وداعا أم الفلسطينيّن ( أم ناصر)

e-mail icon
وداعا أم الفلسطينيّن ( أم ناصر)
غانية ملحيس
مقالات
-
الثلاثاء, 17 آيار (مايو), 2016

أم ناصر " نجلاء ياسين "  أخت  وأم  وجدّة   لثلاثة  أجيال  فلسطينيّة  متتابعة  عرفوها   فأحبّوها ،  لم  تحْظ  بنعمة  الإنْجاب  فعوّضها  الله  بآلاف الأبناء  والأحفاد الذين حرصوا  على  السّؤال  عنها  والتّواصل  معها على مدى أكثر من أربعة عقود ، ولم يَخْل  بيتها  يَوْماً  من  باحثٍ  عن  حُنُوِّ أمومتها  الفائضة .

التقيتها  ببيروت  في  أولى سنوات  دراستي  الجامعية  في  مطلع سبعينيّات  القرن الماضي  .  كنت  حديثة  الخروج  من  مدينتي  نابلس  الواقعة   للتّوّ   تحت  الاحتلال الإسرائيلي ، وجَرْحٌ  غائر في  داخلي  من  أمّتي  العربيّة  التي  عَشَّمت  أبناء  جيلي بتحرير وطنهم  السّليب ، فإذا بالاحتلال  ذاته  يفتك  بأجزائه التي بقيت خارج الاحتلال عام 1948  مع أراضٍ عربيّة أخرى بضعفي مساحة فلسطين  .

 

كانت أم  ناصِر  من  بين  مجموعَةِ عربيّة أوسع  من  مصريين  وسوريين  ولبنانيين وعراقيين  وأردنيين  وخليجيّين  التحقوا  بالثّورة  الفلسطينيّة  الفتيّة  ، ورؤوا  في  ذلك  تجسيداً عمليّاً   لعروبةٍ   لا تكتمل  إلا  بتحرير  فلسطين .

 

امرأة  سوريّة  في  مُقْتَبل  العُمر  ،  تضجّ  بالحياة  وتُشِعّ  أنوثة  وحيويّة  وحماسة  للعروبة  وفلسطين  ،  تَمَرَّدت  على  الهزيمة  ،  دعم  زوجها الفلسطينيّ   قرارها  بالمُشاركة  في  دعم  الحركة الثَّوْرِيّة  الناشئة  في الأردن .  أدركت مُبَكِّراً أهمِّيّة  إحياء التّراث الفلسطيني  والحِفاظ  عليه  في الشّتات ، فأسّست  فرقة  للفنون  الشّعبيّة الفلسطينيّة  واهتمَّت بفنّ  الدّبكة ، خُصوصا ، وقدَّمت العُروض  في  الاحتفالات والفعاليات التي  ترمي لدعم الثّورة   وجَمْع  التبرّعات  .

وعندما  واجهت الثورة محنة  الاقتتال  في  الأردن  وآن  موعِد  الرّحيل ، اختارت أم ناصِر  الثّورة  وآثرت الانتقال  مع  الثّوارِ  إلى  لبنان ،  ورُبّما  أمِلَتْ  حينذاك ، مثل  نساءٍ  ثائراتٍ  غيرها  ،  من  أزواجِهنّ  المُحِبّين  اللحاق  بهن  ، ولم يدرين  أنّ  العقليّة الشّرقِيّة  مهما  تَعاطفت  لا تَدْفَعُ  بِرَجُلٍ  للحاق  بزوجته  إلا  ما   ندَر .

 

 لكِنّ  ، ذلك ، وإن آلمها  سنيناً ،  كما أسَرَّت  بذلك  مراراً  ،  لم يَدفعها   للتّراجع   عن قرارها  ،  فبقيت  في لبنان  ، وعملت  مع  زميلاتها  في  التَّنظيم النسائي  لحركة  فتح  ،  وفي  تمثيل الحركة  نقابيا  في  الاتِّحاد العام  للمرأة  الفلسطينيّة ، وأسهمت عبرهما ، أيضاً،  في  تأسيس  جمعيّة معامل  أبناء وأسر  شهداء وجرحى  فلسطين

 " صامد " ، لاستيعابهم  للعمل  المنتج  من جهة ، ولتوفير  بعض  المُنْتجات  البسيطة التي  تسدّ  احتياجاتهم واحتياجات سكّان المُخيّمات الفلسطينيّة  من جهةٍ أخرى .  

 

وعِنْدَما فرَض نموّ الثّورة  وتشَعُّب علاقاتِها  اللبنانيّة  والدّوليّة  فتح  مكتبٍ  لرئيس اللجنة التَّنفيذيّة لِمُنَظَّمة التَّحرير الفلسطينيّة  في لبنان ،  اختارها الرئيس عرفات   لإدارة مكتبه  والاضطلاع بمهمة  العلاقات العامّة  ، دون أن تتخلى عن مواقعها التّنظيميّة والنِّقابيّة .

 

وبحلاوة  لسانها  السّورِيّ  ولباقتها  ،  وديبلوماسِيّتها ، ودماثتها  ، وأناقتها ، وخفّة ظِلِّها ، وابتسامتها  المُختلطة  أحيانا  بالدُّموع ، والتي  لم  تفارقها  أبداً  في  الشّدائد ، أضفت  على  مكتب  الرّئيس  لمسةً  دافئة  بَدّدّت  ما تنطوي عليه عادة   مقارّ الثّوّار المُسْتَهْدفين على الدّوام  من  جفافٍ  وخشونة  ،  فتحمّلت  شقاء العمل مع رئيسٍ استثنائيّ  لا يتْعب   يوصل الليل  بالنّهار ، دائم  الحركة  والتّرحال ،   حريص على الإلمام  بكلّ التّفاصيل ، بابه مفتوح  للفلسطينيين والعرب وأحرار العالم  أجمعين ، حاضِر الذِّهن  مُتَّقِد الذّاكِرة  لا يغفر النّسيان لأبسط الأمور .

 فأثبتت أم  ناصِر جدارة  لافتة  ، وأظهرت موهبةً  فريدةً  وقدرة  فائقة  على استيعاب  انفعال الرّئيس  وغضبه  وعَصبيّته  ،  وتَحَمّلت  قسوة  الرَّسائل التي  كان  يَقصد  ،عِبْرَها ، توجيهها  إلى  زائريه  ومُراجعيه  وضيوفه ،  ودأبت  على  تخفيف  التّوتّر  ومراضاة  المُستائين  من بعض القرارات  أو من انعدام  صدورها  . وفي كثيرٍ من الأحيان ، كانت تُلقي باللائمة  على  نفسها  لتبرير سُلوكٍ  لا علاقة  لها  به ، وكانت  ملجأ  للشّاكين  والغاضبين  ورسول  سلام  ومحبّة  ،  ما أكسبها  نفوذاً  واعترافا  بدورها  لم يقو على إنكاره كثير من  المُتَعَصِّبين  لفلسطينيّتهم ،  وبدت  حريصة  على توافق  ووفاق  رفاق  الدَّرب ،  فحظيت بمحبّة  واحترام  الجميع .

 

وفي المؤتمر الرابع لحركة فتح الذي انعقد  في ربيع عام 1980  في دمشق ، انتخبت  من بين  قلَّةٍ من النِّساء  لعضويّة  المجلس الثّوريّ  للحركة .  وواصلت  العمل   بذات الهمّة  والحماسة  والدّأب  في أعقاب  الحرب الإسرائيليّة  الأطول  ضدّ منظمة التّحرير الفلسطينيّة  واجتياح لبنان عام 1982  وإبعاد   قيادة المنظمة إلى  تونس  ، وأسهمت  في  إعادة   البناء  ولمّ  الشّمل  من جديد ، وأعيد انتخابها  مُجدّداً  لعضويّة المجلس الثوري  في  المؤتمر الخامس للحركة الذي انعقد في تونس عام 1989 .

 

وعندما  قدمت  أم  ناصر لفلسطين   في أعقاب  توقيع   اتفاقات  أوسلو ، كرّست  كل جهدها   للعمل  النقابيّ  عبر موقعها  كأمينة  عامة  للاتِّحاد العامّ  للمرأة الفلسطينيّة  وعملت بذات الهمّة  والنشاط  والمثابرة  والتّفاني    .

 

توثّقت  علاقتي  الشخصيّة   بأم  ناصر  بعد  انتقالها  للإقامة عند  شقيقتها  الصّغرى  فرقد  في  مصر  ،  حيث  كنت  قد عدت  لاستئناف عملي  في جامعة الدّول  العربيّة  بعد  انتهاء  مدة  إدارتي  لمعهد  ماس  عام 2004  ،  وحرصت على التّواصل الدّائم  معها  طيلة  فترة  إقامتي  في  مصر ، وعلى  زيارتها  في  كل  مرةٍ  تطأ  فيها   قدماي  أرض  الكنانة  .  

 

كان  بيتهما  بيت  كُلّ  الفلسطينيين  المُقيمين  والوافدين  والزّائرين ،  وكانت  أم ناصِر مسكونة  بفلسطين  وقضيّتها  ،  فازداد  حنينها  لوطنٍ  عشقته  أكثر  بعد أن سكنته  .  كانت  تستحضر فلسطين   في  كلِّ  أحاديثها ،  وما  أخالها أحبت وطنها  سوريا  أكثر  .

كانت  دائمة الاستِعلام  عن  أخبار الجميع  ، الصّغير قبل  الكبير ، حريصة على التّواصل  هاتفيّا  مع  كُلِّ   من ألمّ  به مرض ،  وعلى تقديم  واجب العزاء  لكلِّ من  فقد عزيزاً ،  والتّهنئة بتخرّج   الأبناء   أو  زواجهم   أو  قدوم  الأحفاد  .

 

كانت أم  ناصر  رمزا   للسّيِّدة   العربيّة  السوريّة   الأصيلة  العاشقة   للحرِّيّة  ،    ونموذجا   للاختيار  الواعي   لامرأة   جسَّدت   عروبتها   بالارتباط   بالقضيّة

الفلسطينيّة   ونُصرتها ،  فنذرت  عُمرها   لِخِدْمَتِها  .

 

 وظلَّت أم  ناصر  حتى الرَّمقٍ  الأخير   مِثالا  نادِراً  للإخلاص  لفلسطين   والوفاء  للقائد الاستثنائيّ  الذي  عَمِلت  معه ،  وأفنى   حياته  من أجل  حُرِّيّة   شعبه  ورِفعة  أمّته .

 

لروحها الرّحمة ، ولأسرتها  وعائلتها  وشعبها السوري الأبيّ  ، ولرفاقها  وأبنائها  وأحفادها الفلسطينيّين  جميعاً ،  ولأمتها العربية  خالص  العزاء .