11
    

كلما ناقشنا تطوّرات الوضع الفلسطيني، وتفاقم المخاطر التي يتعرّض لها الفلسطينيون، في غزة والضفة؛ برزت أهمية الحوار السياسي بين مكوّنات الشعب الفلسطيني المختلفة، في الوطن وفي الشتات، وكلما مضى المحتلّ الإسرائيلي في مخططه لتصفية القضية الفلسطينية؛ عبر الإبادة والضمّ والتهويد والاقتلاع والتهجير والمحو والهدم؛ تبيّنت الحاجة الملحة للحوار.
وكلما تباينت وجهات النظر الفلسطينية حول سبل التصدي للمؤامرات التي تحيط بنا من الأمام ومن الخلف؛ اشتدت الحاجة للحوار.
وكلما شعرنا باليأس وخيبة الأمل والإحباط، من الخلافات بين فصائل العمل السياسي، ازدادت الحاجة إلى حوار يضم أبناء الشعب الفلسطيني، ولا يقتصر على الفصائل السياسية، ويناقش سبل تمتين العامل الذاتي، بعد مراجعة نقدية لأساليب وأدوات عمل القوى السياسية، من أجل التوافق على رؤية سياسية، واستراتيجية وبرنامج سياسي، قادر على أن يواجه التحديات التي لا تعصف بفصائل العمل السياسي فحسب؛ بل تعصف بالفلسطينيين جميعًا. 
وكلما جرى الحديث عن ضرورة التغيير الداخلي، وممارسة الديمقراطية، عبر إصلاح الوضع الداخلي للسلطة الفلسطينية، ومحاربة الفساد، وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية؛ تزداد الحاجة إلى حوار، حول طبيعة التغيير الذي يحتاجه الشعب الفلسطيني، والذي يمكن أن يحدث تأثيرًا نوعيًا في البنية الداخلية الفلسطينية، ويستنهض الوضع الفلسطيني، وحول مفهوم الإصلاح: هل هو إصلاح فحسب؟ أم هو تغيير جذري، يستهدف إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، على أسس وحدوية وقانونية، مع الحفاظ عليها ككيان جامع وموحّد، ويفصل بينها وبين السلطة الوطنية الفلسطينية، حتى تستطيع استنهاض الوضع الفلسطيني، وبلورة رؤية، واستراتيجية، وبرنامج سياسي، قادر على قيادة الشعب الفلسطيني نحو الحرية والاستقلال؟  
وكلما طرح موضوع الانتخابات، وجرى الحديث عن أهميته فلسطينيًا؛ تشتد الحاجة إلى حوار مسؤول، يتناول مدى قانونية البند الذي أعلنته الرئاسة الفلسطينية، الذي يشترط على كل مرشح/ة الالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية، وقرارات الشرعية الدولية. بالإضافة إلى ضرورة مناقشة مخاطر إجراء الانتخابات في ظل الاحتلال، خاصة أن الأسباب التي منعت من إجرائها العام 2021، ما زالت قائمة؛ بل وتزداد خطورة وتعقيدًا بعد ما يقارب ثلاث سنوات من الإبادة الجماعية في غزة، والتطهير العرقي في مخيمات شمال الضفة، ومصادرة الأراضي، وتوسع المستوطنات الجنوني، واستشراس المستوطنين الإسرائيليين في عدوانهم على المدن والمخيمات والقرى الفلسطينية. 
*****
وحين نتحدث عن أهمية الحوار؛ يبرز سؤال كبير: هل يشارك المجتمع الفلسطيني، بمكوّناته كافة، في الحوار حول قضاياه المصيرية؟ وفي الضغط من أجل إنهاء الانقسام الداخلي؟ أم يتمّ الحوار بين الفصائل السياسية وحدها؟ 
لا شكّ أن العديد من الفلسطينيين قد سئموا تكرار جلسات الحوار بين الفصائل السياسية، التي لم تصل إلى نتيجة، منذ اتفاق مكة في 8 شباط العام 2007، الذي تمّ خرقه بعد أربعة شهور فقط، وحتى اتفاق/إعلان بكين في 23 تموز العام 2024، الذي هدف إلى إنهاء الانقسام بشكل نهائي، مرورًا بلقاءات الحوار العديدة، والجولات الطويلة، ومئات الساعات، التي أنتجت عددًا من الاتفاقات في عدد من العواصم العربية والعالمية، فشلت جميعًا.
ويتبيّن من الحوار السياسي الحيوي، الذي يجري منذ جريمة الإبادة الجماعية، في غزة، وجاهيًا، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي - بين العديد من المفكرين/ات، والكاتبات والكتاب، والسياسيين/ات، والناشطين/ات، والهيئات الحقوقية، ومؤسسات المجتمع المدني، ومراكز الأبحاث - أن المجتمع الفلسطيني يحتاج حوارًا جديًا مسؤولًا، حول طبيعة المسار السياسي، القادر على إحداث تغيير جذري في البنية الذاتية الفلسطينية، حتى يمكن استعادة الفاعلية الفلسطينية، وتوظيف التضامن العالمي مع فلسطين، في معركة التحرّر الوطني.   
*****
إيمانًا بأهمية الحوار المجتمعي؛ نظم مركز أبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية (مسارات) عددًا من الورشات الحوارية، وصل إلى عشرين، حتى 23 آب 2026، ضمّت عددًا من ناشطات وناشطي المجتمع المدني، وبعض الأكاديميين/ات، والسياسيين/ات، من مختلف الأجيال، وخاصة الشابات والشباب، في عدد من المدن الفلسطينية، في فلسطين، وفي الشتات، عبر تقنية الاتصال المرئي؛ لنقاش مسودّة دراسة حول «معضلات التغيير في النظام السياسي الفلسطيني وآفاق تبلور تيارات جديدة».
هدفت هذه الورشات إلى توسيع دائرة النقاش، من أجل إثراء الدراسة بأفكار متنوعة، تساهم في تطوير الأفكار والنتائج التي وصلت إليها، حول كيفية «استعادة الفاعلية الفلسطينية واختبار فرص تشكيل تيارات جديدة، يمكن أن تسهم في إحداث التغيير، دون افتراض نتائج مسبقة أو تبني خلاصات جاهزة»، خاصة أن الدراسة تنطلق من تشخيص أزمة النظام السياسي الفلسطيني البنيوية، التي سبّبت ترهل مؤسسات منظمة التحرير، وانفضاض العديد من أبناء الشعب الفلسطيني عن المشاركة في العمل السياسي المنظّم. 
*****
تفاعل المشاركون/ات في الورشات، حين أحسّوا أن رأيهم له قيمة، وأن هدف تنظيم ورشات النقاش هو الاستنارة برأيهم، في القضايا التي تمسّ حياتهم ومصيرهم، وخاصة الوسائل التي يمكن بواسطتها استعادة الفاعلية الفلسطينية. مارسوا جوهر العمل الديمقراطي (المشاركة)، قبل أن يقفزوا إلى آلياته (الانتخابات).
وإلى أن تصدر الدراسة البحثية بما تم استخلاصه من تلك اللقاءات، يمكننا الإشارة إلى الملخص المشترك منها، وهو أن المشاركات والمشاركين أكّدوا على أهمية إجراء هذه الدراسة لتقديم مراجعة عميقة لطبيعة النظام السياسي، وأدوات العمل الوطني، وعلى ضرورة إنهاء الانقسام، والتوافق الوطني، على مشروع وطني جامع، وأهمية إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، على أسس ديمقراطية، وأكّدوا على رغبتهم في أن يعيشوا في بلد يعتمد الديمقراطية منهجًا، ويضمن الحريات وسيادة القانون، من أجل الوصول إلى الهدف النهائي وهو الحياة الحرّة على أرض حرّة.

faihaab@gmail.com
www.faihaab.com

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.