الأثرياء وبعيدة عن تأثير العامة من الناس. بذلك، ضمِن الدستور فصلا فولاذيا بين الطبقة الغنية الحاكمة من جهة، والطبقات الفقيرة المهمشة من جهة أخرى.

وليس أكثر دلالة على أهمية الثروة في أذهان مهندسي التجربة الامريكية من تضمين مسألة الملكية في القيم الناظمة للدولة الامريكية التي تضمنها الدستور الامريكي (1787) حيث اصبحت: الحياة والحرية والملكية، بعد أن كانت: الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة عندما وردت في إعلان الاستقلال (1776)!

ثانيا: نُظِر الى ترامب من قبل الكثير من فقراء البيض وغيرهم كمرشح لإحداث التغيير في حياة البلاد ومواطنيها بعد ان قدّم نفسه كمناقض للسلطة الحاكمة وما تمثله من ميول وانحياز لجماعات المصالح وللقوى المتنفذة. وكَمَنت جاذبية ترامب في حقيقة قدومه من القطاع الخاص، من عالم المال والاعمال وما يرافق ذلك من حظوة وشهرة ونجومية، ذلك العالم الذي يحتل مكانة خاصة في وجدان الامريكيين منذ تأسيس الولايات المتحدة وانحيازها لمبادئ الرأسمالية والملكية الخاصة والحرية الفردية والمبادرات الريادية والسعي لتحقيق "الحلم الامريكي". وقد بدت جاذبية القطاع الخاص جليّة في مطلع القرن العشرين عندما ظهر "شعار" شهير قال في حينه "ما هو جيد لشركة فورد هو جيد أيضا للولايات المتحدة" (what is good for Ford is good for America).

المقصود هنا ان الصيغة المثلى لإدارة شأن واشنطن هي الصيغة الاكثر قربا لنمط وفلسفة ادارة مؤسسات القطاع الخاص، كون الافراد القادمون منه هم أكثر مِراسا ومهارة وقدرة من الطبقة السياسية المنتخبة على ادارة شؤون البلاد، فهم تنافسيّون يتمتّعون بروح المبادرة والمبادأة والحافزية والسرعة والفعالية في اتخاذ القرارات وتنفيذها، على العكس من مؤسسات الدولة البليدة المُثقلة بالبيرقراطية وما يلازمها من اجراءات.

وفق هذه القاعدة – قاعدة أفضلية القطاع الخاص على مؤسسات الدولة – فإن نجاح الدولة بسياساتها الداخلية والخارجية يُنظَر اليه أساسا من زاوية مدى اقتدائها بالشركات من حيث الآليات والأهداف والنتائج، دون أن يُنظر بجدية الى الفوارق الجوهرية بين هذين القطاعين المتباينين والى تعقيد العلاقة بينهما في كثير من الاحيان. هذا مكّن القطاع الخاص من تبوؤ مكانة هامة وحاسمة في ادارة الدولة والمجتمع تحت حجة انه أكثر مهارة وكفاءة في توظيف واستغلال الموارد وتوجيهها، وتحقيق النمو، ورفع مستوى المعيشة، واستقرار الأسعار وغير ذلك.

لا يعني ذلك بالطبع غياب دور الدولة لكن ذلك الدور يقتصر على تنظيم العلاقة بين أطراف الإنتاج، وتوفير البيئة القانونية والمؤسسية الملائمة لتعزيز الكفاءة، وتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار عبر سياسات مالية ونقدية وتجارية مختلفة. أن دور الدولة وتدخلاتها المختلفة لا ينبع من الخشية من القطاع الخاص ونزعاته الانانية ومما يمكن ان يلحقه من أضرار بالكثير من عامة الناس، بقدر ما هو حماية له وخشية عليه من التقهقر والضعف وحماية له حيث لا معنى للدولة دونه.

ثالثا: العنصر الأخير الذي لا بد من الالتفات اليه لفهم من أين جاء ترامب هو التآكل المضطرد في قدرة الولايات المتحدة على التعاطي بنجاح مع التحديات الداخلية والخارجية. داخليا، لا تزال التفرقة العنصرية تسيطر على المجتمع الأمريكي حيث سرعان ما تفشل أية محاولة لتوريتها عند الإعلان عن مقتل افريقي أمريكي على يد رجل شرطي أبيض، ما يتسبب بالاحتجاجات واقتراف أعمال العنف تهدد استقرار المجتمع كما يحدث في الكثير من الولايات في السنوات الاخيرة. ان العنصرية اليوم باتت طابعا مميزا للمجتمع الأمريكي الأبيض ضد الأخرين خاصة الافارقة الامريكيين، حيث أشارت نتائج الانتخابات الرئاسية التي خاضها أوباما عام 2012، إلى تصويت الأفارقة الامريكيين بأغلبية كاسحة له، ما يعني ان الانتماء العرقي يسيطر على المواطن الأمريكي في قراراته الكبرى.

ويتضح حجم الهوة بين البيض وسواهم في مجالات أخرى كالجريمة مثلا، حيث أن ممارسة القتل ضد الافارقة الأمريكيين، وما يتلو ذلك من غضب في صفوفهم، هو ليس سوى تداعيات سطحية تُغلّف تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة ذات دلالة على تجذّر التمييز العنصري في المجتمع الأمريكي. فالتمييز العنصري ما زال يتعزز ويزداد حيث يوجد اليوم شخص واحد من بين كل اربعة أفارقة امريكيين، وشخص واحد من بين كل ستة اشخاص من أصول لاتينية يعيشون في فقر شديد، مقارنة بشخص واحد من بين ثلاثة عشر شخصا من الأمريكيين البيض. وتأكيدا لذلك نأخذ مدينة شيكاغو، التي يشكل البيض فيها أقلية، حيث نجد ان ساكنيها البيض هم المجموعة الوحيدة التي شهدت في السنوات الأخيرة زيادة في الدخل بما يُقدر بنحو 52% ، مقارنة بـ13 % في حالة الافارقة السود، و15 % في حالة الإسبان.

وتتفق هذه النسب مع ارقام اخرى على المستوى القومي تفيد بأن دخل الأمريكي من ذوي الأصول الأفريقية والإسبانية يشهد انخفاضاً حاداً منذ عام 2000. من الواضح هنا ان التمييز في الولايات المتحدة يأخذ نوعين متداخلين: التمييز العرقي ويمكن ملاحظته في العمل والسكن والتعليم والصحة والخدمات الأخرى، والتمييز في الدخل حيث هناك أقل من 10 % من الأسر في المناطق التي تقطنها الأغلبية البيضاء تعيش في فقر، بينما هناك أكثر من 50 % من الاسر في المناطق التي تقطنها الأغلبية السوداء يعيشون في فقر. إن جزءا هاما من التباين الاجتماعي والاقتصادي بين أحوال البيض وغيرهم، تعود جذوره إلى السياسات التي تبنتها الادارات المختلفة طيلة عقود والى القوانين التمييزية التي كرّست الانقسام العرقي وعمّقت التهميش والاقصاء رغم الادعاء بمبادئ الحرية والحقوق والعدل والمساواة.

ان المسائل الثلاثة التي اوردناها اعلاه تُسوِّغ لِأن يكون ترامب شخصا جذّابا في عيون الكثير من الامريكيين الذين سئموا سياسات الحزبين الرئيسيين المنحازة لجماعات المصالح. فهناك قطاعات واسعة، خاصة من هؤلاء الامريكيين (خاصة البيض من ذوي مستويات التعليم المنخفضة)، قد وجدت نفسها تحت وطأة التهميش بعد هجرة الوف الوظائف عن بلداتهم لمناطق اخرى داخل الولايات المتحدة أو خارجها (خاصة للصين) في العقدين الماضيين.

بمعنى، ان هناك ملايين من المُفقرّين والمهمّشين في فيافي وبراري بنسلفانيا وميشيغان واوهايو ووسكانسون وغيرها من الولايات اختارت أن ترى ترامب كمنقذ لها وكمدشن لعهد جديد لاستعادة عظمة البلاد. فالحلم الامريكي القاضي بالرغد والرخاء والبحبوحة الاقتصادية لم يعُد بالنسبة لها ملموسا، واستُبدِل بالبطالة والفقر والجريمة في الكثير من المناطق التي يقطنها السود واللاتينيين والاسيويين وغيرهم، إضافة الى ارتهانهم للبنوك لتأمين نفقات العيش من مأكل ومسكن وطبابة، ما يعني تعاظم القلق لديهم على الحاضر والمستقبل على تراجع "عظمة" البلاد.

لذا، لم يكن مفاجئا ان يُنظَر الى ترامب من قبل الكثيرين كمنقذ للامة وكمؤتمن على صنع غدها الأفضل، خاصة انه رجل أعمال "ناجح" جنى المليارات، ودائم النقد للمؤسسة السياسية التقليدية (المتمثلة بالحزبين الجمهوري والديمقراطي وجماعات المصالح والتأثير). فمن وجهة نظر مؤيدوه هو صاحب رؤية وبصيرة نفّاذة يُمكن إعمالَها لتصويب مسار البلاد ولتحقيق الازدهار داخليا واستعادة الهيبة والاحترام خارجيا. ومن وجهة نظر ترامب ذاته فهو يرى بنفسه سياسي من طراز جديد لا يخضع لأية قيود، ما يمكّنه من بذل ما يلزم من جهد لاستعادة عظمة البلاد، وذلك عبر معالجات مغايرة عن تك التي تبنتها الادارات الديمقراطية والجمهورية السابقة. وترتكز تلك المعالجات على قاعدة تصويب علاقة واشنطن بالمواطن الامريكي ويشمل ذلك إلغاء أو تعديل سياسات داخلية وخارجية عديدة، منها سياسات اوباما الاجتماعية (خاصة نظام العناية الصحية المسمى أوباما كير) المنحازة للفئات الفقيرة والمتوسطة، واصلاح نظام التعليم، وتخفيض الضرائب على المداخيل العالية لغرض إنعاش الإقتصاد وتوفير فرص عمل جديدة ورفع (أو تخفيف) الضوابط والقيود امام الشركات لتتمكن من المنافسة عالميا....الخ.

أما خارجيا فتشمل المعالجات تبني مقاربات جديدة لادارة الشؤون الدولية بشكل مختلف عن السابق في عالم تسوده الصراعات والمنافسات الضارية، ما يتطلب حسب ترامب إعادة النظر بالاتفاقيات التجارية والامنية مع آسيا وامريكا الجنوبية كاتفاقيتي نافتا (North American Free Trade Agreement) و ت بي بي (Trans-Pacific Partnership) اللتان يعزي ترامب اليهما ما لحق بالاقتصاد الامريكي من أضرار ونال من هيبة الولايات المتحدة في العالم. ويضاف الى ذلك أيضا معالجة الصراعات الدولية والاقليمية انطلاقا مما يخدم مصالح الولايات المتحدة آنيا لكن دون ايلاء عظيم الاهتمام بانعكاسات ذلك على المدى البعيد.