نحو مفهوم اخر للانتخابات: أن يفوز الوطن قبل الحزب !!

e-mail icon
نحو مفهوم اخر للانتخابات: أن يفوز الوطن قبل الحزب !!
غازي حمد
مقالات
-
الأحد, 24 تموز (يوليو), 2016

دعونا- اولا-نرسخ القاعدة الذهبية : "في حالتنا الفلسطينية الاستثنائية يجب ان يقدم فوز الوطن/الجمهور على فوز الفصيل او الحزب ",لان المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة ,كما يقول أهل الاصول .

السؤال: ما معنى هذا وكيف يمكن ان يتحقق؟

صحيح ان التقليد الانتخابي يفضي الى فوز قوائم ومرشحين, لكن هذا ليس بالضرورة ضمانة لتغيير الواقع نحو الافضل ,خاصة في حالتنا التي تعاني من ثلاثية الكارثة :الاحتلال والانقسام والحصار .

من هنا تنبع الحاجة الى اعادة صياغة مفهوم مختلف للانتخابات, بعيدة عن التفكير والسلوك التقليدي القائم على استعراض/فرز موازين القوة ..بعيدة عن المناكفات.. بعيدة عن (عقدة الفوز) التي علقت في رقابنا وعقولنا . 

هذه المعادلة الرياضية ينبغي تفكيكها حتى نزيل العصابة عن عيون من اعتقدوا ان الانتخابات البلدية او التشريعية هي محل فصل وحسم ونصر ...لذا ينبغي ان تشد الرحال اليها !!

ما هكذا تورد الابل يا قوم !!

نحن بقينا على هذه التقاليد الخاطئة حتى أوصلتنا الى الازمات المستحكمة والطرق المسدودة والفشل الوطني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي ...

يوم اعتقدنا ان (معركة النصر) هي ان تفوز حماس على فتح او فتح على حماس ..

يوم أغرينا بتحشيد الحشود وسن الماكنات الاعلامية من أجل نصر ذاتنا وهزيمة الطرف الاخر في برلمان او بلدية أو جامعة او نقابة , فيما الوطن يستلب والمستوطنات تكبر ,والجدار يمتد , والاراضي تصادر ,والقدس تتفلت من بين ايدينا !!

يوم اعتقدنا ان الانتخابات هي عملية "فرز" سياسي بين الابيض والاسود ..

يوم اقنعنا أنفسنا ان الانتخابات  هي الوسيلة المثلى لتحقيق طموحاتنا الوطنية وبناء دولتنا , ونسينا – او تناسينا – ان وجود سلطة تحت الاحتلال كانت من الاخطاء الاستراتيجية الجسيمة التي لم نستطع ابتلاعها لليوم. 

ان حالتنا الفلسطينية المختلفة تتطلب منا نظرة مختلفة للانتخابات من حيث مقدماتها ونتائجها , فنحن لسنا في دولة مستقرة , مفتوحة لها الابواب ,موفرة لها الامكانيات والمقدرات .

لذا أقول لقاصري النظر :ليست المسألة أن نفرح غدا بفوز قائمة أو نحزن لخسارة أخرى.

 المسألة أبعد من ذلك وأعمق بكثير ..

المسألة : ماذا سنقدم قبل وبعد الانتخابات من اعلاء قيمة تحرير الوطن ..من توحيد الصف وانهاء الانقسام اللعين الذي حول حياتنا الى كدر.. من تحرير المواطن من حالة اليأس والاحباط ..من تعزيز ثقافة الديمقراطية والمشاركة وشفافية النظام السياسي وتمتين قدرته على تحقيق حياة كريمة للمواطن... من تمتع المواطن بمياه تتدفق في "حنفية " بيته ..أن يرى شوارع نظيفة ,معبدة , فارغة من حالة الفوضى وسرقة الارصفة..ان يخلص من مشاكل الصرف الصحي ....الخ من الخدمات الحيوية والمطالب الضرورية للمواطن .

لا يفهم احد انني ضد اجراء الانتخابات .لا . انني من أشد مؤيديها ومناصريها, لكن اقول ان الانتخابات اذا كانت مجردة من المفاهيم الوطنية الحقيقية التي تصب في مجرى التحرير.. في مسلك الوحدة والشراكة..في طريق التحسين والتطوير وخدمة المواطن, فإنها تبقى فارغة المضمون لا معنى لها .

ذلك أننا نعيش أوضاعا تتطلب وضع كل الحراكات من انتخابات وغيرها في سياق وطني, يتم فيه تغليب مرحلة التحرر على مرحلة (ترف الانتخابات) ,وثقافة التوافق على حدية الحسم الانتخابي .

حتى لو كانت الانتخابات حزبية او فصائلية –وهذا خيار قائم- فانه يجب الا ينسلخ عن المفاهيم والقيم الوطنية .

لا نريد ان نصفق للانتخابات ولا ان نهلل لنتائجها ثم نصدم بأن واقعنا على حاله من التشرذم والانقسام وسوء الاحوال المعيشية , ومن ثم نعود الى قافية المراثي من جديد , ذلك ان امام البلديات الكثير من العوائق اهمها غياب الحكومة عن قطاع غزة .

لذا نحتاج الى ان تشكل الانتخابات لنا (بروفة) على قدرتنا على لملمة صفنا الوطني وتضميد جراحه واعطاء شعبنا املا – بعد سنوات الانقسام القاسية –في تجسيد ديمقراطية بمفهومها الحقيقي وتقبل نتائجها .

سمعت كلاما جميلا من قادة حماس ..كلاما مختلفا هذه المرة : (تعالوا بنا الى ائتلافات وطنية). كلام رائع يدل على ارتفاع مستوى الوعي الوطني والتعالي عن المنافسات الحزبية والصراعات البرامجية ...كلام يدل على اعادة تصويب البوصلة في اتجاهها الصحيح.

ان الذين يريدون ان يحولوا الانتخابات البلدية الى معركة فرز سياسي انما يعمقون خطأ المسار ويزيدون شعبنا عنتا ورهقا.

 لسنا امام معركة فاصلة في (حطين) او (عين جالوت) حتى نجهز العدة ونسن السكاكين !!

نحن في غنى ان نرهق الجمهور بحملات اعلامية حامية, مستنفرة , شادة للاعصاب, او خطابات عاطفية تشوش الوعي الوطني وتدخله في حيرة الاختيار..

نريد انتخابات  تعكس سلوكنا الحضاري في النهج التوافقي , في الاختيار النوعي ,في التنافس الشريف, في تقبل النتائج مهما كانت برضى ..

نريد قوائم تعكس الكل الوطني – ان امكن –, وتحمل برامج واقعية –غير جامحة ولا خيالية -..

نريد أن نطمئن جمهورنا الجريح المتعب على ان نتائج الانتخابات ستكون لصالحه أولا قبل صالح الحزب او الفصيل  .. نريد ان نقول له بوضوح :(من اجلك سنختار الاكفاء وذوي الاهلية القادرين على صناعة حياة جديدة..من اجلك سنتجاوز عن (الحسبة ) الحزبية والسياسية..من اجلك سنقدم تنازلات ونلتقي مع الاخرين في خط الوسط) .

هكذا يمكن أن نصنع انتخابات ناجحة .مثمرة, يفوز فيها الوطن ولا تخسر فيها الاحزاب .

يحلو للبعض,في حمأة الاستعداد والتحضير, ان يعتبر كلامي هذا مثاليا طوباويا غير قابل للتطبيق لكن اعتقد ان تجربتنا الطويلة في ممارسة الحكم واداء البلديات تملي علينا تفكيرا مختلفا .

خلاصة : فقط نريد من الانتخابات شيئين اثنين لا ثالث لهما : عكس صورتنا الوطنية الجماعية الجميلة في ترسيخ مفاهيم  التوافق والعمل الديمقراطي , وثانيا :منح الوطن والمواطن ثقة وقوة تقنعه بجدية توجهاتنا لتحرير الوطن والانسان .

نحن أمام امتحان ,يكرم الوطن فيه أو يهان !!