هل يحسن الفلسطينيون إدارة هذه الجولة من الصراع؟

e-mail icon
هل يحسن الفلسطينيون إدارة هذه الجولة من الصراع؟
حسن نافعة
-
الأحد, 17 آب (اغسطس), 2014

أزعم أن الفلسطينيين يملكون أهم الأوراق التي تمكنهم من تحقيق إنجازات مهمة في الجولة الحالية من صراعهم الأبدي مع إسرائيل، شرط أن يحسنوا استخدام ما بأيديهم من أوراق. ولن يكون مطلوباً من الفلسطينيين هذه المرة سوى الحرص على تنحية خلافاتهم الشخصية والفصائلية جانباً في مرحلة مفصلية من مراحل تطور القضية الفلسطينية، ووضع مصلحة شعبهم وقضيتهم الوطنية الجامعة فوق كل اعتبار، وبات عليهم ألا يستمعوا من الآن فصاعداً إلى أي نصائح يتم التطوع بها أو طلبات تقدم من أي أطراف إقليمية أو دولية، بما فيها من أقرب من يعتقدون أنهم حلفاء لهم، إلا إذا كانت هذه النصائح أو المطالب تصب فعلاً في اتجاه تحقيق الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني، بصرف النظر عن المصلحة الآنية لهذا الفصيل أو ذاك. وأظن أنه آن الأوان كي يدرك الجميع أن إسرائيل لم تكن في حاجة إلى من يحرضها على شن عدوانها الحالي على قطاع غزة، مثلما لم تكن في حاجة إلى من يحرضها على شن العدوان في كل مرة. فهذه الدولة الصهيونية، والتي لا تشبه أي دولة أخرى في العالم، لن تنقاد لنصائح أو لمطالب أي طرف إقليمي أو دولي، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها، ما لم تكن على يقين تام من أنها تصب في مصلحتها أولاً وأخيراً وأن القبول بها يشكل الخيار الوحيد المتاح أمامها.

لقد شنت إسرائيل عدوانها الحالي على غزة لتحقيق هدف أساسي وهو إجهاض اتفاق المصالحة الذي تم التوصل إليه أخيراً بين حركتي «فتح» و»حماس». فقد أدركت إسرائيل أن هذا الاتفاق فرضه أمران: فشل مفاوضات التسوية من ناحية، وتطور الأوضاع السياسية على الساحة المصرية من ناحية أخرى. ففشل مفاوضات التسوية دفع «فتح» لإدراك حقيقية تبدو بديهية، وهي أن التفاوض من دون خيار بديل بالقدرة على العودة لحمل السلاح يمنح إسرائيل فرصة ذهبية للتظاهر أمام العالم بأنها جادة في البحث عن تسوية سلمية ويتيح لها في الوقت نفسه القدرة على إملاء شروطها كاملة من دون تقديم أي تنازلات. لذا لم يكن أمام «فتح»، بعد انهيار رهانها على التوصل إلى تسوية سياسية مع إسرائيل، سوى إعادة إدخال عنصر المقاومة طرفاً في معادلة الصراع، وهو أمر لم يكن بالإمكان تحقيقه إلا بتسوية خلافاتها مع «حماس».

على صعيد آخر، تكفلت تطورات الأوضاع على الساحة السياسية المصرية بدفع «حماس» لإدراك حجم المخاطر التي قد تترتب مستقبلاً على وجود نظام حكم في مصر يتعامل معها كامتداد تنظيمي لجماعة «إرهابية»، وليس كفصيل فلسطيني مقاوم. لذا لم يكن أمام «حماس»، عقب سقوط حكم جماعة «الإخوان»، سوى البحث عن غطاء سياسي يجنبها احتمالات الدخول في صراع مكشوف أو في صدام مباشر مع النظام الحاكم في مصر، وهو أمر يصعب تحقيقه من دون التوصل إلى تسوية مقبولة لخلافاتها مع «فتح» والقبول بتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية. ولأنه استحال على حكومة نتانياهو، اليمينية المتطرفة، أن تتغاضى عن وجود حكومة وحدة وطنية فلسطينية، تشكل المقاومة المسلحة عمودها الفقري وتتيح لـ «حماس» غطاء سياسياً يجنبها احتمالات تصعيد الصراع مع النظام الحاكم في مصر، فقد بات شن الحرب على قطاع غزة أمراً حتمياً.

لقد بنى نتانياهو حساباته على أساس أن الطريق بات مفتوحاً أمامه لتصفية «حماس» عسكرياً وإضعاف قبضتها السياسية على القطاع هذه المرة، اعتقاداً منه أن كلاً من السلطة الفلسطينية والنظام الحاكم في مصر سيرحبان بذلك ويشجعانه، وبالتالي سيتعاونان لمنح إسرائيل كل ما تحتاجه من وقت لإنجاز هذه المهمة، مما سيمكنه من تحقيق هدفين رئيسيين، الأول: تمكين سلطة الرئيس محمود عباس من الهيمنة المنفردة على قطاع غزة، ولكن بعد القضاء على المقاومة المسلحة، مما سيجعلها لقمة سائغة في فم إسرائيل، والثاني: فك ارتباط مصر نهائياً بالقضية الفلسطينية، ولكن عقب إظهار نظامها الحاكم بمظهر المتواطئ مع إسرائيل للقضاء على «عدوهما المشترك حماس». غير أن الرياح لم تأت بما تشتهي سفن نتانياهو الذي فشل في تحقيق أي من الأهداف التي سعى إليها.

فقد عجز الجيش الإسرائيلي عن اقتحام غزة بعد أن ألحقت به المقاومة المسلحة خسائر لم يشهد لها مثيلاً في أي من حروبه السابقة، ورد الجيش الجبان بقصف المدنيين، مرتكباً مجازر شكلت جرائم بشعة ضد الإنسانية، فانكشفت همجية إسرائيل وظهرت صورتها الحقيقية عارية أمام العالم، ولم يرتعد الشعب الفلسطيني الذي أعلن في غزة التفافه حول المقاومة المسلحة، باعتبارها حصنه وملاذه الأخير في الدفاع عن أرضه والتمسك بها، ثم انتفض ليس فقط في الضفة ولكن أيضاً في الأرض المحتلة قبل 1948. هكذا قطع الشعب الفلسطيني الطريق على إسرائيل، وصمدت حكومة الوحدة الوطنية، مما اضطر الدولة المعتدية للذهاب إلى القاهرة للتفاوض مع حكومة الوحدة الفلسطينية برعاية النظام الحاكم في مصر!

لقد حاول كثيرون خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية استدراج «حماس» وبقية فصائل المقاومة المسلحة إلى معركة جانبية مع النظام الحاكم في مصر، غير أن محاولاتهم، لحسن الحظ، باءت بالفشل. وعلى رغم أنني كنت أتمنى أن يقدم النظام الحاكم في مصر على اتخاذ موقف مختلف من الأزمة، بالتنديد بوضوح بما ترتكبه إسرائيل من جرائم وبتقديم مزيد من الدعم المادي والسياسي للشعب الفلسطيني المنكوب، وأن يكون أكثر صلابة وجرأة في التعامل مع إسرائيل، إلا أن ثقتي لم تكن كبيرة في قوى إقليمية، عربية وغير عربية، حاولت إظهار نفسها بمظهر المدافع عن القضية الفلسطينية وإظهار النظام المصري بمظهر الطرف المعادي للشعب الفلسطيني والمتسبب الرئيسي في عدم التوصل إلى اتفاق لوقف لإطلاق النار. صحيح أن العلاقة المتوترة بين «حماس» والنظام المصري ربما تكون أثرت على موقف الأخير وعلى الحسابات التي استند إليها في تحديد موقفه من الأزمة، غير أنني كنت أتعجب من هؤلاء الذين يظهرون استعداداً لتصديق أن دولة عضواً في حلف شمال الأطلسي وأخرى تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الخارج على أراضيها يمكن أن يكونا أكثر دعماً وتأييداً من مصر في قضية تعد جزءاً لا يتجزأ من أمنها الوطني. لقد نسي هؤلاء أن المسألة برمتها ليست سوى محاولة للصيد في مياه عكرة وأن هاتين الدولتين، وبصرف النظر عن تقييمنا لحقيقة الدور المصري في هذه الأزمة، لم تلعبا أي دور إيجابي للتأثير على مسار الأحداث على نحو يفيد قضية الشعب الفلسطيني.

نجحت المقاومة الفلسطينية حتى الآن، لحسن الحظ، في المحافظة على وحدتها الميدانية على أرض المعركة، كما نجحت الفصائل الفلسطينية في المحافظة على الحد الأدنى من تماسكها السياسي لإدارة مفاوضات صعبة مع الإسرائيليين. وفي تقديري أن هذه الوحدة إن استمرت ستساعد على خروج الشعب الفلسطيني منتصراً، وسيتمكن ليس فقط من رفع الحصار المضروب على قطاع غزة ولكن أيضاً من إجبار إسرائيل على إدراك حقيقة تعامت عنها أو حاولت التعمية عليها دائماً، وهي أن الاحتلال هو أصل المشكلة وأنه لا سلام من دون إنهاء الاحتلال.

من مصلحة «حماس» وبقية الفصائل الفلسطينية المسلحة أن تتراجع خطوة على صعيد العمل السياسي، بترك السلطة الفلسطينية تتقدم عليها، ومن مصلحة السلطة أن تتراجع خطوة على صعيد العمل المقاوم، بترك «حماس» وبقية الفصائل الفلسطينية المسلحة تتقدم عليها، بشرط سد فجوة الثقة القائمة بينهما حول الاستراتيجية التي يتعين اتباعها. فحين تكون السلطة واجهة سياسية مقبولة عالمياً لمقاومة مسلحة فعالة على أرض المعركة، يصبح بمقدورها أن تحقق للشعب الذي تدعي تمثيله مكاسب أكبر بكثير مما يمكن أن تحققه حين تفاوض وظهرها للعراء. بل إن وجود سلطة سياسية موحدة تشكل المقاومة المسلحة عمودها الفقري سيجبر العالمين العربي والإسلامي على توحيد موقفيهما وراءها وسيسد كل الثغرات أمام كل الراغبين في تصفية القضية الفلسطينية بالتخفي وراء انقسام الفصائل.

* نقلًا عن جريدة "الحياة"