
قراءة مقالك الأخير يا يحيى كانت تجربة مختلفة هذه المرة، تجربة تحمل مزيجا من القلق والاطمئنان، ومن الألم والفكر العميق.
بداية، دعني أهنئك بالسلامة بعد هذه الرحلة الصعبة بين التشخيص والقسطرة والجراحة. ليست مجرد تهنئة عابرة، بل اعتراف بما اختبره قلبك، وما تعلمناه نحن من خلال كلماتك: أن القلب ليس مجرد عضلة، بل ذاكرة حيّة، ومساحة تجمع الحرب والسلام، الوطن والمنفى، الألم والضحك، الحياة والموت.
لقد افتقد متابعوك - وأنا منهم - مقالاتك الفكرية والسياسية والإبداعية خلال الفترة الماضية، وقلنا لأنفسنا ربما كان رمضان وانشغالاته سببا في تأخير كتاباتك كما عودتنا دوما على التفاعل العميق. إلا أن مقالك الأخير جاء ليذكرنا أن لا شيء يمكن أن يمنعك من تحويل تجربة شخصية إلى درس. قلبك، رغم كل التعب، ما زال يكتب ويبتكر ويغذي عقولنا كما يروي التاريخ والواقع.
في مقالك، هناك لحظات صامتة لكنها صاخبة في معناها: من الألم المفاجئ في صالة الرياضة، إلى وجود الأبناء حولك، ورؤية نجوان ومناف وعمر، وصولا إلى اللحظة التي يُفتَح فيها قلبك في غرفة العمليات… كلها مشاهد لم تقتصر على الجانب الطبي، بل كشفت فلسفة الحياة نفسها: أن الموت ليس عدوا، بل حقيقة، وأن الحياة ليست وعدا طويلا، بل سلسلة من اللحظات التي تحتاج من الإنسان أن يختار فيها الاستمرار.
نحن يا يحيى أبناء جيل صادق الموت وألفه، وعاش حياة مضافة كما كان يقول لي زوجي كلما أبديت خوفي من الفقدان، لكثرة اختبارات الموت التي عايشناها على مدى نصف قرن، حيث يحمل الفلسطيني الذي سكنه الوطن روحه على راحته.
ما لفتني في مقالك هو قدرتك على نسج تجربة شخصية مع سياق سياسي وفلسفي: اعتقالك المبكر، المنفى، الحرب، التشرد، أوسلو، والمواجهة اليومية مع الواقع الفلسطيني، كلها تجارب أثرت في قلبك وعقلك، وجعلت منك كاتبا مبدعا يرى الحياة بعين من يمتلك معرفة حقيقية بالوجود.
وعندما قلت: “الإنسان لا ينجو لأنه أقوى من الموت… بل لأنه في كل مرة يجد سببا صغيرا آخر ليؤجل استسلامه”، لم تكن هذه مجرد جملة مؤثرة، بل فلسفة كاملة عن الصمود الإنساني، وعن القدرة على تحويل المعاناة إلى معرفة، والتحدي إلى حياة. لقد جعلت يا يحيى من لحظة ضعف جسدي - الجلطة، القسطرة، الجراحة - فرصة لطرح سؤال أكبر: ما الذي يجعل الإنسان يستمر؟ وما هي القيمة الحقيقية للحياة، للزمن، للوطن؟
أكثر ما شدني في مقالك البعد الإنساني: العلاقة بين الأبناء والوالد، الحضور الزوجي، ووفرة الحب والدعم. كل ذلك يُظهر أن الإنسان لا يبني حياته على القوة الفردية فقط، بل على الروابط التي تربطه بالآخرين. قلبك، كما قلت، ليس عضلة فقط، بل وطن صغير، ومساحة سلام داخلها الحرب والحنان، الألم والفرح، الحياة والموت.
أخيرا، يا يحيى، أود أن أؤكد لك أن متابعيك كانوا في شوق دائم لمقالاتك، وما كتبته الآن لم يكن مجرد عودة، بل درس مهم لكل قارئ: أن القوة الحقيقية تكمن في مواجهة الواقع، وأن الفن والفكر يمكنهما أن ينقلا تجربة شخصية إلى معرفة مشتركة.
شكراً لك على هذا البُعد الإنساني والفكري، وشكرا لتذكيرنا بأن كل قلب يحكي قصة، وأن قصتك تظل مصدر إلهام لنا جميعا.
سلامتك، واستمر في الكتابة، فقلوبنا بحاجة إلى كلماتك، وعقولنا إلى فلسفتك، ووطننا إلى رؤيتك.
غانية ملحيس