97
    

ولما كان اليوم الخامس والتسعون بعد المائتين، للإبادة الجماعيّة، في قطاع غزة الأبيّة، ومع فجر يوم السبت، السابع والعشرين من تموز، من العام ألفين وأربع وعشرين ميلاديّ، والحادي والعشرين من محرّم، من العام ألف وأربعمائة وستة وأربعين هجريّ، وبعد أن واصل جيش الاحتلال الإسرائيليّ قصفه الجويّ على دير البلح، وحي تلّ الهوى، وشارع الجلاء، ودوّار الكويت في مدينة غزة، وقصفه المدفعيّ على خان يونس، ومخيم المغازي، واجتياحه البريّ لمنطقة قيزان، وإطلاق الرصاص الحيّ، ونسف المربعات السكنيّة، في مدينة النصيرات، ومدينة رفح، وارتكاب أربع مجازر جديدة، من بينها مجزرة مروّعة، حدثت داخل مدرسة خديجة في دير البلح، بالمحافظة الوسطى، حين قصفت طائرات حربيّة إسرائيليّة مستشفى ميدانيّ، أقيم داخل المدرسة، بواسطة ثلاثة صواريخ، خلّفت ثلاثين شهيدًا وشهيدة، وعشرات الإصابات؛ حدّثتني عالية عكاشة قالت حدّثتني عائشة شعيب أبو دقة - مهندسة الديكور، والتي عملت في الإدارة الصحية، في قريتها عبسان - عن معاناتها وعائلتها، بعد العدوان الإسرائيليّ الوحشيّ على بلدها، يوم السابع من تشرين الأول، من العام ألفين وثلاثة وعشرين، لقرب قريتها من الحدود، حيث تتالت الأخبار المؤلمة التي وصلتها؛ خبر قتل/استشهاد يحيي أبو دقة ابن عمها، الذي وقع كالصاعقة على رأسها، إلى خبر قتل/استشهاد وجرح عدد كبير من أفراد عائلتها وجيرانها وأصدقائها ومعارفها.     

روت عائشة كيف بدأت وعائلتها بالتفكير، بضرورة التموين، وفي الذاكرة ما عانته خلال سنوات العدوان السابقة من ويلات، وما شهدته من نكبات، وما راكمته من خبرات، وبدأت بتجهيز حقائب وضعت بها أهم الأوراق والوثائق والأغراض.

وكان أن وضعت عائشة شهادتها الجامعية في حقيبتها، بالإضافة إلى جهاز الكمبيوتر المحمول وبعض ملابسها وأغراضها، وأبقتها ليلًا نهارًا بجانبها.

وبعد أن نامت ساعة، في غرفة الضيوف، التي تعوّدت أن تنام فيها عند الإحساس بخطر داهم، وعلى الساعة الحادية عشرة تقريبًا، أحَسّت أنها ليست في بيتها، وصحيت على صوت صراخ عال، وفمها كله غبار ورائحة صواريخ. أمسكت الحوائط، وأحسّت أنها تجلس في أسطوانة، خارج الزمان والمكان، وأحسّت بسقوط  نقط على رأسها اعتقدت أنها قطرات ماء، لتدرك لاحقًا أنها قطرات دماء، وسمعت صوت أخيها ينادي على زوجته وعليها، وحين فتح الباب وجدها مبلّلة بالدماء، إثر قصف جيش الاحتلال أكثر من صاروخ على بيوت الجيران، مما تسبب في هدم ثلاثة بيوت وقتل/استشهاد ثمانية عشر وإصابة خمسين من السكان.

لم ينتظر والدها سيارة الإسعاف حين رأى إصابتها في رأسها، وإصابة أخيها وسيم في قدمه؛ بل اصطحبهما بالسيارة إلى طوارئ المستشفى الجزائريّ، ثم إلى مستشفى ناصر الطبيّ.

كان أكثر ما أوجعها أيها الأفاضل إصابات الأطفال البليغة، التي شاهدتها في المستشفى بأم عينها، منها إصابات في الرأس، أو في العين، أو البطن، أو اليدين، أو القدمين. 

كان بيتها أول بيت قصف في عبسان، بعد السابع من تشرين الأول، وكانت وشقيقها من أوائل المصابين. عالج الأطباء الجرح في رأسها، وعملوا تحاليل وصورة أشعة لجسمها.

ومن المستشفى ذهبت مع والدها إلى بيت جدها، وانتظروا حتى الصباح للعودة إلى بيتهم. وفي الليل عرفوا أن هناك مناشير ألقاها الجيش الإسرائيليّ تدعو سكان خان يونس جميعهم إلى الإخلاء القسريّ.

وما إن حلّ الصباح، أيها الجمهور "السعيد" ذو الرأي الرشيد، حتى ذهبت عائشة والعائلة إلى بيتهم، وأحضروا حقائبهم، وما أعدّوا سابقًا من أغراضهم، وحملوا بعضًا من زيت الزيتون، وجرة غاز، وأقفلوا باب بيتهم، واحتفظوا بمفتاحهم، وتوجهوا إلى خان يونس، وإلى ذات البيت الذي لجأوا إليه يوم تهجيرهم العام 2014، وبقيوا فيه خمسين يومًا، وهو بيت الدكتور سليم صقر، الطبيب الجرّاح في مستشفى ناصر، الذي استقبل العديد من النازحين في بيته، وكان يعالج والدتها ونصف أفراد عائلتها. عادت عائشة إلى بيتها في عبسان، كي تحضر عصفورها كوكي الذي تعلّقت به ليظل معها. وبعد عودتها، جاءها خبر قصف بيتها، الذي زلزل العائلة وبالأخص والدها، الذي استغرقه بناء البيت أربعين عامًا.

 امتلأ بيت الدكتور سليم بالنازحين، حتى بلغوا تسعين، وامتلأت شوارع خان يونس ورفح بالنازحين، حتى فرغت الأسواق من الطعام ومن الغاز والملابس.

وحين أعلنت الهدنة؛ عادت عائشة وعائلتها إلى عبسان، ولكن ليس إلى بيتها؛ بل إلى بيت جدها، وبقيت خمسة أيام، نزحت بعدها إلى مواصي خان يونس، حيث أمّنت العائلة بيتًا صغيرًا، مقابل ستمائة دولار في الشهر، احتوى غرفة وحمامًا ومطبخًا، وجمع خمس عشرة فردًا، ولم يكن فيه مصدر للمياه أو المجاري، ومع ذلك اضطرّت العائلة للبقاء فيه مدة ثلاثة شهور.

عانت العائلة الأمرّين، حيث صعوبة الحصول على المياه، وغلاء الأسعار، مما جعلها تلجأ إلى مياه الآبار، وتعيش  على الكوبونات، والسلات الغذائية، التي كانت تحتوي المعلبات، ولم تجد عائشة قمحًا تقدّمه لكوكي، فاضطرّت إلى  سرقة بعض القمح من طعام حمارة كان يملكها شقيقها، ونقعه وتكسيره لإطعام عصفورها.

روت عائشة عن معاناة صديقتها حنين حمدان، الطالبة في جامعة الأقصى، والتي نزحت إلى مواصي خان يونس من منطقة الصفطاوي في الشمال، ورأت في رحلة نزوحها العجب والعجاب، من جرائم الاحتلال، وكانت زميلتها في مستشفى الصداقة التركيّ - الفلسطينيّ، حيث عملت فيه كمتطوّعة الأعوام 2021، و2022، و2023.

تحمّلت عائلة عائشة الوضع القاسي الذي عاشته وعائلتها يا سادة يا كرام، إلى أن أصبح يهدّد حياة والدتها المريضة بالسكري والضغط والغدد، والتي تعيش بكلية واحدة، حيث انقطع دواؤها، والمياه النظيفة التي تحتاجها، فكان قرار نزوحها للعلاج، بصحبة ابنتيها عائشة ووعد والعصفور كوكي، وبقي الوالد وأشقاؤها الشباب، الذين أصرّوا على الصمود والبقاء.

حفظت عائشة تفاصيل بيتها في صدرها، وحين وصلت مصر رسمته بقلمها، وأكّدت على حقها وحق أبناء بلدها، في رفع قضية ضد جيش الاحتلال، الذي هدم البيوت فوق رؤوس السكان وووووووووووو وووووووووووووووووووووووووووووووووووووأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام الجراح.         

                                                                                       faihaab@gmail.com

www.faihaab.com

 

 

 

 

 

 

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.