حمار الوحش في حديقة غزة
1967
    

يولد الرمز، في مرات كثيرة، من دون أن يدرك من صنعه أنه يصنع رمزا. فهو يصنعه في وعيه كحقيقة لا كرمز. الآخرون هم من يحولونه إلى رمز. هم من يرونه رمزا. يعثرون عليه ويرفعونه إلى مرتبة الرمز، كما يرفعون جوهرة من الوحل.

هذا يعني أن صانع الرمز الفعلي هو من يعثر عليه. ومن يعثر عليه عادة هم من يهتمون بالثقافة. فالمثقفون مكتشفو رموز. وهم يكتشفون الرموز كي يزيدوا الواقع وضوحا. فمهمة الرمز هي أن يكشف الواقع. فالواقع لا يتضح بكل أبعاده إلا عبر الرمز. أي أن الواقع بتمامه لا يتضح إلا بعد أن يُنفى، أي بعد أن يتحول إلى رمز.

ولم يكن مدير حديقة حيوان غزة يدرك أنه كان يصنع رمزا حين لوّن حمارا بلديا، وجعله يبدو كحمار وحش. بالنسبة إليه كان الأمر واقعيا وبسيطا فقد كان عليه أن يعثر على حل بعد أن نفق حمار الوحش الحقيقي في حديقته. فالأطفال يريدون أن يروا الحمار البري المخطط، الذي لا يحتاج إلا إلى لونين، الأبيض والأسود، كي يفتن الكون كله. وهكذا أحضر صبغة شعر نسوية ولون حمارا بلديا، فصار حمرا وحشيا. صار (فرا). وكل الصيد في جوف الفرا، كما يقول المثل العربي. أي أنه بخدعة بسيطة جدا، حصل على (كل الصيد). أو قل: أوهم الأطفال، بأنهم يحصلون على كل الصيد.

لقد قام بعمل محدد كي ينجو وتنجو حديقته، في زمن الحصار.

لكنه وهو يفعل ذلك، وضع بين أيدينا رمزا خطيرا. لقد كشف لعبتنا. فهكذا نحن كفلسطينيين. حين نفتقر إلى شيء، ونحن نفتقر إلى كل شيء تقريبا، نصنع نسخة كاذبة تشبهه، ونصدق بذلك أننا حصلنا على هذا الشيء. نحن مثل أطفال غزة نقتنع بالنسخة الكاذبة. وهذا يعني أننا أطفال بشكل ما.

مثلا، نحن بلا دولة. نفتقر إلى دولة. لكن هذا لا يعيقنا. فهناك سلطة، ويمكن دهنها بالصبغة كما دهنا حمار الوحش في حديقة غزة، وتحويلها إلى دولة. وهكذا يصير لنا رئيس وحكومة ووزراء وأجهزة أمن، كما لو أن لدينا دولة حقا. السلطة، سلطة الحكم الذاتي المحدود، هي في الواقع حمار بلدي، حمار بلدي ضعيف، حولناه، بعمل فهلوي، إلى حمار وحشي، إلى فرا. وبما أن: (كل الصيد في جوف الفرا)! فقد أقنعنا أننا حصلنا على الصيد كله.

وضعنا في هذا كله مثل وضع حديقة حيوان غزة. فلسطين الآن، في الواقع، حديقة حيوان غزة. ومنطق حديقة الحيوان هذه: إذا افتقرت إلى شيء، فاعمل نسخة مزورة، نسخة (فولسو) منه، وسوف تكون الأمور على ما يرام.

عليه، فحديقة حيوان استعارة لوضعنا عموما. وبهذا يمكن مقارنتها ب (مزرعة الحيوانات) الشهيرة لجورج أورويل، وإن مع الفارق. فهذه المزرعة كانت أيضا استعارة اجتماعية سياسية. لقد تحولت مزرعة الحيوانات إلى حديقة حيوانات. وتحول الصراع الضاري في المزرعة إلى ممارسة غريبة من أجل التغلب على الصعوبات على الصعيد الواقعي، وإلى خديعة للذات على المستوى الرمزي.

كان يمكن لحمار الوحش المزور أن يظل لفتة فهلوية من فرد يريد أن يواصل حياته في ظل الحصار، لو لم يكن قد اخترع في غزة. وإذ اخترع هناك، فقد صار رمزا عبقريا لنا ولحياتنا السياسية.

حياتنا السياسة حمار بلدي تحول بالدهان إلى حمار وحش.

حياتنا السياسية حمار فرا مزور.

ويقول المثل العربي: (أنكحنا الفرا وسنرى). أي زوجنا ابنتنا لحمار الفرا، وسوف نرى ماذا ستكون النتيجة بعد.

أما نحن فلم نكن بحاجة إلى الانتظار. ذلك أن الفرا الذي زوجناه مجرد حمار بلدي مسكين، لا غير.

حمار غزة المخطط حيلة نجاة على الصعيد الواقعي.

لكنه على الصعيد الرمزي خديعة للذات.

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.