آفاق استنهاض الحالة الفلسطينية في مواجهة التحدّيات
183
    

لا يمكن سبر آفاق استنهاض الحالة الفلسطينية من دون تشخيصها تشخيصاً سليماً، فإذا كان المأزق أزمة شرعية، فإن إجراء الانتخابات يمكن أن يكون مدخلاً لتجديدها. أما إذا كان ناتجاً عن تراكم أزمات تتعلق بالشرعية، وغياب المشروع الوطني الجامع، والقيادة والمؤسّسات والاستراتيجيات وأشكال النضال، ويترافق مع مخاطر وجودية ناتجة عن سياسات حكومة إسرائيلية هي الأكثر تطرّفاً منذ قيام إسرائيل، وتتبنى عمليّاً خطة لحسم الصراع وتصفية القضية الفلسطينية، فإن الانتخابات وحدها لا يمكن أن تكون حلّاً.

يتطلب الخروج من المأزق مراجعة جذرية تقود إلى تغيير المسار السياسي وبناء بديل وطني يعيد صياغة المشروع الوطني والمؤسّسات والقيادة والاستراتيجيات وأشكال النضال، فالانتخابات جزء من عملية التغيير، وليست بديلاً عنها ولا جوهرها، خصوصاً أنها تجري تحت الاحتلال الذي يتحكّم بمختلف جوانب الحياة الفلسطينية، ويقيّد السلطة بالتزامات سياسية واقتصادية وأمنية مجحفة، في ظل استمرار الانقسام وفشل كل محاولات إنهائه أو حتى تخفيفه.

... بلغت الحالة الفلسطينية درجة من السريالية مع اقتراب موعد تقديم قوائم الترشح، في وقت يظل فيه مصير الانتخابات غامضاً. فهناك قوى تقول إنها لا تريد أو لا تتوقع انتخابات في الظروف الراهنة، لكنها تستعد لها في الوقت نفسه، بينما يسود تقدير أن الاحتلال، بدعم أميركي، قد يمنع إجراءها على أن تعقد لاحقا.

ولا يتعلق عدم اليقين بالعوامل الخارجية فقط، بل أيضاً بحسابات داخلية، في مقدمتها خشية حركة فتح من نتائج قد تعكس تراجع شعبية القيادة والسلطة، في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتداعيات المؤتمر الثامن، وغياب برنامج سياسي جامع أو الدفاع عن المصلحة العامة، ما يدفع كل شخص، خصوصاً من الذين جرى إقصاؤهم، للبحث عن مصالحه.

والأخطر أن القرار الانتخابي لا يبدو صادراً عن مؤسسة فلسطينية صاحبة ولاية واضحة، وإنما يرتبط بدرجة كبيرة بقرار فردي يمكن تغييره في اللحظة الأخيرة. ولذلك تبقى السيناريوهات مفتوحة: إجراء الانتخابات، أو تأجيلها، أو منعها من دولة الاحتلال أو تعطيلها بذريعة العقبات الإدارية والأمنية، أو الاكتفاء بما تُسمى "المجمعات الانتخابية"، أو اللجوء إلى الحوار الوطني، أو إحياء المجلس التشريعي أو تعيين رؤساء اللجان فيه أعضاء في المجلس الوطني، أو ابتكار صيغة أخرى لإعادة ترتيب المؤسسات، أو حتى تشكيل جمعية تأسيسية يُناط بها كل شيء.

وكان المرسوم الرئاسي الأول للانتخابات يتعلق بالمجلس الوطني، مع تفضيل أن ينتخب المجلس الجديد رئيس دولة فلسطين، قبل أن يجري تعديل المسار تحت ضغوط خارجية، خصوصاً أوروبية، لتصبح الأولوية للانتخابات التشريعية وتأجيل الرئاسية، وإذا تم تأجيل أو منع إجراء الانتخابات قد يتم التركيز على تشكيل المجلس الوطني وتعميم تجربة المجمعات الانتخابية لتعيين كل الممثلين عن الضفة الغربية وقطاع غزّة.

ينبغي إدراك حساسية المرحلة، وأن الأولوية الحاسمة ليست تحقيق الأهداف الوطنية، وإنما توفير مقومات الصمود والبقاء للشعب والقضية

ويبدو أن جزءاً من الحسابات السابقة ارتبط بإمكانية تبكير الانتخابات الإسرائيلية وتنفيذ خطة ترامب بشأن غزّة، بما في ذلك تخلي حركة حماس عن السلطة ونزع سلاحها ودخول ترتيبات دولية جديدة قبل موعد الانتخابات. لكن هذه الحسابات لم تتحقق، كما أن تقدير ضعف "حماس" أو عدم قدرتها على المشاركة لا يبدو دقيقاً، فالحركة ستشارك من خلال شخصيات غير حمساوية، بل قريبة منها لتجنب اعتقالها أو اغتيالها، وهذا يعكس مدى عدم حرية الانتخابات ونزاهتها، فبعض الاستطلاعات تشير إلى تراجع شعبية حركتي حماس وفتح مع بقائهما قوتين رئيسيتين بدون أن تحصلا مجتمعتين على الأغلبية، فيما يمكن لتحالف انتخابي واسع يضم "حماس" والتيار الإصلاحي (محمد دحلان) وناصر القدوة ومدعوم من "الجهاد الإسلامي" أن يعيد خلط الأوراق بصورة كبيرة.

ويزداد تعقيد المشهد مع احتمال تعدّد القوائم الفتحاوية، واحتمال دعم قيادات وازنة لبعضها، بما فيها القائمة التي قد تحظى بدعم مروان البرغوثي صاحب الفرصة الأعلى بالفوز في الانتخابات الرئاسية إن جرت، الأمر الذي يجعل خوض الانتخابات في ظل تراجع شعبية الرئيس، واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع، والتنافس على الخليفة والخلفاء والخلافة، وتفاقم البطالة والفقر، وعدم انتظام الرواتب، واتهامات الفساد، وفشل البرنامج السياسي، وعجز السلطة عن مواجهة مخططات الضم والتهجير والاستيطان، مغامرة عالية المخاطر.

... يبدو تأجيل الانتخابات محسوماً في ظل عدم وجود حراك انتخابي حقيقي، ولكنه بحاجة إلى اخراج وتوقيت مناسب، خصوصاً أن لجنة الانتخابات لا تريد أن تقدم الغطاء للتأجيل أو منعها إسرائيليا بدعم أميركي، لذا عدم إجراء الانتخابات لا يزال السيناريو المرجّح، ولكن التأجيل إذا لم يترافق مع تغيير في السياسات والأداء وآليات اتخاذ القرار، وإزالة القيود على الترشح، وإنهاء الانفراد بالعملية السياسية والانتخابية، لن يغير الواقع.

ولا ينبغي بناء استراتيجية فلسطينية على انتظار تغيير في الموقف الأميركي أو الإسرائيلي، أو على افتراض أن "حماس" انتهت وأن حكومة إسرائيلية أقل تطرفاً ستتبنى موقفاً مختلفاً جذرياً من الحقوق الفلسطينية، فالمعارضة الإسرائيلية، حتى لو وصلت إلى الحكم، لا تقدم بديلاً يعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، كما أن تركيبتها وبرامجها لا تزال بعيدة جدّاً عن تقديم حل عادل للقضية الفلسطينية. ... المشكلة، إذن، أعمق من موعد الانتخابات؛ إنها مشكلة مسار سياسي كامل وصل إلى طريق مسدود.

يجب الاتفاق على متطلبات الانتخابات الحرة والنزيهة، واحترام نتائجها، ورفع القيود السياسية عن المرشحين

ما المطلوب لاستنهاض الحالة الفلسطينية؟

أولاً: أولوية الصمود والبقاء. ينبغي إدراك حساسية المرحلة، وأن الأولوية الحاسمة ليست تحقيق الأهداف الوطنية، وإنما توفير مقومات الصمود والبقاء للشعب والقضية، وتقليل الخسائر، والحفاظ على المكتسبات المتبقية، وإحباط مخطّط تصفية القضية الفلسطينية، عبر بلورة استراتيجية كفاحية مناسبة وتشكيل قيادة وطنية موحدة واستخدام أشكال النضال المتاحة لوقف الضم والتهجير والإبادة وتوسيع الاستيطان وتهويد القدس وفرض السيادة والفصل العنصري والتطهير العرقي. وفي مقدّمة الأولويات الشروع في إعادة إعمار غزّة.

ثانياً: الرهان على الشعب، لا على النظام السياسي القائم الذي يقف عاجزا بانتظار هبوط الفرج من السماء. ... لقد وصلت مكونات النظام السياسي الفلسطيني، بمختلف اتجاهاتها، إلى طريق مسدود، وأصبح المطلوب فتح المجال أمام الشعب وقواه ومبادراته وحراكاته لإنتاج بدائل جديدة. ولا يعني هذا إسقاط المؤسّسات القائمة أو نزع شرعيتها فوراً، بل تجاوز حالة الانتظار والعجز وبناء حالة مجتمعية وسياسية كفاحية جديدة.

ثالثًا: تغيير المسار وبناء بديل وطني. المطلوب تغيير عميق وشامل لا يقتصر على تغيير الأشخاص، بل يشمل إعادة صياغة المشروع الوطني مع الحفاظ على الأهداف والحقوق والسردية التاريخية، ووضع أهداف يمكن تحقيقها في هذه المرحلة، وإعادة بناء المؤسسات والقيادة، واعتماد استراتيجيات وأشكال نضال مناسبة، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي والميثاق الوطني، واعتماد الديمقراطية التوافقية وتجسيد نموذج مختلف عما هو سائد في مختلف المجالات، وليس في المجال السياسي فقط.

 المطلوب تغيير عميق وشامل لا يقتصر على تغيير الأشخاص، بل يشمل إعادة صياغة المشروع الوطني مع الحفاظ على الأهداف والحقوق والسردية التاريخية

رابعاً: موقف وطني موحد من الانتخابات. يجب الاتفاق على متطلبات الانتخابات الحرة والنزيهة، واحترام نتائجها، ورفع القيود السياسية عن المرشحين، ومطالبة المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا وكندا وبريطانيا، بتوفير ضمانات تمنع الاحتلال من التدخل في العملية الانتخابية أو تعطيلها أو التأثير في نتائجها. وإذا تقرّر التأجيل، يجب أن يكون محدداً بموعد واضح، مع وقف مسرحية "المجمّعات الانتخابية"، والبحث الجدي في جميع الخيارات التي تتيح إجراء انتخابات المجلس الوطني في البلدان التي تسمح بذلك.

خامساً: بناء جبهة وطنية واسعة. الحاجة ملحّة إلى جبهة وطنية تضم أوسع عدد ممكن من القوى والمؤسّسات والشخصيات، ولا تكتفي بمعارضة القيادة الرسمية ونقدها، بل تقدّم بدائل ونماذج عملية في السياسة والاقتصاد والمجتمع والخدمات والتنمية. فالشعب الفلسطيني يواجه حرب إبادة وتهجير في غزّة، وحرب ضم واستيطان وفصل وتطهير عرقي في الضفة والقدس والداخل.

وعلى أي حركة وطنية جديدة أو متجددة تقوم على التغيير والإصلاح أن تحدّد أهدافاً قابلة للتحقيق في هذه المرحلة، وأن تنخرط في المعارك الراهنة، بدل الاكتفاء بالتبشير بما ينبغي أن يكون أو تبرير ما هو قائم. المطلوب خيار وطني واقعي وثوري في آن، يسعى إلى تغيير الواقع من خلال الاعتراف به والتعامل معه لتغييره، من دون الخضوع له أو القفز عنه.

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.