310     

لم تكن الضربة الإسرائيلية لإيران مجرد مغامرة عسكرية بحتة، بل رهانًا استراتيجيًا على إمكانية تغيير قواعد اللعبة في المنطقة بضربة مباغتة، تشل قدرات إيران النووية وتقوض نظامها من الداخل خلال أقل من أربع وعشرين ساعة. غير أن الحسابات لم تصمد أمام الواقع. ما حسبته إسرائيل ليلة خاطفة، تحول إلى كابوس صاروخي متدحرج، يطرق العمق الإسرائيلي بقوة ودقة، ويكشف هشاشة منظومتها الدفاعية التي طالما تغنت بها.  

هنا انقلب السحر على الساحر. فبدل أن تكون الحرب مدخلًا لتكريس الهيبة الإسرائيلية، صارت تهديدًا مباشرًا لوجودها. فإيران، على عكس ما ظن المخطط الإسرائيلي، امتصت الصدمة وامتنعت عن الانهيار، بل بادرت بهجوم صاروخي واسع، يمتلك زخمًا يمكنه الاستمرار لفترة طويلة. وفي حين تفتقر إسرائيل إلى عمق جغرافي يمكن أن يؤهلها للصمود، فإن إيران تملك جبهة مترامية وقدرة على المناورة والردع، تجعل الحرب الطويلة ساحة استنزاف لا تُحتمل بالنسبة لتل أبيب.  

وإذا كانت إسرائيل قد نشأت في الأصل كمشروع غربي لفرض تفوق عسكري في الشرق الأوسط، فإنها أيضًا بنيت على قاعدة وهمية من "الرفاهية والأمن" كشرط لبقاء المستوطنين اليهود. فحين تنكسر هذه المعادلة، وتصبح الحياة في إسرائيل شبيهة بالملاجئ الدائمة، تبدأ موجات الهجرة العكسية، ويتصدع المشروع من داخله. لهذا، فإن حربًا طويلة لا تعني فقط هزيمة عسكرية، بل بداية زوال فكرة إسرائيل نفسها.  

ومن هذه الزاوية، لم يكن أمام إسرائيل سوى الاستنجاد بالولايات المتحدة، لإدخالها شريكًا وربما ضامنًا في معركة وجود لم تعد تملك مفاتيحها. لكن أمريكا، التي خبرت مرارة التدخلات العقيمة في فيتنام، وأفغانستان، والعراق، تدرك جيدًا أن التفوق التكنولوجي لا يعني النصر، وأن الحروب التي لا تُخاض بجنود على الأرض، ولا تُحسم بثواني جوية، هي حروب لا مخرج منها إلا بالخسارة.  

ثم إن إيران لم تكتف بالرد على إسرائيل فقط، بل لوّحت بقوة نحو القواعد الأمريكية في الخليج، في رسالة مفادها أن دخول واشنطن لن يكون بلا ثمن. وهنا، تقع الإدارة الأمريكية في مأزق المعادلة المستحيلة: هل تحارب من أجل إسرائيل وتغامر بضرب مصالحها الاستراتيجية؟ أم تتراجع وتترك إسرائيل لمصيرها، معلنة بداية انفكاك التحالف غير المشروط؟ فحتى لو دخلت الولايات المتحدة، فإن احتمال انسحابها يبقى قائمًا، كما فعلت في اليمن حين اكتشفت أن الأفق مغلق. وإن تكررت التجربة، فقد تكون أولى لحظات الانفصال العملي عن إسرائيل، أو على الأقل بداية لتغيير جوهري في طبيعة العلاقة معها.  

إسرائيل إذًا لا تواجه فقط صواريخ إيران، بل تواجه معادلة جديدة تتجاوز الميدان، وتضرب في عمق الفكرة نفسها اذ كيف يمكن لدولة لا تملك عمقًا جغرافيًا ولا حاضنة إقليمية ولا مشروعًا عادلًا أن تصمد في حرب مفتوحة؟ وهل تملك إسرائيل ترف البقاء إذا كانت كل مقومات بقائها تنهار؟

 إنها لحظة الحقيقة التي طالما حاول الغرب تأجيلها. لكن الحرب حين تقع، لا تنصت للخطابات، بل تكشف التصدعات. وما نراه اليوم ليس مجرد اشتباك إقليمي، بل امتحان لفكرة إسرائيل نفسها: فكرة الدولة التي لا تقهر. وحين تُكسر هذه الفكرة، لا تكون الهزيمة مجرد تراجع، بل زوال تدريجي لمشروع لم يُبْنَ على شرعية، بل على خوف او تأمر الآخرين.

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.