ميثاق «حماس» الجديد: «الفلسطنة» على حساب «الأسلمة»

e-mail icon
ميثاق «حماس» الجديد: «الفلسطنة» على حساب «الأسلمة»
خالد الحروب
مقالات
-
الثلاثاء, 5 كانون اﻷول (ديسمبر), 2017

في الأول من أيار (مايو) 2017 أصدرت حماس (1) ما سمتها «وثيقة المبادئ والسياسات العامة» بعد تكهنات استمرت سنوات بأن الحركة تعكف إما على تغيير ميثاقها الأصلي الذي أصدرته عام 1988، أو على صياغة وثيقة سياسية جديدة تعيد من خلالها الحركة تقديم نفسها وفكرها في ضوء خبرتها المتراكمة ونضج تجربتها. الوثيقة التي بين أيدينا تقدم مؤشراً مهماً على الشوط الذي قطعته حماس في مسيرتها السياسية إن لجهة الفكر والنظرية أو الممارسة العملية، وتعيد التأكيد على مواقف الحركة القديمة والثابتة إلى جانب طرح بعض المواقف الجديدة. ويحيلنا التأمل في توقيت إصدار هذه الوثيقة، إضافة إلى التدقيق في مضامينها المهمة وإمكانات تطبيقها، إلى اعتبار هذه الوثيقة بمثابة ميثاق جديد لحماس، ذاك أنها تفصّل رؤية الحركة للنضال ضد «المشروع الصهيوني» وإسرائيل، كما تحدد خطوط استراتيجيتها العامة في مواجهة ذلك المشروع

وفي ضوء هكذا جدة وتجدد لميثاق حماس تهدف هذه الدراسة إلى طرح تحليل يأمل بأن يكون دقيقاً وموضوعياً يتناول جوهر الوثيقة الجديدة ومضامينها ومحاولة تخطيها إشكاليات فكرية وسياسية ظلت تواجه حماس في السنوات الماضية، كما تتعرض الدراسة إلى ما قد يترتب على إصدار الوثيقة من فرص وأخطار محتملة. وسوف يُستهلّ النقاش هنا بتسليط الضوء على تلك الجوانب من الوثيقة التي يمكن اعتبارها مغايرة لما جاء في ميثاق حماس الأصلي الصادر في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، والتي تشير إلى تغيّر في خطاب الحركة، إن لجهة الصياغة أو المضمون. يلي ذلك تقديم تحليل سياقيّ يستكشف الدوافع الإقليمية، والدولية، والداخلية وراء إصدار هذه الوثيقة. وأخيراً، يُختم النقاش باختبار ما للوثيقة من نتائج محتملة على الحركة ذاتها، وكذلك على الفلسطينيين وعلى الصراع مع إسرائيل.

ابتداءً، ثمة ملاحظة أولية تخصّ النبرة واللغة العامة ومجمل الصياغة اللفظية للوثيقة. وهنا يمكن القول بأن لغة الوثيقة تتسم بصياغات مباشرة تغلب عليها الصياغات السياسية البراغماتية. وهذه اللغة تأتي على النقيض من لغة النصوص التأسيسة الأولى للحركة مثل ميثاق حماس الاول وغيره من الوثائق التي هيمنت عليها لغة خطابية دينية فضفاضة وتعبيرات طوباوية مربكة. تعبر وثيقة حماس الجديدة عن مواقف الحركة من القضايا الجوهرية للصراع العربي الإسرائيلي في ديباجة واثنتين وأربعين فقرة مرقمة ومصاغة بعناية ومن دون رطانة لغوية فائضة. وفيما تؤكد الوثيقة على التزام الحركة بمبادئها الأساسية، تبدي قسطاً وافراً من المرونة عبر ترك مساحات رمادية تمكن حماس من المناورة السياسية في المستقبل. لكن هذه المحاولة الحذرة من المقاربة والتسديد تتناقض، عملياً، مع ما تحاول الوثيقة والحركة تحقيقه في الوقت ذاته، من إرضاء توقعات واشتراطات متنافرة لاطراف عديدة من الفرقاء، وأهمهم: القاعدة الحركية الأساسية لحماس ودوائر مؤيديها الأوسع داخل فلسطين وخارجها، وحلفاؤها من الإسلاميين في المنطقة وخارجها (وتحديداً المنظمات المرتبطة بالإخوان المسلمين)، ثم الحكومات العربية وغير العربية في المنطقة (خاصة إيران وتركيا)، وأخيراً ساسة القرار الغربي والإسرائيلي. وليس من السهل بطبيعة الحال تدبيج وثيقة سياسية أو اجتراح خطاب سياسي يتمكن من إرضاء كافة هذه الاطراف مجتمعة. ولهذا، ما أن تمّ الإعلان عن الوثيقة حتى صدرت انتقادات بحقها من أطراف متنوعة تعددت بتعدد دوائر من تخاطبهم. كما تباينت حدة تلك الانتقادات بإختلاف الاطراف ومواقعها، فكان هناك الاستخفاف بالوثيقة وبحماس لجهة عدم طرح ما هو جديد، وكان هناك في المقابل الاتهام بالتنازل عن الكثير بلا مبرر ودونما مقابل. الرد الإسرائيلي الرسمي كان استعلائياً واحتقارياً للاثنتين، الوثيقة وحماس، واتصف بالجلافة خاصة مع تمزيق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نسخة من الوثيقة أمام الكاميرات التلفزيونية. المنظمات الإسلامية الشقيقة لحماس مثل الجهاد الإسلامي في فلسطين انتقدت الوثيقة بسبب ما رأته من اعادة انتاج للبرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي أدخل الفلسطينين في متاهة. أما الردود الأميركية والأوروبية فبدت باردة في العلن، وإن كانت في ما يبدو قد أولت الوثيقة اهتماماً شديداً «من خلف الستار»

مضامين جديدة

في الديباجة والمقدمة تطرح الوثيقة تعريفاً لافتاً يبتعد من التعريفات الدينية السابقة لفلسطين والتي درجت الحركة على اعتمادها. التعريف الجديد ينص على التالي: «فلسطين أرض الشعب الفلسطيني العربي، منها نبت، وعليها ثبت، ولها انتمى، وبها امتدّ واتّصل». تختلف هذه الصياغة اللفظية وإلى حد بعيد من نظيرتها في ميثاق عام 1988 والتي تصف فلسطين بـأنها «وقف إسلامي» وملك للأمة الإسلامية جمعاء. لكن في الوقت ذاته وبهدف المحافظة على قدر من «إسلامية» الخطاب ورطانته تشير الوثيقة الجديدة إلى البعد الإسلامي وإن كان مُخففاً من ناحية سياسية، وتؤكد بعبارات عامة على أن «فلسطين روح الأمة، وقضيتها المركزية، وروح الإنسانية، وضميرها الحي». على رغم ذلك، يظل زخم الديباجة متركزاً على فلسطين حصرياً، خلافاً لديباجة الميثاق الأول التي تحيل القضية إلى مواجهة كونية بين «قوى الحق والباطل» وتموقع الصراع ضمن إطار حرب أبدية بين المسلمين وغير المسلمين.

استتباعاً لذلك، وتحت العنوان الفرعي «أرض فلسطين» تحدد الوثيقة أرض فلسطين جغرافياً بأنها تلك الممتدة «من نهر الأردن شرقاً وإلى البحر المتوسط غرباً، ومن رأس الناقورة شمالاً إلى أم الرشراش جنوباً»، ثم يؤكد هذا الجزء من الوثيقة أن فلسطين «وحدة إقليمية لا تتجزّأ، وهي أرض الشعب الفلسطيني ووطنه»، ويتبع هذا التحديد الوطني الجغرافي الواضح، إشارة إسلامية عامة تنص على أن «فلسطيـــن أرض عربية إسلامية. وهي أرض مباركة مقدّسة، لها مكانتها الخـــاصة في قلب كل عربي ومسلم». ومن الملفت أيضاً أن الوثيقة تستعير من ميثاق منظمة التحرير (المُنقح) لعام 1968 تعريفاً محدداً لـ «شعب فلسطين» ينص على ما يلي: «الفلسطينيون هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون في فلسطين حتّى سنة 1947، سـواء من أخرج منها أم بقــــــي فيها، وكل مَنْ ولد مـــن أب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ، داخل فلسطين أو خارجها، هو فلسطيني. ... الشخصية الفلسطينية صفة أصيلة، لازمة، لا تزول، وهي تنتـــقل من الآباء إلى الأبناء». تقـــدم هذه الاستعارة الواضحـــة والواعية من الميثاق الفلــسطيني رسالــــة مهمة ومثيرة من قبل حماس، وتدلل على تواصل منحـــنى «الفلسطنة» داخل فكر ومنظور وسياسة الحركة علـــى حساب «الأسلمة» التي عُرفت بها الحركة.

وعلى المنوال «الفلسطيني» ذاته يأتي توصيف حماس لنفسها تحت الجزء المعنون بـ «الحركة» المُصاغ بلغة شديدة البعد عما يقابلها في ميثاق عام 1988. فالوثيقة هنا، وخلال استعراض الغرض من وجود حماس، تشدد على أهمية الأبعاد الوطنية والمقاومية أكثر بكثير من الأبعاد الدينية والوحدة الإسلامية وسوى ذلك، أو ارتباطها بحركة «الإخوان المسلمين» وإعلان نفسها ذراعاً لتلك الحركة في فلسطين. فهنا تعرف الحركة ذاتها كما يلي: «حركة المقاومة الإسلامية «حماس» هي حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينيَّة إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، مرجعيَّتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها». وتأتي الصفة الفلسطينية الوطنية في هذا التعريف سابقة للصفة الاسلامية الدينية، وهو ترتيب لا يمكن النظر له بعفوية ولم يأخذ هذا الشكل بطريقة اعتباطية

(1) مقدمة دراسة نُشرت حديثا تحت عنوان A Newer Hamas? : The Revised Charter

في مجلة Journal of Palestine Studies، واشنطن، العدد الحالي صيف2017، الذي صدر في شهر تشرين الثاني (نوفمبر)2017.

ومن المهم التنويه إلى أنها قد كُتبت قبل تطورات المصالحة الفلسطينية بين حركة «فتح» وسلطتها في الضفة الغربية وحماس وسلطتها في قطاع غزة في شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.