
ليلى شهيد: كم هو مؤلم رحيلك!
حين تذكر النساء الفلسطينيات اللواتي لعبن دورًا سياسيًا مؤثِّرًا على الصعيد الدولي؛ نذكرك،
وحين تذكر النساء الفلسطينيات اللواتي جمعن بين السياسة والثقافة نذكرك،
وحين تذكر أكثر الشخصيات الفلسطينية الدبلوماسية حضورًا وتأثيرًا؛ نذكرك،
وحين تذكر الشخصيات الفلسطينية التي بنت جسور تواصل مع النخب الفكرية والسياسية الأوروبية بشكل عام، والفرنسية بشكل خاص؛ نذكرك.
وحين تذكر الشخصيات الفلسطينية، التي مثّلت منظمة التحرير الفلسطينية أروع تمثيل؛ نذكرك.
غبتِ جسدًا يوم 18 شباط 2026، وبقي صوتك الحرّ يرنّ في آذاننا وآذان العالم:
"العدالة هي القضية الفلسطينية، والحق هو المساواة، والمقاومة هي الحياة، والحرية هي السماء".
*****
ولدت ليلى شهيد في بيروت، يوم 13 تموز 1949، وفتحت عينيها على جوّ متعدد الثقافات واللغات والاتجاهات، الأمر الذي ساهم في تكوينها الثقافي.
كان والدها الطبيب "منيب جلال شهيد" (1908-1973) إيرانيّ الأصل، ولد في عكا، ودرس الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، وتخرّج منها العام 1937، وعمل فيها رئيسًا لقسم أمراض الدم والأورام.
وكانت والدتها الكاتبة والمبدعة "سيرين جمال الحسيني" (1920-2009)؛ فلسطينية، ولدت في القدس، لوالد صحفي وسياسي وأديب، كان رئيسًا للحزب العربي الفلسطيني، الذي تأسس العام 1935، وعضوًا في اللجنة العربية العليا، التي تشكّلت برئاسة الحاج أمين الحسيني العام 1936، واضطرّ إلى اللجوء سرًا إلى لبنان العام 1937، بعد ملاحقة السلطات البريطانية له؛ الأمر الذي أتاح لابنته سيرين الالتحاق بالجامعة الأمريكية في بيروت، والتخرّج منها العام 1941، ثم الزواج بالطبيب منيب شهيد، العام 1944.
درست الصبية في المدرسة البروتستانتية الفرنسية في بيروت، وقدّمت امتحانات شهادة البكالوريا، يوم العدوان الإسرائيلي العام 1967 على الضفة الغربية لنهر الأردن، وقطاع غزة، وسيناء والجولان، واحتلال ما تبقّى من أرض فلسطين، والجولان وسيناء، مما تسبّب في صدمة عنيفة لها وللشعب العربي.
ولاستكمال دراستها التحقت بالجامعة الأمريكية في بيروت (1968-1971)، حيث شهدت الجامعة ولادة حركات طلابية سياسية وثقافية، وجيلًا من القيادات السياسية الفلسطينية والعربية، التي ساءلت الوضع العربي المتردّي، وناقشت كيفية مواجهة التحدي الإسرائيلي على كل المستويات، وطرحت أهمية الانتماء لتنظيمات المقاومة الفلسطينية، والتدرّب على حمل السلاح.
التحقت ليلى شهيد بحركة فتح، العام 1968، ونشطت ضمن صفوف اتحاد الطلاب الفلسطيني، ومركز الإعلام الخارجي تحديدًا، أثناء دراستها الجامعية.
ومكّنتها لغتها الفرنسية الرفيعة من مرافقة الوفود الإعلامية الفرنسية المتضامنة مع فلسطين، ومن إصدار نشرة فتح الإخبارية "الثورة الفلسطينية"، باللغة الفرنسية، في بيروت.
أكملت الشابة دراستها العليا في الجامعة الأمريكية في بيروت، لتحصل على شهادة الماجستير، في الأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، العام 1976، وعنوان رسالتها: "الهيكلية الاجتماعية للمخيّمات الفلسطينية"، مما يتوافق مع اهتمامها بأوضاع الفلسطينيين المهجّرين في المخيمات الفلسطينية، في لبنان.
ولمتابعة وتطوير بحثها حول اللاجئين الفلسطينيين، ولنيل شهادة الدكتوراة في الأنثروبولوجيا؛ التحقت بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس (EPHE)، لتقدّم أطروحة حول البنية الاجتماعية لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
لكنها لم تستكمل دراستها؛ بل كرّست أكثر وقتها ونشاطها للعمل النقابي في أوساط الطلبة؛ مما يفسّر انتخابها العام 1976 رئيسة للاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا، بالإضافة إلى تعاونها مع الشهيد د. عز الدين القلق؛ مفوّض منظمة التحرير الفلسطينية في باريس، الذي اعتبرته أستاذًا لها.
تزوجت العام 1977، وانتقل مقرّ إقامتها إلى المغرب مع زوجها الناقد الأدبي د. محمد برادة، حيث أقامت عشر سنوات، نسجت خلالها علاقات سياسية وثقافية متميزة مع الوسط الثقافي والسياسي المغربي.
*****
ربطت ليلى شهيد علاقة سياسية متميزة بالرئيس ياسر عرفات، منذ التقته العام 1968. كان أباها الروحي، كما عبّرت، حيث رأت فيه رمزًا لانتعاش الشعب الفلسطيني، والاعتراف به على الصعيدين العربي والدولي.
عيّنها القائد أبو عمار، العام 1989 ممثلة لمنظمة التحرير الفلسطينية في إيرلندا، ثم العام 1990، في هولندا، والدنمارك، وبين الأعوام 1993-2005 في فرنسا، لتكون المفوّضة العامة لفلسطين، وبعدها، ومنذ العام 2006، وحتى العام 2014؛ شغلت موقع المفوّضة العامة لفلسطين، لدى الاتحاد الأوروبي، وبلجيكا ولوكسيمبورغ، إلى أن قدّمت استقالتها من مواقعها الديبلوماسية العام 2015.
ولإيمانها بأن الثقافة هي قلب السياسة؛ كرّست وقتها بعد الاستقالة للعمل الثقافي؛ ترأست جمعية أصدقاء معهد العالم العربي في باريس العام 2016، وأصبحت رئيسة فخرية لكرسي محمود درويش، في بلجيكا، العام 2017، بالإضافة إلى أنها كانت عضوة في مجلس أمناء جامعة بيرزيت، و نائبة رئيس مجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
*****
عملت الرائدة كاللولب، وشكّلت نموذجًا للتفاني والإخلاص لقضيتها وشعبها. آمنت إيمانًا راسخًا بدور الإعلام في نشر الرواية الفلسطينية التاريخية، عبر اللغة الهادئة - المسلّحة بالقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وقرارات الأمم المتحدة - والممتزجة بالثقة بعدالة قضيتها، وحق شعبها بالحياة الحرّة الكريمة، والسلام العادل؛ الأمر الذي جعلها تقدم بشجاعة وثقة على الخوض في أي مناظرة سياسية تدعى إليها، ومن ضمنها أي لقاء مع سفير لدولة الاحتلال أو أي شخصية إسرائيلية. كما بنت علاقات وطيدة بينها وبين العديد من السياسيين والكتاب والأدباء والمفكرين، في كل مكان أقامت فيه؛ مما جعلها من أكثر الأصوات الفلسطينية تأثيرًا في الإعلام الغربي.
كما انها قدّمت صورة مشرقة وإيجابية للمرأة العربية، لم يعهدها الغرب؛ الأمر الذي أضاف ميزة إيجابية للرائدة في الإعلام.
*****
ليلى شهيد، الرائدة الديبلوماسية والإنسانة،
دافعتِ طيلة حياتك عن قيم الحرية والمساواة والديمقراطية، وأكّدتِ أن هذه القيم هي التي جمعتك بالصداقات الحقيقية؛ صداقة قامات ثقافية وأدبية: محمود درويش، وإدوارد سعيد، والياس خوري، وجان جينيه، الذي رافقتِه في زيارة لمخيمي صبرا وشاتيلا، إثر المذبحة العام 1982، الأمر الذي مكّنه في العام ذاته، من كتابة شهادة بالغة الأهمية، بعنوان: "أربع ساعات في شاتيلا".
أكّدتِ أنك لم تعملي بقضية فلسطين كمهنة، وعبّرت عن ذلك أجمل تعبير: "قلتُ إنني سأتقاعد في العام 2015؛ لكن المرء لا يتقاعد عن قضية يدافع عنها".
ورغم أنكِ تركتِ العالم قبل أن تشهدي قيام الدولة الفلسطينية، كما تمنيتِ؛ لكنك وضعت لبنة في بنيان هذه الدولة. وسوف تواصل الأجيال الفلسطينية مسيرة الكفاح الطويلة؛ نساء ورجالًا، بإصرار وعناد، وبإيمان وثقة لا تتزعزع بحقهم، وبعدالة قضيتهم وحتمية انتصارها.
سوف تفتقدك الثقافة الفلسطينية، والعمل السياسي، والمحافل العربية والدولية، والأهم من ذلك؛ سوف يفتقدك شعبك الوفي. سوف نفتقدك جميعًا.