نحو توسيع القاعدة الجماهيرية للمقاومة الشعبية

e-mail icon
نحو توسيع القاعدة الجماهيرية للمقاومة الشعبية
محمد أبو لبدة
مقالات
-
الأربعاء, 24 شباط (فبراير), 2016

منذ احتلال اسرائيل لبقية الارض الفلسطينية عام ٦٧ وشعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع بما فيها القدس الشرقية يمارس المقاومة الشعبية ضد اجراءات وممارسات هذا الاحتلال الى جانب الكفاح المسلح الذي كانت تخوضه الفصائل الفلسطينية في الخارج. وأيضاً في داخل الارض المحتلة عام ٦٧، ولكن لفترة قصيرة بسبب بطش الاحتلال وممارساته القمعية وطبيعة المنطقة التي لا تساعد كثيراً في خوض الكفاح المسلح.

والمقاومة الشعبية السلمية هي شكل من اشكال النضال التي تستهدف مشاغلة الاحتلال وإرباكه وتعطيل تنفيذ مشاريعه خاصة الاستيطانية والتهويدية، وقد لجأت اليها عدة شعوب في العالم وحققت انجازات على طريق تحررها واستقلالها كالهند وجنوب افريقيا.

وقد برز اسلوب المقاومة الشعبية في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام ٦٧، ابان الانتفاضة الاولى التي انطلقت عام ١٩٨٧م وعمت جميع ارجاء الضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس والتي اطلق عليها في حينه انتفاضة الحجر لأنه كان الوسيلة الرئيسية التي استخدم فيها ضد جنود الاحتلال الاسرائيلي.

وقد ادى هذا الاسلوب او الشكل من النضال الى اوسع عملية تضامن عربي ودولي مع شعبنا وكشف للعالم اجمع حقيقة الاحتلال الاسرائيلي الاستيطاني الإجلائي العسكري، خاصة عندما استخدم امام مرأى ومسمع العالم سياسة تكسير العظام ضد الاطفال والفتية الذين شاركوا في هذا الشكل النضالي وامتد ليشمل كافة ابناء شعبنا في الضفة والقطاع والقدس من كافة الفئات العمرية من سن عشر سنوات الى ٦٠ عاماً وأكثر. وكان ايضاً للنساء دور هام ومشاركة فاعلة في هذه الانتفاضة التي رفعت شعار «نحو الحرية والاستقلال الناجزين».

وقد حققت الانتفاضة في حينه الكثير من الإنجازات التي اضيفت لرصيد شعبنا في نضاله للتخلص من الاحتلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، الا ان الاستثمار المتعجل من قبل بعض فصائل العمل الوطني لهذه الانتفاضة ادى الى تراجعها ومن ثم الى وصولها الى نهايتها بسبب اتفاقات اوسلو التي لم تلب الحد الادنى من تطلعات شعبنا الوطنية ولا حتى الجزء اليسير من انتفاضة الحجارة.

وقد عاد هذا الشكل النضالي للبروز من جديد في اعقاب وصول مفاوضات السلام بين السلطة الوطنية الفلسطينية واسرائيل الى طريق مسدود في ضوء رفض اسرائيل للسلام ومواصلة سياساتها في الاستيطان ومصادرة الاراضي والمس بالمسجد الاقصى بصورة خاصة والاماكن المقدسة الاخرى بصورة عامة بما فيها الاماكن المقدسة المسيحية، والتنكر حتى لاتفاقات اوسلو التي هي في مجملها لصالح اسرائيل.

وقد بدأت العودة لهذا الشكل النضالي منذ حوالي احد عشر عاماً، عندما انطلق في بلدة بلعين قضاء رام الله والبيرة من خلال التظاهرات الاسبوعية والتي حددت كل يوم جمعة من كل اسبوع لمواجهة مصادرة أراضي البلدة لصالح المستوطنين والمستوطنات وإقامة الجدار العنصري العازل وتحويل الضفة الى معازل كما كان الامر في جنوب افريقيا ابان الحكم العنصري البائد.

وقد احيت بلدة بلعين يوم الجمعة الماضي الذكرى الحادية عشرة لهذا الشكل النضالي، والذي يعتمد بالاساس على التظاهرات الاحتجاجية والاشتباك مع القوات الاسرائيلية الاحتلالية مستخدمين الحجارة، في حين تستخدم قوات الاحتلال الرصاص الحي والمطاطي والقنابل الغازية السامة.

وأدى بطش الاحتلال وقمعه لها الشكل النضالي الى استشهاد العديد من الشباب والنساء وإصابة المئات من ابناء البلدة، الذين يواصلون حتى اللحظة استخدام هذا الاسلوب او الشكل النضالي والذي ادى الى تعاطف دولي واسع مع قضية شعبنا ومشاركة متضامنين اجانب وكذلك اسرائيليين مناهضين للاحتلال في هذه التظاهرات الاسبوعية.

وقد امتد هذا الشكل النضالي السلمي ليشمل عدة بلدات وقرى فلسطينية كبلدات نعلين وقرى المعصرة وكفر قدوم والنبي صالح وغيرها والمتواصل منذ سنوات في هذه البلدات والقرى والذي هو الشكل النضالي البارز في هذه الايام جراء عدة اسباب ونظراً للظروف التي تمر بها قضية شعبنا سواء على الصعيد الداخلي او الخارجي.

واليوم، وفي ضوء التعنت الاسرائيلي ورفض الحكومة اليمينية الاسرائيلية بل والأكثر يمينية في اسرائيل بقيادة بنيامين نتانياهو، واستبعاد السلطة الوطنية الفلسطينية لأسلوب الكفاح المسلح او تمويل هذا الشكل النضالي المسلح، وكذلك في ضوء الهدنة على الحدود بين قطاع غزة واسرائيل، ونظراً للاوضاع العربية حيث الاقتتال الداخلي ومحاربة التنظيمات الارهابية وانشغال العالم بمواجهة الارهاب والهجرة من مناطق القتال العربية لاوروبا، وكذلك في ضوء تقاعس الفصائل والقوى الفلسطينية عن دعم الانتفاضة الراهنة والتي مضى عليها حوالي خمسة اشهر والاكتفاء بإصدار بيانات الشجب والاستنكار لممارسات قوات الاحتلال والسياسة الاسرائيلية القمعية، في ضوء ذلك فإن المقاومة الشعبية السلمية باتت ضرورية كشكل من اشكال النضال يتلاءم مع طبيعة المرحلة التي تمر بها قضية شعبنا ولمواصلة التصدي لإجراءات وممارسات وانتهاكات الاحتلال ولسياسات الحكومة اليمينية الاسرائيلية.

على ان هذا الشكل النضالي الذي يتلاءم مع المرحلة الراهنة لا يعني التخلي عن اشكال النضال الاخرى بما فيها الانتفاضة الشبابية وضرورة احتضانها ودعمها وإيجاد قيادة لها كما حصل في الانتفاضة الاولى انتفاضة الحجارة خاصة وأن الانتفاضة الحالية اعادت للقضية الفلسطينية اعتبارها بعد ان فقدت الاولوية على سلم قضايا العالم.

والمقاومة الشعبية السلمية شكل نضالي يلائم طبيعة المرحلة ويحتاج الى الكثير من المتطلبات لكي يؤدي الى نتائج ملموسة على طريق نضالات شعبنا من اجل الحرية والاستقلال الناجزين وإفشال مخططات الاحتلال في الضم والتوسع واستغلال الاوضاع الاقليمية والدولية لصالحه ودعم الولايات المتحدة لسياساته القمعية ضد شعبنا ومحاولاتها ادارة الصراع وليس حله، لكي يتسنى لإسرائيل تنفيذ مخططاتها الاستيطانية والاجلائية في الضفة الغربية وخاصة في منطقة القدس والاغوار وتحديداً منطقة «سي» التي تشكل ٦٠٪ من اراضي الضفة الغربية المحتلة.

فالمقاومة الشعبية هي إشراك اوسع قطاعات شعبنا في التصدي اليومي والمباشر لإجراءات وممارسات الاحتلال القمعية. وهذا يعني العمل على توسيع هذا الشكل النضالي ليشمل كافة المدن والبلدات والقرى والمخيمات عدم اقتصاره فقط على بلعين ونعلين والنبي صالح وكفر قدوم والمعصرة.... الخ.

كما يتطلب حث كافة جماهير شعبنا على المشاركة في هذا الشكل النضالي كما كان عليه الأمر في الانتفاضة الاولى انتفاضة الحجارة، حيث شاركت فيها كافة مكونات شعبنا وكذلك فصائل وقوى العمل الوطني الامر الذي اجبر الاحتلال على الاعتراف بالعديد من حقوق شعبنا الوطنية، وإبراز وجهه القبيح امام العالم قاطبة وعدالة نضال شعبنا من اجل التحرر من الاحتلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف على حدود عام ٦٧م.

ويتطلب ايضاً مشاركة كافة فصائل العمل الوطني والاسلامي في هذا الشكل النضالي ودفعه الى الامام وتأطير هذا الجهد الشعبي لكي يحقق اهدافه ويفشل اهداف الاحتلال الذي يعمل ما بوسعه لاستغلال الاوضاع العربية والعالمية الراهنة لصالحه.

وعلى السلطة الوطنية فتح المجال امام الجماهير لممارسة هذا الشكل النضالي وعدم منعها من الوصول لنقاط التماس مع الاحتلال الاسرائيلي تحت ذرائع مختلفة وهي الحفاظ على ارواح الشبان، فالنضال السلمي له استحقاقات وعلى شعبنا الذي قدم الشهداء والجرحى تقديم هذه الاستحقاقات على طريق حريته واستقلاله.

والمقاومة الشعبية السلمية تعني اخذ شعبنا لزمام المبادرة واحتضان قضيته في ضوء تقاعس القوى والفصائل، بل في ضوء شيخوختها، وعدم اعطاء الفرصة للشباب لقيادة المرحلة، خوفاً على مصالح هذه القوى والامتيازات التي حققتها على حساب شعبنا وقضيته العادلة.

كما ان المقاومة الشعبية السلمية لا تقتصر على التظاهرات التي يجب ان تتحول الى يوميه، بل ايضاً على ابتكار اساليب نضالية اخرى كإقامة القرى في المناطق المستهدفة بالاستيطان كما حصل عندما تمت اقامة قرية باب الشمس في منطقة القدس وكذلك قرية باب الكرامة قرب قرية بيت اكسا.

ومن المؤكد ان المقاومة الشعبية السلمية ستؤدي في ضوء استمرار الانقسام الفلسطيني السياسي والجغرافي، الى وحدة ميدانية في مواجهة الاحتلال وسياساته وإجراءاته القمعية وستقود لاحقاً الى وحدة سياسية وجغرافية في مواجهة الغطرسة الاسرائيلية.

وهنا لا بد من الاشارة الى ان حملة المقاطعة للمنتجات الاسرائيلية التي تقودها لجان المقاطعة تصب هي الاخرى في اطار المقاومة الشعبية وكذلك الامر لحملة المقاطعة على مستوى العالم سواء على الصعيد الاقتصادي او الاكاديمي او غيرها والتي حققت في العام الماضي انجازات كبيرة.

ان المطلوب هو توسيع القاعدة الشعبية لهذا الشكل النضالي وجعله اسلوب حياة يومي يشمل المواجهات والتظاهرات والاعتصامات والاضرابات الجزئية وصولاً الى العصيان المدني كما حصل في الانتفاضة الاولى، فالعصيان المدني الذي قادته مدينة بيت ساحور في ذلك الوقت ادى الى تحقيق منجزات وتضامن دولي واسع مع شعبنا.

انه بدون ذلك فإن الاحتلال سيواصل تنفيذ مخططاته في الاستيطان ومصادرة الاراضي والتهويد...الخ من ممارسات وإجراءات دون حسيب او رقيب ليصبح معها النضال اكثر صعوبة والتضحيات مضاعفة، فلتؤدي كل الاطراف والفئات دورها وعدم اقتصار النضال السلمي على فئات محدودة وعلى مناطق دون اخرى وليتم دعم الانتفاضة وتبنيها واحتضانها ولتخرج الفصائل والقوى من القوالب الجامدة التي وضعت نفسها بها ولتجدد قياداتها المتكلسة ولتعطي هامشا للشباب والجماهير للمشاركة في النضال والقرارات السياسية التي تهمها وتهم القضية الفلسطينية، لكي تواجه السياسات الاسرائيلية القمعية ونحقق اهدافنا الوطنية.

فليعمل الجميع نحو تطوير وتوسيع المقاومة الشعبية السلمية والاستفادة من تجارب الشعوب التي خاضتها وحققت الانتصار، رغم ان ظروفنا تختلف عن ظروفهم والتي يجب اخذها بعين الاعتبار.