
د. فيحاء قاسم عبد الهادي
هل يمكن الاستفادة من الرواية الشفوية في التأريخ والفنون والآداب؟
وإذا كان ذلك ممكن فكيف تكون الاستفادة؟
وهل هذا يعني أن للرواية الشفوية مصداقية تعادل مصداقية التاريخ المكتوب؟
ثم، ما هي أسس وأدوات وإشكاليات الرواية الشفوية؟
وهل لها دور في معركة الوعي والسردية الفلسطينية؟
وما هي التجارب الشخصية في توثيق الرواية الشفوية الفلسطينية؟
أسئلة عديدة، أجاب عليها خمسة عشر من الكتاب والكاتبات، والأكاديميين/ات، والمختصين/ات في التاريخ، والتاريخ الشفوي، يوم 6 نيسان 2026، الذي خصّصته وزارة الثقافة الفلسطينية، بالتعاون مع مؤسسة بيتنا الشبابي، لمناقشة موضوع الرواية الشفوية، وما تثيره من موضوعات تستدعي النقاش المعمّق، في مركز خليل السكاكيني، في رام الله.
*****
ضمن مشاركتي في الجلسة المخصصة للتعرّف على التجارب الشخصية في توثيق الرواية الشفوية الفلسطينية؛ تحدثت من واقع تجربتي الشخصية، عن الإمكانيات الهائلة التي تتيحها الروايات الشفوية، للاستفادة منها في التأريخ، والفنون، والآداب.
وقدّمت أمثلة على ذلك بالاستناد إلى عملي التوثيقي في حفظ الذاكرة الفلسطينية؛ بالاعتماد على منهج التاريخ الشفوي، منذ نهاية التسعينيات حتى الآن، حيث سكنني وما زال هاجس توثيق الرواية الشفوية الفلسطينية، وحفظها في أرشيف قابل للاستفادة منه، في حقول معرفية متعددة.
ولا شك أن اتّباع منهج علمي منهجي في توثيق الرواية الشفوية، هو أمر جوهري في جعل هذه الروايات مصدرًا من مصادر التأريخ، وهذا ما يتيحه منهج التاريخ الشفوي؛ إذ إنه منهج بحث، يتيح المقارنة بين الروايات الشفوية المختلفة، حول الحدث التاريخي الواحد، من أجل سدّ النقص في بعض ما ورد في التاريخ المكتوب، أو تأكيده، أو تصحيح بعض ما ورد فيه، أو الإضافة إليه.
كما أن اتّباع منهج التاريخ الشفوي، من منظور نسوي، يفيد في الإضاءة على مساهمة النساء التاريخية الفاعلة، عبر توثيق تجاربهن، ويركّز على النساء المهمّشات - اللواتي استُبعِدن، وغُيِّبت تجاربهن، أو تم تهميشهن، وحصر أدوارهن في محيط العائلة - ويعيد الاعتبار لتجارب النساء الحياتية، كمكّون أساسي في صناعة التاريخ، بحيث يصبحن مرئيات، وذوات فاعلة.
*****
قدّمت مثالًا للاستفادة من الروايات الشفوية، في حقل التأريخ، حيث بيّنت كيف ساهمت الروايات الشفوية التي تناولت مساهمة المرأة السياسية منذ الثلاثينيات، والتي جمعت بالاعتماد على منهج التاريخ الشفوي، من منظور نسوي، في التأريخ لنضال المرأة الفلسطينية في الفترة التاريخية منذ الثلاثينات، وحتى العام 1982.
سدّت الدراسة ما كان ناقصًا في التاريخ المكتوب؛ إذ كشفت عن دور سياسي فاعل لعبته المرأة المدينية والمرأة الريفية، في الثلاثينيات، وليس دورًا هامشيًا، كما ورد في التاريخ المكتوب.
تركّز دور المرأة المدينية، في العمل السياسي؛ من خلال تأسيس الجمعيات والاتحادات النسائية، والمشاركة في المؤتمرات العربية والعالمية، وتنظيم وقيادة المظاهرات، والتوعية، والتحريض، وتنظيم مظاهرات ذات مطالب نسوية اجتماعية؛ ما أسَّس مبكرًا لمنظور نسوي في عمل المرأة الفلسطينية.
وتركّز دور المرأة الريفية في العمل العسكري، ضمن ومع الثورة المسلحة ما قبل العام 1936، حيث لعبت المرأة الريفية دورًا سياسيًا اجتماعيًا عسكريًا؛ وإن كان الدور العسكريّ، هو الأبرز في عملها. عملت في السياسة، من خلال التحريض، والتموين، والمشاركة الفاعلة في إضراب 1936م، وعملت في الحقل العسكري، من خلال نقل السلاح، وإخفائه، والتدرّب على استخدامه، والمشاركة في بعض المعارك المسلحة.
كما سدّت الدراسة ما كان ناقصًا في التاريخ المكتوب حول المساهمة السياسية للمرأة الفلسطينية فترة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وحتى العام 1982؛ إذ كشفت عن مشاركة سياسية واسعة للمرأة الفلسطينية، وأرّخت لبعض ما كان ناقصًا من أدوارها في التاريخ المكتوب، مثل دور جمعية "زهرة الأقحوان"، التي كانت عضواتها أول النساء، اللواتي حملن السلاح ضد العصابات الصهيونية، العام 1947، إذ كشفت الروايات الشفوية، وأرّخت للدور العسكري السياسي المميز، الذي قامت به عضوات جمعية "زهرة الأقحوان"، التي بدأت جمعية خيرية، ثم تحوّلت عضواتها إلى العمل المسلح، وجمعن ما بين العمل العسكري والتمريض.
كما أرّخت الروايات الشفوية لطبيعة مشاركة المرأة الفلسطينية، لأول مرة في تاريخ العمل السياسي الفلسطيني، ضمن تنظيمات سياسية عربية مختلطة، مثل النساء اللواتي انتظمن ضمنَ صفوف "الحزب الشيوعي"، و"حزب البعث العربي الاشتراكي"، و"الحزب القومي السوري"، منذ أواخر الأربعينيات، وضمنّ "حركة القوميين العرب"، منذ منتصف الخمسينيات، ومشاركتهن منذ منتصف الستينيات، وبعد تأسيس "منظمة التحرير الفلسطينية"، العام 1964م، في التنظيم النسائي، لجبهة التحرير الفلسطينية، ودورهن في تأسيس لجنة المرأة في حركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح، بالتزامن مع تأسيس الحركة، العام 1965م.
وكشفت الروايات الشفوية، أن معظم النساء، قد انتمين إلى الأحزاب السياسية بدافع شخصي أو فكري، وليس بسبب تأثير أفراد العائلة، كما جاء في التاريخ المكتوب.
*****
بالنسبة لتجربتي في الاستفادة من الرواية الشفوية في الفنون والآداب بالإضافة إلى التأريخ؛ فقد تركّزت في الاستفادة مما جمعته باحثات مركز الرواة للدراسات والأبحاث - الذي تشرّفت بتأسيسه العام 2012- ، من الراويات والرواة، الذين عايشوا مرحلة التهجير العام 1948، وبعض من عايشوا تهجير العام 1967، من فلسطين والشتات.
استفدت من الروايات الشفوية في الأدب؛ في كتابة الشعر، وفي المقالة الأدبية، كما استفاد مركز الرواة من الروايات الشفوية في إنتاج فلم وثائقي قصير، بعنوان: الذاكرة الحية، العام 2017، وتنظيم معرض فني تفاعلي بعنوان: "قول يا طير"، الأعوام (2017-2019)، هدف إلى نقل رسالة المهجّرين/ات الفلسطينيين عام 1948، إلى الأجيال الشابة في فلسطين، والبلاد العربية، والعالم، حيث نظم المعرض في فلسطين، وفي الأردن، وفي البحرين، وفي القاهرة، ويخطط ليطوف العالم.
*****
كم هو مهم أن نجمع الروايات الشفوية من صدور الفلسطينيين، في الوطن وفي الشتات! وأن نوثّقها منهجيًا، ونحفظها في أرشيفات رقمية ذكية، وأن نترجمها إلى لغات عديدة، وأن نتيحها للمؤرّخين/ات، وللأدباء والأديبات، والفنانين/ات؛ كي يطوفوا بها العالم رواية، وقصة، وشعرًا، ومسرحًا، وموسيقى، وفنًا تشكيليًا، ومعارض فنية، ومقالات أدبية؛ لتكون لسان فلسطين، وقلبها النابض، وذاكرتها الحية.