الضمانات الدولية والوفاق الوطني والانتخابات الفلسطينية
278
    

ركّزتُ في زيارتي الأخيرة إلى بروكسل ولندن التي تمت في أواخر أيلول وبداية أكتوبر، وفي جميع اللقاءات التي شاركت فيها، على تحدّيين يواجهان الانتخابات الفلسطينية.

التحدي الأول، وهو الأهم: العراقيل التي يضعها الاحتلال أمام الانتخابات في مختلف مراحلها. وقد وصلت أحيانًا إلى مصادرة نتائجها، كما حدث بعد الانتخابات التشريعية عام 2006. ومن المتوقع، بل من الحتمي، أن تعمد الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهي الأكثر تطرفًا وعنصرية، حكومة "حسم الصراع" التي تعمل على تصفية القضية الفلسطينية بمختلف جوانبها وأبعادها، بما فيها مؤسسات منظمة التحرير والسلطة، إلى ما هو أبعد من العرقلة، أي إلى منع الانتخابات كليًّا. فهي لا تريد كيانًا وطنيًّا فلسطينيًّا منتخبًا يكتسب القوة والشرعية، ويجسّد الهوية الوطنية الواحدة، ويربط الضفة الغربية بقطاع غزة، ويُبقي الطريق إلى إقامة دولة فلسطينية مفتوحًا. ومن الدلائل الساطعة على ذلك استمرار حرب الإبادة ومساعي التهجير في غزة، وتصعيد العدوان في الضفة الغربية على مختلف المستويات وبصورة غير مسبوقة، إضافة إلى ما يجري في الداخل.

ويشمل هذا التحدي أيضًا أن الإدارة الأمريكية لا توافق على إجراء الانتخابات الآن، خشية أن يشكّل انتخاب مجلس تشريعي تهديدًا لـ"مجلس السلام"، إذ سيصبح المجلس المنتخب هو المرجعية وصاحب الشرعية والولاية على الضفة والقطاع، وهو ما يتناقض مع خطة ترامب التي تجعل "مجلس السلام" هو المرجعية وصاحب الولاية.

وليس صحيحًا أن الموقف الإسرائيلي الحالي، والعراقيل والأجواء السائدة في الأراضي المحتلة، مماثلة لما كان عليه الحال منذ الاحتلال، أو في أعوام 1996 و2005 و2006 و2021؛ فالوضع اليوم أخطر وأسوأ بكثير.

التحدي الثاني: داخلي فلسطيني. ويتمثل في استمرار الانقسام، ونيّة النخبة الفلسطينية الحاكمة عدم إجراء انتخابات لا تضمن الفوز فيها. ولذلك ألغت انتخابات عام 2021 خشية خسارة كبيرة. وأجلت الانتخابات المقررة في شهر تشرين ثاني نظرا لتطور مفاجئ حصل بعد صدور مرسوم الانتخابات هو قرار حركة حماس المفاجئ بالمشاركة في الانتخابات بشكل مباشر أو غير مباشر فقد كان يعتقد أنها ستمنع أو تمتنع، إلى جانب تبلور تحالفات وقوائم بدأ تشكيلها في الأسابيع الأخيرة، منها ما يضم حماس والتيار الإصلاحي وغيرهما، ومنها ما يقوده الأسير القائد مروان البرغوثي ويمكن أن يضم التيار و عناصر وقيادات أخرى من حركة فتح، وهي قوائم تهدد القيادة الرسمية بخسارة مؤكدة.

ما العمل؟

على كل حريص على القضية الفلسطينية والديمقراطية الفلسطينية أن يعمل، وأن يطالب القوى المؤثرة في الوضع الفلسطيني بالضغط من أجل تحييد التحدّيين الداخلي والخارجي واحتوائهما، وتوفير ظروف انتخابات حرة ونزيهة تُحترم نتائجها. ويمكن تحقيق ذلك عبر توفير ضمانات دولية توقف المحاولات الإسرائيلية لمنع الانتخابات، وتساعد في التوصل إلى توافق فلسطيني يعتمد الديمقراطية التوافقية التي تناسب الظرف الفلسطيني الاستثنائي، وتضمن مشاركة مختلف القوى والفئات، كلٌّ بحسب النسبة التي يحصل عليها في الانتخابات. وبذلك تكون الانتخابات خطوة نحو الوحدة والتعددية وخدمة المشروع الوطني، والتصدي المشترك للمخاطر الوجودية التي تهدد الفلسطينيين قضيةً وشعبًا وأرضًا ومؤسساتٍ وحقوقًا وتمثيلا.

وعليه، فإن الضغط الدولي، والأوروبي تحديدًا، إن كان حريصًا فعلًا على الديمقراطية الفلسطينية، يجب ألا يقتصر على السلطة الفلسطينية، بل ينبغي أن يطال الاحتلال أيضًا، لدفعه إلى توفير الحد الأدنى من المعايير الدولية المعتمدة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة تُحترم نتائجها.

بدون توفير الضمانات الدولية والتوافق الوطني لن تجري انتخابات حرة حتى لو تشكلت بعد الانتخابات الإسرائيلية القادمة حكومة أقل تطرفا يمكن أن تتغاضى عن اجراء الانتخابات الفلسطينية، فهي ستحاول أن تتدخل فيها حتى تضمن مصالحها وأهدافها ونجاح أكبر عدد من أنصار بقاء الوضع الراهن ووظيفة السلطة كإدارة للسكان تحت الاحتلال.

وفي حال توفّر التوافق الوطني حتى دون ضمانات دولية، يمكن الذهاب إلى الانتخابات تحدّيًا للاحتلال، ليتحمّل عندها المسؤولية عن عدم إجرائها، ويكون الوفاق الوطني في هذه الحال مصدرًا للشرعية إلى حين تتاح إمكانية إجراء الانتخابات. أما الذهاب إلى الانتخابات دون وفاق وطني، في ظل الانقسام، وعدم وجود رؤية شاملة واستراتيجيات جديدة بديلة عن التي وصلت إلى الطريق المسدود، والتعامل معها كأنها مغالبة وكسر عظم، لا مشاركة وجسرًا نحو الوحدة والتعددية، فسيكون مع ما يجري من حصار وعزل وتقطيع أوصال وفصل بين الضفة والقدس وبينها وبين القطاع أقصر طريق إلى المزيد من التشرذم والانقسام، خصوصًا في ظل تدمير السلطة في غزة وتقويضها في الضفة.

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.