خلال ورشة حوارية نظمها مركز مسارات
آراء متباينة حول إجراء الانتخابات 
وقدرتها على معالجة المأزق الفلسطيني الراهن
210
    

رام الله، وغزة، وعبر تقنية زووم- خاص: عكست ورشة حوارية نظمها المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية (مسارات) تباينًا واسعًا في آراء الشخصيات المشاركة حول مبدأ إجراء الانتخابات العامة ووظيفتها وتوقيتها وموقعها ضمن الأولويات الوطنية الراهنة والموقف من المشاركة منها، أو مقاطعتها، في السياق الفلسطيني تحت الاحتلال. كما طرحت وجهات نظر مختلفة عما إذا كانت الانتخابات تشكل مخرجًا من مأزق الحالة الفلسطينية، أم تمثل جزءًا من الحل، أم قد تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج المأزق وتعميقه، أم تزيد من تشظي المؤسسات الفلسطينية ونقل الانقسام إلى مستوى نشوء مراكز قيادة متوازية في الحقل السياسي تكرس الانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة؟

جاء ذلك في ورشة نظمها مركز مسارات بعنوان "الانتخابات الفلسطينية... مدخلٌ لإعادة بناء النظام السياسي أم لإعادة إنتاج الأزمة؟"، بمشاركة تجاوزت 120 مشاركًا ومشاركة من الشخصيات السياسية والأكاديمية والمجتمعية والنساء والشباب، في مقري المركز في البيرة وغزة وعبر منصة "زووم". وجاءت الورشة ضمن سلسلة الحوارات التي ينظمها المركز في إطار مشروع "استعادة الفاعلية الفلسطينية من خلال المجتمع المدني والمشاركة السياسية والتماسك الاجتماعي – روافد"، لمناقشة وإثراء مسودة دراسة أعدها فريق بحثي ضمن المشروع بعنوان "معضلات التغيير في النظام السياسي الفلسطيني: آفاق تبلور تيارات جديدة". 

وهدفت هذه الورشة لاستكمال النقاش بشأن محاور الدراسة حول مسارات التغيير في النظام السياسي الفلسطيني، مع تكييف الحوار مع المستجدات السياسية الراهنة، ووضع الانتخابات في صلب النقاش باعتبارها أحد المسارات المحتملة للتغيير، وطرح التساؤل حول قدرتها على الإسهام في إعادة بناء النظام السياسي وتجديد مؤسساته، أو احتمال تحولها، في ظل الظروف القائمة، إلى أداة لإضفاء شرعية على الواقع القائم.

وفي مستهل الورشة التي أدارتها الباحثتان منال علان في البيرة، وولاء السطري في غزة، قدم هاني المصري، المدير العام لمركز مسارات، مدخلًا للنقاش حول موقع الانتخابات في مسار التغيير، وأهمية عدم التعامل معها بمعزل عن الأزمات الأوسع التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني وشروط التغيير المطلوبة. كما تطرق إلى أبرز استنتاجات مسودة الدراسة بشأن أسباب تعثر محاولات بلورة تيارات جديدة، والحاجة إلى إعادة بناء تيار وطني واسع عابر للجغرافيا والفئوية الحزبية، وقادر إلى إعادة بناء الحركة الوطنية ومواجهة المخاطر الوجودية التي تهدد الشعب الفلسطيني وأرضه وقضيته الوطنية. 

وشهدت الورشة نقاشًا واسعًا بين الحضور حول فرص إجراء أو تأجيل أو إلغاء الانتخابات، وجدواها في فتح مسار لإعادة بناء النظام السياسي، مقابل المخاوف من أن تجرى في ظل الانقسام والظروف الراهنة بما قد يعيد إنتاج الواقع القائم. ورأى مشاركون أن الانتخابات يمكن أن تشكل فرصة لتجديد المؤسسات السياسية وإعادة بناء الحياة السياسية على أسس أكثر ديمقراطية وشراكة، فيما حذر آخرون من أن إجراءها في ظل غياب التوافق والحوار الوطني والانقسام القائم قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الواقع نفسه، وربما بصورة أسوأ. كما ركزت مداخلات على أن التحدي لا يتعلق بإجراء الانتخابات فقط، وإنما بضمان مشاركة أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، خصوصًا في قطاع غزة والضفة الغربية، وتوفير بيئة سياسية تجعل من الانتخابات خطوة نحو التغيير لا مجرد إعادة إنتاج للمؤسسات القائمة.

وتجاوز النقاش سؤال الانتخابات إلى بحث أوسع في أدوات التغيير وإمكاناته، حيث شدد مشاركون على ضرورة توسيع دائرة الحوار والمشاورات لتشمل مختلف القوى السياسية والمجتمعية، وعدم حصرها في الفصائل، فيما رأى آخرون أن الانتخابات، إذا ما جرت، ينبغي أن تكون جزءًا من عملية فلسطينية أوسع تعالج تعقيدات المشهد السياسي وتفتح الطريق أمام إصلاح النظام وتجديد مؤسساته. كما برزت الحاجة إلى بناء قوى وكتل وطنية قادرة على إحداث التغيير، وتجاوز التجارب السابقة لمحاولات تشكيل "تيار ثالث"، بما يسمح بتطوير صيغ أكثر قدرة على جمع القوى والمجتمع حول أرضية مشتركة. وقدمت المداخلات المتنوعة مجموعة واسعة من الرؤى والملاحظات التي ستسهم في إثراء مسودة الدراسة وتطوير استنتاجاتها وتوصياتها.

ودعت بعض المداخلات إلى مقاطعة الانتخابات من حيث المبدأ، لأن الشعب الفلسطيني لا يعيش في دولة مستقلة ذات سيادة، بل تحت احتلال استيطاني إحلالي يتحكم في كل مفاصل الحياة وقادر على تقويض مبدأ ديمقراطية وحرية الانتخابات، بما في ذلك منع إجراء الانتخابات في مناطق واسعة من الأراضي الفلسطينية، واعتقال المرشحين والناخبين. وفي المقابل، أكدت مداخلات أخرى على وجوب مواجهة هذه التحديات والتمسك بحق الشعب الفلسطيني في انتخاب ممثليه وتحويل إجراء الانتخابات إلى معركة سياسية وقانونية مع الاحتلال وحشد أوسع دعم إقليمي ودولي لإجراء الانتخابات.

واعتبر مشاركون أن النقاش الفعلي لا ينبغي أن ينحصر في الجدل حول المشاركة أو المقاطعة فقط، وإنما حول وظيفة الانتخابات وشروطها السياسية والوطنية، ومدى قدرتها على استنهاض الحالة الوطنية والشعبية، وإعادة بناء نظام سياسي موحد، ومشروع وطني تحرري، منوهين إلى أن ذلك لا يعني إلغاء الانتخابات، وإنما وضعها ضمن إطار أوسع يمنع تحولها إلى أداة للإقصاء أو الهيمنة أو المزيد من التجزئة والتشرذم. وهو الأمر الذي يضاعف من أهمية مواجهة أية محاولات لهندسة نتائج الانتخابات، بما في ذلك استخدام التعيينات لعضوية المجلس الوطني لإعادة إنتاج الهيمنة والتفرد في صناعة القرار، والتمسك بمبدأ الديمقراطية التوافقية المستندة إلى اتفاق على أسس الشراكة السياسية التي تصونها وتعززها التعددية والتنافس الديمقراطي والتوافق على عقد وطني جديد يحدد الأهداف الوطنية العليا، وطبيعة العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، والبرنامج السياسي، وأشكال النضال الملائمة في كل مرحلة. 

يُذكر أن هذه الورشة هي الثانية والعشرون التي تنظم ضمن مشروع "روافد"، وسيتم تنظيم سلسلة أخرى من الورشات، بمشاركة مختلف القطاعات من التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات، لمناقشة مسودة الدراسة التي شارك في إعدادها فريق بحثي من 12 باحثًا وباحثة، بإشراف د. حسن أيوب. كما سيتم تنظيم مؤتمر موسع لمناقشة الدراسة في 28 أيلول الجاري، بمشاركة واسعة من مختلف التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات، قبل إعداد الدراسة بشكلها النهائي.

مواضيع ذات صلة

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.