
تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج أعضاء "منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي" الذي يشرف عليه مركز مسارات.
مقدمة
لم يكن خلال جائحة كورونا تفاعل حقيقي بين القطاعات الرئيسية الثلاثة (العام، الخاص، الأهلي) لمواجهة تداعيات الجائحة، وذلك بسبب انعدام الشراكة، مع أن اللجنة الوطنية العليا المشكلة لمواجهة الجائحة تضم في عضويتها القطاعات الثلاثة.
وعلى الرغم من تأكيد أجندة السياسات الوطنية "المواطن أولًا"، (2017-2022)، الصادرة عن الحكومة الفلسطينية، على أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلا أن الحكومة فشلت في وضع خطة وطنية جامعة قائمة على الشراكة بين كافة الأطراف، بما فيها القطاعين الخاص والأهلي في مواجهة أزمة كورونا.
يتشكل المجتمع الفلسطيني من قطاعات متعددة تؤهلها للشراكة، إلا أنه يتمتع بحالة من الخصوصية في ظل السيطرة الاستعمارية من جهة، وبدء تكوين بعض قطاعاته في إطار منظمة التحرير والتجمعات الفلسطينية في الخارج من جهة أخرى، إلى جانب القطاعات الموجودة أصلًا على الأراضي الفلسطينية، أو شُكّلت بشكل متزامن في الداخل تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي، وتطورت في عهد السلطة الفلسطينية، وتنقّلت تلك الخصوصية والإشكاليات بين كل المراحل، من المنظمة إلى السلطة دون علاج، ما يعني وجود علاقة بين القطاعات الثلاثة بنيت على تشوهات هيكلية، ومنعت من تحقيق الشراكة فيما بينها بشكل حقيقي طيلة السنوات الماضية، وظهرت بشكل جلي مع أزمة جائحة كورونا.
يمكن تعريف الشراكة بشكل إجرائي بأنها علاقة من التبادلية والتكاملية بين القطاعات، ضمن إطار قانوني ومؤسسي ناظم، لتحقيق الاستفادة المطلقة من كفاءات وقدرات كل قطاع لتحقيق النتائج المرجوة.
في هذا السياق، اختلف ذوو الاختصاص والباحثون في تحديد طبيعة العلاقة بين القطاعات، التي حددها البعض بعلاقة تعاون، أو علاقة تشابك من وقت إلى آخر[1]، أو نواة قد تؤسس لحالة من الشراكة مستقبلًا[2]، أو علاقة من عدم التوازن. وبالإضافة إلى ذلك، قدّم العديد من الأبحاث والدراسات توجهات لتعزيز الشراكة،إلا أن أثرها كان ضعيفًا في معالجة القصور في طبيعة العلاقة، ويعود ذلك إلى أسباب عدة، منها ضعف الثقة بين الأطراف، وعدم وجود إطار سياساتي ينظم العلاقة، وبالتالي ضعف البيئة القانونية.
تسعى هذه الورقة إلى تحليل العلاقة بين القطاعات الثلاثة في ظل جائحة كورونا، ومن ثم تقديم اقتراحات سياساتية لتعزيز الشراكة بينها.
هدف الورقة
تقديم سياسات تساهم في بناء شراكة بين القطاعات الثلاثة في مواجهة الأزمات بشكل عام، ومواجهة تداعيات جائحة كورونا بشكل خاص، إضافة إلى تحليل كافة أبعاد المشكلة السياساتية، والتعرف إلى تجليات المشكلة خلال الجائحة وتداعياتها على كافة القطاعات.
المشكلة السياساتية
كشف انتشار فيروس كورونا في الضفة الغربية وقطاع غزة عن حجم الثغرات الكامنة في العلاقة بين القطاعات الرئيسية الثلاثة، إذ بعدما جرى تشكيل لجنة الطوارئ العليا التي تضم هذه القطاعات، كانت العلاقة والمشاركة فيما بينها شكلية وليست مبنية على أسس الشراكة الفعلية.
وكشفت أزمة كورونا المشكلة الحقيقية في طبيعة العلاقة بين هذه القطاعات، فالخلل القائم بنيوي، ورغم وجوده استمرت الشراكة بينها طيلة السنوات الماضية بشكل اسمي، دون وجود إطار ناظم ومحدد لهذه العلاقة، مما أدى إلى تشوّه في البنى الذاتية والهيكلية للقطاعات المختلفة.[3]
وظهر أن الأزمة كانت تدار بشكل منفصل في كل من الضفة والقطاع، بدلًا من بلورة إستراتيجية موحدة ترفع قدرات القطاعات المختلفة على مواجهة التداعيات الصحية والاقتصادية والاجتماعية للانتشار المتسارع للوباء، وما يرافقه من إجراءات تمس مختلف جوانب الحياة اليومية للمواطنين.
وبحسب رأي الخبراء، تعاملت الحكومة الفلسطينية مع القطاعين الخاص والأهلي في هذه الأزمة كممول وشريك في تحمل الأعباء، ومنصة لدعم السياسات الحكومية، دون إشراكه في السلطة التنفيذية أو التخطيط ووضع السياسات اللازمة، إلى جانب أن القطاعين الخاص والأهلي لم يستطيعا تقديم نفسيهما أمام القطاع العام بشكل فاعل وحقيقي للحفاظ على مصالحه أمام السياسات الحكومية.[4] لذا، تسعى الورقة لرسم سياسات تعزيز الشراكة بين القطاعات الفلسطينية لمواجهة الأزمات، خاصة أزمة كورونا، بعد تحديد أبعاد المشكلة والتعرف إلى تجلّياتها وتداعياتها.
أبعاد المشكلة السياساتية
إن الإشكالية التي تحاول الورقة السياساتية معالجتها متراكمة مع تحولات بنى القطاعات الثلاثة في المجتمع الفلسطيني منذ زمن، ولها أبعاد متعددة، وهي:
أولًا: البعد السياساتي
تعمل القطاعات بتوجيه سياساتي من قبل الحكومة الفلسطينية، التي أدت هي الأخرى إلى تعميق المشكلة السياساتية على النحو الآتي:
ثانيًا: البعدان القانوني والتنظيمي
هناك إشكاليات قانونية متعددة في طبيعة العلاقة بين القطاعات الثلاثة، مع أن القانون الفلسطيني شرّع الشراكة من حيث المفهوم، من خلال قانون مبدأ الشراكة في الشأن الاقتصادي العام على أساسيات السوق الحر للعام 2003، وقانون الأشغال العامة رقم (6) للعام 1996، وقانون اللوازم رقم (9) للعام 1998 ... وغيرها.[8]
وتبرز الإشكالية القانونية الأساسية في تعطّل المجلس التشريعي بسبب الانقسام، وضعف القوانين وآليات العمل بها، وهذا يظهر في نقاط عدة، ومنها:
وهناك إشكاليات متعددة في الجانب التنظيمي، مثل غياب وجود جهاز تنظيمي ومؤسسي مستقل لمراقبة إنجازات القطاعين الخاص والأهلي ضمن العطاءات والعقود المتعهدة لهما من قبل القطاع العام، وعدم وجود محاكم إدارية متخصصة في التنظيم القانوني للشراكة وعقودها[13]، إضافة إلى غياب وجود هيئات رقابية وتقييمية.
ثالثًا: البعد التخطيطي "إستراتيجية مستدامة لتنمية المجتمع الفلسطيني"
تختلف القطاعات الثلاثة في توجهاتها الرئيسية، فقد طرح القطاع العام والحكومات الفلسطينية المتلاحقة الأجندة والخطط الفلسطينية لبناء الدولة تحت وجود الاحتلال الإسرائيلي. أما القطاع الخاص فيعمل على بناء استثمارات واقتصاد واقع تحت الاحتلال، فيما يسعى القطاع الأهلي للحصول على التمويل الخارجي تحت الشروط السياسية للدولة المانحة، وفي ظل وجود الاحتلال.
يتمثل العامل المشترك المانع لتنمية كافة القطاعات ووصولها إلى رؤية إستراتيجية في وجود الاحتلال الإسرائيلي، إذ لا يسعى أي قطاع للاستقلال، بل تعمل هذه القطاعات تحت هذا التناقض الأساسي في العلاقة فيما بينها.
ويمكن الاستدلال على المشكلة فيما يأتي:
رابعًا: البعد التمويلي "سياسات التمويل"
لا توجد رؤية موحدة ضمن الأهداف الوطنية لقبول التمويل الخارجي الذي يشكل أكثر من 70% من الروافد المالية للسلطة الفلسطينية، وهذا الأمر انعكس على منظمات العمل الأهلي التي لم تستطع بلورة سياسات موحدة بين جميع مؤسساتها لقبول التمويل الخارجي المشروط بأهداف سياسية.
ويمكن الاستدلال على المشكلة من خلال قبول بعض مؤسسات المجتمع الأهلي بشروط الاتحاد الأوروبي الجديدة المقرة في كانون الأول/ديسمبر 2019، على الرغم من تعارضها مع الأهداف الوطنية بشكل واضح.
خامسًا: البعد الاحتلالي
يعمل الاحتلال الإسرائيلي على عدم تكامل الأدوار بين القطاعات، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال تضييق الحيز السياساتي المتاح للقطاعات لإعداد السياسات والخطط التنموية على أرض الواقع، بما يخدم وجود الاحتلال فقط، وهذا يظهر في:
سادسًا: البعد الهيكلي للقطاعات
بنيت القطاعات في إطار هياكل مشوهة، ويمكن الاستدلال على المشكلة من خلال ما يأتي:
أثر كل ما سبق بشكل مباشر على طبيعة الشراكة في مواجهة الأزمات التي تمر بها القضية الفلسطينية، وخاصة أزمة كورونا، لا سيما أن البعد القانوني الذي يشكل حجر الأساس لبناء الشراكة مليء بالإشكالات
وأدت هذه الإشكاليات السابقة إلى خلق قطاعات ضعيفة بنيويًا ومتعاظمة، وتنمو بسرعة كبيرة في ظل هياكل مشوهة، إذ بلغ عدد مؤسسات القطاعين الخاص والأهلي أكثر من 145 ألف مؤسسة[23]، إلى جانب مؤسسات القطاع العام، لكن تأثيرها ضعيف وغير قادرة على مواجهة الأزمات المحدقة بالمجتمع الفلسطيني بالشكل المطلوب.
وعلى الرغم من وجود أشكال وأنواع متنوعة للشراكة إلا أنها آنية وليست ضمن رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، مثل شراكات استثمارية أو شراء خدمة. أما المشاريع الإستراتيجية ذات الإطار الزمني الطويل، فحسب ما أعلنت البلديات أن 12.6% من مشاريعها الكبيرة تنفذ بالشراكة مع القطاع الخاص، وقد باشرت بحوالي نصف هذه المشاريع بعد العام 2001.[24] وعند قياس أثر هذه المشاريع على أرض الواقع يكون ضعيفًا جدًا مع احتياجات التنمية المطلوبة في ظل وجود الاحتلال الإسرائيلي.
وخلق أزمة من الثقة بين جميع القطاعات عدم وجود إطار ناظم للعلاقة فيما بينها، وما ينظمها أهواء شخصية وسياسية وحزبية، إلى جانب رؤية كل قطاع للآخر، فمثلًا تسود رؤية القطاع العام على أن إطاره السياساتي محدود وغير فعّال، أما القطاع الخاص فيبحث عن الأرباح والاستثمارات فقط، فيما يعمل القطاع الأهلي لصالح أجندة شخصية وضمن رؤية التمويل الخارجي.
القطاعات الفلسطينية بين منظمة التحرير والسلطة الوطنية
ارتهنت القطاعات الفلسطينية للسياق التاريخي والسياسي لدولة فلسطين، فكان عملها يأتي كانعكاس للمستجدات السياسية، ما خلق حالة من الخصوصية في تكوينها في ظل غياب الدولة ووجود الاحتلال الإسرائيلي.
ونتيجة لذلك، نجد أن عمل القطاع الأهلي سبق القطاع العام، ليكون دوره كتعويض جزئي عن غياب الدولة ومؤسساتها في تقديم الاحتياجات الاجتماعية والإنسانية.
ساهمت منظمة التحرير بإنشاء العديد من الهيئات والاتحادات والنقابات التابعة لها، لتكون بمنزلة أذرع اجتماعية للفصائل السياسية، ومع قيام الانتفاضة الأولى بدأت مؤسسات المجتمع الأهلي تنتقل إلى مرحلة التحضير للدولة وبناء المجتمع.[25] واتسم العمل الأهلي خلال هذه الفترة بالسرية والتعقيد بسبب الاحتلال، إلى جانب أن منظمات المجتمع المدني أخذت طابعًا أهليًا، حيث لعبت العلاقات العائلية والعشائرية والتنظيم الحزبي دورًا في تأسيسه، فضلًا عن اللامركزية وغياب المؤسسية في ظل التشتت الفلسطيني.
ومع مجيء السلطة الفلسطينية، خلق هذا التحول واقعًا اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا جديدًا، الأمر الذي انعكس في التحول البنيوي والأيدلوجي لمؤسسات القطاع الأهلي بسبب الاشتراط السياسي للتمويل الخارجي، وتحويل غالبه للسلطة الفلسطينية، ما خلق حالة من التنافسية بين القطاعين العام والأهلي حول الدور والمجال في تقديم الخدمات.[26]
وتم تنظيم عمل القطاع الخاص من جديد بعد جذب الشركات والمستثمرين الفلسطينيين لإنشاء الشركات الكبرى، مثل شركة الاتصالات، وشركة إنتاج وتوزيع الكهرباء، ما أدى إلى انتعاش القطاعات السياحية والمصرفية والخدمية.
ترافقت فترة تشكيل القطاعين العام والخاص مع وجود العديد من الإشكاليات، التي ظهرت في الفساد الإداري والمؤسسي، بحسب تقرير الرقابة العامة للعام 1996، الذي كشف عن مؤشرات لوجود فساد إداري، منها غياب الهيكل التنظيمي، وغياب المؤسسية، ووجود تضخم وظيفي، وتداخل الصلاحيات الممنوحة، وغموض الاختصاصات.[27]
تضمنت خطط التنمية الحكومية المتلاحقة منذ العام 2008 مبدأ الشراكة مع القطاع الخاص، لكن دون وجود إجراءات تنفيذية واضحة للشراكة، ويظهر ذلك في استمرار تكرار مطالب القطاع الخاص في كافة مؤتمرات الحوار الوطني مع القطاع العام منذ العام 2000 حتى حكومة محمد اشتية الحالية، التي كان أبرزها: خلق بيئة قانونية، وتطوير التشريعات المتعلقة بالشراكة، ومأسسة العلاقة بين القطاعين، والتعامل معه كشريك.[28]
وشكّل الانقسام السياسي عاملًا جديدًا يعيق عملية التنمية في المجتمع الفلسطيني، بسبب ازدواجية السياسات بين حكومتين، لتطال تداعياته كافة القطاعات بشكل سلبي.
القطاعات وجائحة كورونا
جرى تشكيل هيكل لإدارة الأزمة لمواجهة فيروس كورونا في الأراضي الفلسطينية، بعد صدور المرسوم الرئاسي الأول لحالة الطوارئ في آذار/مارس 2020، وتضمن الهيكل ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: مستوى سياسي ممثلًا بالرئيس، ورئيس الوزراء، والقيادة السياسية، ولجنة الطوارئ العليا ممثلة برئاسة الوزراء. وكانت القرارات تصدر من خلال هذا المستوى، مثل إعلان حالة الطوارئ وما يتبعها من قرارات إغلاق.[29] وتضمنت لجنة الطوارئ العليا 22 وزيرًا، و6 مؤسسات حكومية غير وزارية، إلى جانب 38 شريكًا آخر من القطاعات الأخرى.[30]
المستوى الثاني: مستوى تنفيذي مكون من الأجهزة الحكومية المدنية والأمنية والمحافظين عن كل محافظة، مع لجان فرعية في المحافظات والبلدات من التنظيمات والأحزاب.
المستوى الثالث: المستوى الإعلامي.
وعملت الحكومة في هيكل إدارة الأزمة ضمن نموذج "الإستراتيجية الصارمة والتوازن بين الصحة والاقتصاد"، لكن كانت الأولوية للتدابير الصحية والوقائية على النحو الآتي:
فرض إجراءات التباعد الاجتماعي، وتطبيق الحجر الصحي المنزلي، ومنع التجمعات، وإغلاق المناطق الموبوءة، إلى جانب إغلاق كافة المعابر والحدود، وإغلاق كافة القطاعات باستثناء القطاعات الحيوية، مثل الصحة والأمن وسلاسل التوريد.
وكانت هذه الأولوية على حساب خسائر القطاعين الخاص والأهلي، اللذين يشغلان أكثر من 66% من العمال، و90% من الاقتصاد الفلسطيني ككل، إذ أُغلق 74% من منشآت القطاع الخاص، ما أدى إلى تعطيل أكثر من 320 ألف عامل في الضفة والقطاع.[31]
وعلى الرغم من أن الحكومة الفلسطينية وضعت ضمن المعايير الأساسية لنموذج إدارة الأزمة، تكامل الشراكات مع القطاعين الأهلي والخاص، لكن ظهر أنه لم يُشْرَكَا في كافة الجهود والإجراءات والسياسات المتخذة، على الرغم من تأكيد إشراكهما في كافة القرارات والسياسات.[32]
في المقابل، لم يقم القطاع الخاص بواجباته بشكل وطني ومسؤول على أكمل وجه، وظهر ذلك في صندوق "وقفة عز"، الذي هدف إلى تركيز الجهود الوطنية للمساهمة في مواجهة تداعيات أزمة كورونا، ووضعت الحكومة هدفًا بوصول التبرعات إلى أكثر من 20 مليون دينار أردني، لكن الصندوق لم يجمع حتى 9/5/2020 سوى 11 مليون دينار.[37]
كما أن عددًا قليلًا من المنشآت (حوالي 13%) التزمت بدفع أجور العاملين أثناء الإغلاق، أما الغالب منها فلم يلتزم بقرار الحكومة بالدفع للعاملين أثناء تعطلهم القسري.[38]
وكشفت الجائحة عن هشاشة القطاع الخاص الفلسطيني في امتصاص صدمة الجائحة، إلى جانب أن تمثيله أمام الحكومة لم يكن جامعًا وشاملًا للمطالبة بحقوقه.
وعلى صعيد القطاع الأهلي، اعتبر أن الحكومة أدارت ظهرها لمؤسسات المجتمع المدني[39] فيما يتعلق برسم السياسات الوطنية، وتهميشها من المشاركة في وضع هذه الخطط، معتبرًا أنه يتم تهميشه من الوسط السياسي والحكومة[40]، في ظل توقف التمويل الخارجي.
كما أن القطاع الأهلي لم تكن لديه رؤية موحدة حول آلية العمل في ظل الجائحة، وغياب التنسيق بين مؤسساته، ولم يكن دوره فاعلًا في رفض تمديد حالة الطوارئ لأكثر من 6 أشهر خلافًا للدستور الفلسطيني، أو في حملة الاعتقالات على خلفيات سياسية أثناء فترة الإغلاق.
وظهر غياب التنسيق والتواصل الفعّال بين جميع الأطراف بعد إصدار المرسوم الوزاري في كانون الأول/ديسمبر 2020 القاضي بالإغلاق التام في كافة المحافظات، وتخفيض القوة الإنتاجية في كافة القطاعات إلى 50%، الأمر الذي ووجه بالرفض من ممثلي القطاع الخاص، وخروج تظاهرات في مدينة الخليل مناهضة لقرارات الحكومة[41]، إلى جانب أزمة توزيع اللقاحات التي وزعت على وزراء الحكومة ورجال الأمن وغيرهم من الفئات دون أي معايير صحية.
البدائل السياساتية
تقدم الورقة ثلاثة بدائل أساسية من شأنها تعزيز الشراكة بين القطاعات، وما صاحبها من إشكاليات وتشوهات بنيوية لمأسسة تلك القطاعات، وإعادة هيكلتها قانونيًا ومؤسسيًا.
المعايير العامة:
البديل الأول: إعادة هيكلة القطاعات الثلاثة
لا يمكن الشروع في حوار حول الشراكة بين القطاعات الثلاثة دون العمل على إعادة هيكلتها من الداخل، بحيث يؤدي كل منها الدور المنوط به تبعًا لاحتياجات المجتمع. وهو ما يعني بناء إطار شراكة يحظى بقبول القطاعات الثلاثة ويلائم تدخلاتها بما يعود بالمنفعة على المجتمع. ويضاف إلى ذلك، أن إعادة هيكلة القطاعات تتطلب حوارًا مستدامًا حول تعزيز العلاقة والعمل المشترك.
وفي هذا الإطار، يطرح البديل إعادة هيكلة القطاعات الثلاثة على النحو الآتي:
أولًا: إعادة هيكلة القطاع العام
إن تعزيز الشراكة الفاعلة بين القطاعات تبدأ من إعادة هيكلة القطاع العام باعتباره الناظم وواضع السياسات للقطاعات الأخرى، فهو صاحب المسؤولية عن المجتمع. ويبرز ذلك في أجندة السياسات الوطنية "المواطن أولًا"، وبالتحديد سياسة "الإصلاح وتحسين جودة الخدمات العامة"، التي تضمنت إصلاح هيكلة الهيئات المحلية، وتحقيق مبدأ الشراكة مع القطاع الخاص. وبالتالي، إعادة هيكلة القطاع العام وشموليته للإجراءات والقوانين الناظمة هو أساس عملية الشراكة لباقي القطاعات.
تؤدي وضوح هيكلة القطاع العام إلى وضوح إطار الشراكة مع القطاعات الأخرى، ولتحقيق هذه الهيكلة يتطلب العمل في الاتجاهات الآتية:
البنى التحتية المادية والرقمية
القوانين والتشريعات
أدلة الإجراءات وجودة الخدمات
السياسات المالية
ثانيًا: إعادة هيكلة القطاع الخاص
تأتي أهمية القطاع الخاص الفلسطيني في أنه يمثل قوة محركة للاقتصاد الفلسطيني، إذ يشغل أكثر من 60% من العمالة الفلسطينية، ويساهم بنحو 80% من الإيرادات الضريبية في الضفة والقطاع غزة.
سياسات لإعادة هيكلة القطاع الخاص من خلال ما يأتي:
ثالثًا: إعادة هيكلة القطاع الأهلي
على الرغم من أن القطاع الأهلي يُمثّل في بعض التجمعات، مثل "شبكة المنظمات الأهلية"، إلا أن حوار الشراكة مع القطاعات الأخرى ليس واضحًا بما يكفي، فضلًا عن أن الحكومة تولي اهتمامًا للحوار مع القطاع الخاص أكثر منه في القطاع الأهلي، رغم أهمية التدخلات التي يقوم بها هذا القطاع مع كافة الفئات بشكل عام، والفئات الهشة بشكل خاص، وحتى إن وجد شكل من أشكال الحوار بين القطاعين الحكومي والقطاع الأهلي فيكون ضمن حالات من التعاون لا ترقى إلى مستوى الشراكة الحقيقية في تصميم التدخلات واتخاذ القرارات.
لذلك، يتوجب على القطاع الأهلي تبنى السياسات الآتية:
البديل الثاني: العمل في إطار سياساتي ناظم لعلاقة شراكة آنية
إن معالجة التشوه البنيوي بين القطاعات من أجل تأسيس شراكة حقيقة وفعالة بحاجة إلى جهد ووقت، لكنه من غير الممكن الانتظار حتى إنهاء الانقسام، ووضع الأطر التشريعية والقانونية الناظمة لتلك الشراكة، دون الاستمرار في العمل. وبالتالي، يؤطر هذا البديل إلى بناء إطار سياساتي آني ناظم للعلاقة بين القطاعات، مما يسهم في تأسيس شراكة حقيقية ودائمة بينها، ويمكن البدء باعتماد هذا الإطار بشكل أولي للشراكة الإستراتيجية.
يتطلب هذا البديل بشكل أساسي ما يأتي:
البديل الثالث: إطار تنسيقي (إطار خاص بعمل القطاعات الثلاثة)
يؤطر هذا البديل إلى بناء منظومة مستقلة، يؤسس لها الخبراء والأكاديميون، من أجل إقامة منظومة من البحث العلمي والإبداع.
إن تأسيس تلك المنظومة يتطلب اتخاذ الإجراءات الآتية:
المفاضلة بين البدائل
إن إعادة هيكلة القطاعات يتطلب العمل بالتوازي، بدءًا بتنظيمه في القطاع العام، فهو القطاع المسؤول عن تنظيم الحوار والشراكة، وانتهاءً بمأسسة الإطار التنسيقي بينها، غير أن الظروف السياسية الآنية، تمنع إقامة الإطار، خاصة في ضوء جائحة كورونا. لذلك، تقترح الورقة البدء بتنفيذ البديل الثاني الذي يرسم سياسات آنية للشراكة بين القطاعات، ومن ثم تنفيذ البديلين الأول والثالث بشكل متوازٍ.
الهوامش
[1] مقابلة هاتفية مع حسن أبو لبدة، وزير اقتصاد سابق، 26/5/2020.
[2] مقابلة هاتفية مع محمود صبرة، أكاديمي في جامعة الأزهر، غزة، 28/5/2020.
[3] المصدر السابق.
[4] المصدر السابق.
[5] الشراكة بين القطاعين العام والخاص على مستوى البلديات، نيو فيجن New Vision Management، تشرين الأول/أكتوبر 2009.
[6] مقابلة هاتفية مع حسن أبو لبدة، مصدر سابق.
[7] البنك الدولي: 760 مليون دولار عجز الموازنة الفلسطينية بعد تسلم "المقاصة"، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 24/11/2020: bit.ly/3csKQiU
[8] بلال البرغوثي: السياسات التشريعية في فلسطين والتوجه نحو الشراكة بين القطاعين، برنامج الإصلاح الديمقراطي المحلي - تواصل، وزارة الحكم المحلي، أيلو/سبتمبر 2009: bit.ly/35tfoNs
[9] أمجد غانم، الشراكات القطاعية القائمة في تقديم الخدمات العامة والبلدية على مستوى الهيئات المحلية، شركة النخبة للاستشارات الإدارية، كانون الأول/ديسمبر 2009: bit.ly/3pYIhuj
[10] المصدر السابق.
[11] مقابلة هاتفية مع وائل الداية، مستشار تنمية اقتصادية محلية، غزة، 30/5/2020.
[12] بلال البرغوثي، السياسات التشريعية في فلسطين، مصدر سابق.
[13] المصدر السابق.
[14] مقابلة هاتفية مع حسن أبو لبدة، مصدر سابق.
[15] مقابلة هاتفية مع محمود صبرة، مصدر سابق.
[16] المصدر السابق.
[17] المصدر السابق.
[18] رجا الخالدي، تنافسية القطاع الخاص الفلسطيني: تحليل من منظور اقتصادي سياسي، معهد أبحاث السياسات الفلسطينية (ماس)، رام الله، 2018: bit.ly/3wulVmV
[19] المصدر السابق.
[20] المصدر السابق.
[21] الشراكة بين القطاعين العام والخاص على مستوى البلديات، مصدر سابق.
[22] سائد أبو عدوان، دور منظمات المجتمع المدني الفلسطيني في تعزيز التنمية البشرية، (رسالة ماجستير)، جامعة النجاح الوطنية، 2013.
[23] الإحصاء الفلسطيني يصدر بيانًا صحفيًا حول واقع مؤسسات القطاع الخاص والأهلي، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 27/10/2020: bit.ly/2TakICz
[24] الشراكة بين القطاعين العام والخاص على مستوى البلديات، مصدر سابق.
[25] عبد الرحمن التميمي، مؤسسات العمل الأهلي والتمويل: رؤية نقدية، السفير العربي، كانون الثاني/يناير 2011: bit.ly/3gkyri3
[26] رنا النشاشيبي ويحيى حجازي، الدور الوطني والاجتماعي لمؤسسات العمل الأهلي في فلسطين، المركز الفلسطيني للإرشاد، 2006: bit.ly/3v4dL3d
[27] عزيز كايد، تداخل الصلاحيات في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، حزيران/يونيو 1999.
[28] مؤتمر الحوار الرابع بين القطاعين العام والخاص، جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين، 5/2/2014: bit.ly/3x1GG9s
[29] إدارة حالة الطوارئ الفلسطينية أثناء أزمة الوباء العالمي "كورونا – كوفيد 19"، مجلس الوزراء الفلسطيني، 15/6/2020: bit.ly/3pAKeNw
[30] بلال ستيتي وتهاني قاسم ومحمود هنية، سياسات فعالة لبناء نظام وطني لإدارة المخاطر في فلسطين، المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)، 23/5/2020: bit.ly/351T11r
[31] الخسائر والخاسرون في جائحة كورونا، مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية، 13/7/2020: bit.ly/3pA7Xxb
[32] مقابلة هاتفية مع شاكر خليل، مستشار رئيس الوزراء الاقتصادي، 1/6/2020.
[33] مقابلة هاتفية مع بسام ولويل، مدير اتحاد الصناعات الفلسطينية، 1/6/2020.
[34] مؤسسات القطاع الخاص بالضفة الغربية تخشى تكبُّد خسائر كبيرة، فلسطين أونلاين، 20/12/2020: bit.ly/3v3S8QI
[35] في ظل كورونا .. القطاع الصحي الفلسطيني ينهار بسبب سياسات الحكومة، صحيفة الحدث، 27/10/2020: bit.ly/2TfIYmH
[36] إدارة حالة الطوارئ الفلسطينية، مصدر سابق.
[37] أحمد عز الدين أسعد، "البلد بحمِلها أهلها": صندوق وقفة عز، تفاؤل العقل وتشاؤم الإرادة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 18/5/2020: bit.ly/2Tas1dE
[38] الخسائر والخاسرون في جائحة كورونا، مصدر سابق.
[39] تأثير جائحة كورونا وحالة الطوارئ على عمل مؤسسات المجتمع المدني في قطاع غزة، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، 26/11/2020: bit.ly/3glNLuJ
[40] المصدر السابق.
[41] قرارات مجلس الوزراء الفلسطيني، مجلس الوزراء الفلسطيني، 7/12/2020.
[42] أمجد غانم، الشراكات القطاعية القائمة، مصدر سابق.