8
    

ملخص تنفيذي

يناقش هذا المقال التحول البنيوي في العلاقة الأمريكية - الإسرائيلية، من منطق “التطابق الاستراتيجي” إلى منطق “إدارة التباين”.
وينطلق من فرضية مركزية مفادها أن أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لم تُنشئ هذا التحول بقدر ما كشفت عن تراكمات سابقة أدت إلى اتساع الفجوة في إدراك التهديدات وترتيب الأولويات بين الطرفين، دون أن يؤدي ذلك إلى تفكك البنية التحالفية.
يعتمد المقال على مقاربة واقعية بنيوية متعددة المستويات، تستند إلى كينيث والتز في تفسير البنية الدولية، وستيفن والت في “موازنة التهديد”، وجون ميرشايمر في الواقعية الهجومية، مع توظيف مساهمة غلين سنايدر في فهم التحالفات بوصفها علاقات قائمة على التعاون والتوتر في آن واحد. ويقترح المقال إضافة مفهومية خاصة هي “إدارة التباين”، بوصفها نمطا تحليليا يظهر عندما تتسع الفجوة في تعريف التهديدات بين الحلفاء، مع استمرار الحاجة البنيوية للتحالف.
يُظهر التحليل أن التحالف الأمريكي - الإسرائيلي انتقل من مرحلة ما قبل 2023، حيث ساد “التطابق الاستراتيجي المرن” حول تعريف إيران كتهديد مركزي، إلى مرحلة ما بعد 2023، في سياق إعادة الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها باتجاه المنافسة مع القوى الكبرى، خصوصا الصين، وتقليل الانخراط المباشر في الشرق الأوسط، والذي تعزز بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران في 28/2/2026 والإخفاق في تطويعها، وتوقيع مذكرة التفاهم في 15/6/2026 . مقابل تمسك إسرائيلي بمنطق الأمن الوقائي وتوسيع استخدام القوة.
كما يكشف المقال أن القوة العسكرية الإسرائيلية لم تتحول إلى استقلال استراتيجي، بل إلى تعميق الاعتماد البنيوي على الولايات المتحدة، في ظل تآكل جزئي للشرعية الدولية وازدياد الكلفة السياسية للتحالف. وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة قيودا داخلية وخارجية تحد من قدرتها على إعادة ضبط العلاقة مع إسرائيل.
يخلص المقال إلى أن التحالف الأمريكي - الإسرائيلي لا يتجه نحو التفكك، بل نحو إعادة تركيب وظيفي، حيث تتحول وظيفته الأساسية من إنتاج التطابق إلى إدارة التباين. وبالتالي، يصبح استمرار التحالف نفسه هدفا استراتيجيا مستقلا، وتتحول مؤسساته إلى آليات لاحتواء الفجوات البنيوية بدل حلّها.

المقال الكامل: من التحالف المتطابق إلى إدارة التباين: التحول البنيوي في العلاقة الأمريكية - الإسرائيلية

أولا: سؤال التحول في طبيعة التحالف
يمثل التحالف الأمريكي - الإسرائيلي أحد أكثر التحالفات ثباتا في النظام الدولي على امتداد عقود، وأكثرها رسوخا بعد الحرب الباردة. إلا أن هذا الثبات لا يعني الجمود، بل يخفي تحولات تدريجية في بنية العلاقة بين الطرفين.
يطرح هذا المقال البحثي الإشكالية التالية: هل ما يزال التحالف الأميركي - الإسرائيلي قائما على تطابق استراتيجي في تعريف التهديدات والأولويات، أم أنه دخل مرحلة جديدة تُدار فيها الفجوات بدلا من إلغائها؟
تنطلق الفرضية المركزية للمقال من أن أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وتداعياتها الإقليمية والدولية شكلت لحظة كاشفة، وليس لحظة تأسيسية، أي أنها لم تُنشئ التحول، بل كشفت عن تراكمات سابقة أدت إلى انتقال التحالف من منطق التطابق إلى منطق التعامل مع الفجوات البنيوية.
يعتمد المقال على المنهج التحليلي البنيوي، من خلال تتبع تطور العلاقة الأمريكية - الإسرائيلية عبر مقارنة مرحلتين: مرحلة التطابق الاستراتيجي قبل 2023، ومرحلة إدارة التباين بعد 2023.
إدارة التباين” مفهوم تحليلي- تشخيصي ُيستخدم لوصف نمط تتزايد فيه الفجوات في إدراك التهديدات وترتيب الأولويات، دون تفكك البنية التحالفية
حيث يتسم التحالف باستمرار بنيته الاستراتيجية الأساسية، بالتوازي مع اتساع الفجوة في إدراك التهديدات وترتيب الأولويات وأساليب إدارة القوة، بما يفرض على الطرفين إدارة هذا التباين بدل تجاوزه أو حله.
ولا يقتصر هذا التباين على اختلاف الوسائل أو أدوات إدارة الصراع، بل يمتد تدريجيا إلى تباعد إدراك التهديدات وترتيب الأولويات الاستراتيجية، مع استمرار البنية التحالفية الأساسية وعدم تحوله إلى قطيعة أو تفكك.

ثانيا: الإطار النظري: التحالفات غير المتكافئة وحدود التطابق
ينطلق المقال في مقاربته للعلاقات الإسرائيلية الأمريكيه من الواقعية البنيوية، التي ترى أن سلوك الدول يتحدد بدرجة كبيرة وفق موقعها داخل بنية النظام الدولي وتوزيع القوة فيه.
ووفق تصور كينيث والتز، فإن التحالفات ليست علاقات ثابتة قائمة على التشابه القيمي فقط، بل هي ترتيبات تتشكل استجابة لتوازنات القوة والضغوط البنيوية.
وبهذا المنظور، فإن قوة واستمرارية التحالف الأمريكي - الإسرائيلي، رغم التحولات في البيئة الدولية - لا يعني غياب التغير، بل يعكس استمرار بعض الوظائف الاستراتيجية للتحالف.
فمع إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية بين الشرق الأوسط ومنافسة القوى الكبرى، خصوصا الصين، لم تعد أهمية التحالف مرتبطة فقط بالموقع الإقليمي لإسرائيل، بل بكونه جزءا من شبكة أوسع لإدارة النفوذ الأميركي في منطقة ما تزال ذات أهمية استراتيجية.
إلا أن تفسير التحالف من خلال الواقعية البنيوية وحدها يبقى غير كاف، لأن حالة التحالف الأميركي - الإسرائيلي تتجاوز منطق توزيع القوة المجرد. فالعلاقة لا تقوم فقط على موازنة تهديد خارجي، بل على تراكم سياسي ومؤسساتي طويل يجعل تكلفة الانفصال مرتفعة للطرفين.
ومن هنا يقدم ستيفن والت في نظرية “موازنة التهديد” تفسيرا أكثر قربا لهذه الحالة، إذ لا تتحالف الدول فقط ضد أقوى دولة، بل ضد الدولة التي تُنظر إليها باعتبارها مصدر تهديد. ووفق هذا المنطق، ساهمت تصورات مشتركة حول التهديدات الإقليمية، خصوصا إيران منذ الثوره الإسلامية عام 1979، وتنامي نفوذها الإقليمي، وتطور قدراتها الاقتصادية والعلمية، وبرامجها العسكرية، في استمرار التقارب الأمريكي - الإسرائيلي.
لكن هذا التفسير يواجه حدودا تفسيرية متزايدة بعد طوفان الأقصى عام 2023، إذ لم يعد تعريف التهديدات متطابقا بالكامل بين الطرفين. فالولايات المتحدة باتت تنظر إلى الاستقرار الإقليمي، ومنع توسع الصراع كأولوية، بينما تميل إسرائيل إلى تعريف الأمن من خلال توسيع هامش العمل العسكري، لمنع التهديدات قبل تحولها إلى مخاطر مباشرة. وهنا يظهر الانتقال من “تطابق تعريف التهديد” إلى “إدارة اختلاف تعريفه”.
أما جون ميرشايمر والواقعية الهجومية، فتقدم تفسيرا مختلفا، حيث تفترض أن الدول الكبرى تسعى باستمرار إلى تعظيم القوة والنفوذ في بيئة دولية تنافسية. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الدعم الأمريكي لإسرائيل بوصفه جزءا من استراتيجية الحفاظ على موقع قوة إقليمية حليفة.
لكن فرضية المقال تختلف عن الواقعية الهجومية في نقطة أساسية. فهي لا ترى أن العلاقة تُفسَّر فقط باعتبارها أداة لتعظيم القوة، بل ترى أنها دخلت مرحلة يصبح فيها الحفاظ على التحالف نفسه عملية تحتاج إلى إدارة مستمرة للتناقضات. أي أن المشكلة لم تعد: كيف يستخدم الطرفان التحالف لزيادة القوة؟ بل: كيف يحافظان عليه عندما تتباعد أولوياتهما؟
غير أن حالة التحالف الأميركي - الإسرائيلي تكشف عن نموذج أكثر تعقيدا، لأنه يجمع بين:
1. اعتبارات استراتيجية صلبة (الأمن الإقليمي)،
2. اعتبارات سياسية داخلية (الكونغرس والرأي العام)،
3. اعتبارات قيمية وخطابية (الهوية الغربية، العقيدة الدينية، الديمقراطية الخ) وبذلك، فإن هذا التحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يُختزل في منطق توازن القوى فقط، بل يتضمن بنية شرعية وخطابية موازية تمنحه استقرارا إضافيا. لكن هذا الاستقرار ليس ثابتا، بل يتأثر بتغير موقع الشرق الأوسط داخل الاستراتيجية الأمريكية العالمية.
ويقدّم غلين سنايدر مساهمة أكثر دقة في فهم ديناميات استمرار التحالفات رغم الخلافات الداخلية. إذ ينظر سنايدر إلى التحالف بوصفه علاقة مزدوجة البنية، تقوم في آن واحد على التعاون والتوتر، وليس على الانسجام الكامل أو التطابق الاستراتيجي.
وتُعد هذه المقاربة ذات أهمية خاصة في تحليل التحالفات الممتدة زمنيا، حيث لا يكون الاستقرار نتيجة تطابق المصالح، بل نتيجة إدارة مستمرة للتوترات البنيوية داخل العلاقة. ويؤكد أن التحالفات محكومة بما يسميه “معضلة الالتزام - التورط” حيث تخشى الدولة احتمال التخلي عنها من قبل شريكها من جهة، وفي الوقت نفسه تخشى الدولة الحليفة الانجرار إلى التزامات أو صراعات لا تتوافق مع مصالحها. وبذلك، فإن إدارة التحالف لا تتعلق بإزالة هذه التناقضات، بل بتهذيبها وإبقائها ضمن حدود يمكن التحكم بها.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التحالف الأمريكي - الإسرائيلي بوصفه حالة متقدمة من هذه المعضلة المزدوجة. فإسرائيل تتحرك باستمرار تحت هاجس تقليص أي احتمال لتراجع الالتزام الأمريكي، بينما تعمل الولايات المتحدة على منع تحول التزامها إلى تورط غير محدود في تعريفات إسرائيل للتهديد واستخدام القوة.
ورغم أهمية مساهمة سنايدر في تفسير كيفية استمرار التحالفات رغم التوترات الداخلية، فإن مفهوم “إدارة التباين” الذي يقترحه هذا المقال يختلف عن مقاربة “إدارة الخلافات” التقليدية في نقطة جوهرية. فمعظم أدبيات التحالفات الكلاسيكية تنطلق من افتراض وجود تعريف مشترك نسبياً للتهديدات والأهداف الاستراتيجية، بحيث تدور الخلافات بين الحلفاء حول وسائل المواجهة أو مستويات الالتزام أو توزيع الأعباء. أما في حالة “إدارة التباين”، فإن مصدر التوتر لا يقتصر على اختلاف الوسائل، بل يمتد إلى تباعد إدراك التهديدات نفسها وترتيب الأولويات الاستراتيجية. وبهذا المعنى، لا يعود التحالف إطارا لإنتاج سياسات مشتركة تجاه تهديد متفق عليه، بل يصبح إطارا لتنظيم العلاقة بين أطراف تتزايد الفجوة بينها في تعريف التهديدات والأهداف، مع استمرار حاجتها المتبادلة إلى الحفاظ على البنية التحالفية. ومن ثم فإن وظيفة مؤسسات التحالف لا تتمثل فقط في إدارة الخلافات، بل في احتواء التباعد البنيوي ومنع تحوله إلى تفكك استراتيجي.
ويمكن القول إن التحالف يدخل مرحلة “إدارة التباين” عندما تجتمع ثلاثة شروط مترابطة:
أولها استمرار البنية التحالفية الأساسية وعدم تفكك مؤسسات التعاون الاستراتيجي بين الأطراف.
وثانيها اتساع الفجوة في تعريف التهديدات وترتيب الأولويات الاستراتيجية بما يجعل إنتاج التوافق الكامل أكثر صعوبة.
وثالثها انتقال وظيفة مؤسسات وآليات التحالف من إنتاج التطابق إلى احتواء الخلافات وإدارتها ومنع تحولها إلى تفكك بنيوي.
وبهذا المعنى، لا يُقاس تماسك التحالف بغياب التباين، بل بقدرته على تنظيمه وإبقائه ضمن حدود لا تهدد استمراره.

ثالثا: ما قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023: منطق التطابق الاستراتيجي المرن
قبل طوفان الأقصى عام 2023 وتداعياته الإقليمية والدولية، كان التحالف الأمريكي - الإسرائيلي يعمل ضمن ما يمكن تسميته بـ“منطق التطابق الاستراتيجي المرن”، حيث:
• تتقاطع رؤيتا الطرفين حول تحول إيران إلى عنصر مركزي في إنتاج الإدراك المشترك للتهديد بين الطرفين،
• يُنظر إلى إسرائيل أمريكيا وغربيا كأصل استراتيجي في الشرق الأوسط،
• تُدار الخلافات (مثل التمدد الجغرافي والاستيطان) ضمن هامش تفاوضي محدود،
في هذه المرحلة، كان الشرق الأوسط يحتل موقعا مركزيا في الاستراتيجية الأمريكية، خصوصا بعد عام 2001، ضمن منطق “الحرب على الإرهاب” وإعادة تشكيل الإقليم لتطويعه. وبالتالي، كان هناك افتراض ضمني بأن: أمن إسرائيل وأمن الولايات المتحدة يقعان ضمن فضاء استراتيجي واحد.

رابعا: التحول الأمريكي: من مركزية الشرق الأوسط إلى تعددية الساحات
بعد أكثر من عقدين من الانخراط الأمريكي المكثف في الشرق الأوسط، بدأت الولايات المتحدة بإعادة تعريف أولوياتها الاستراتيجية، نتيجة عوامل متعددة:
• صعود الصين كخصم نظامي رئيسي،
• التحول نحو آسيا والمحيط الهادئ،
• استنزاف الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان،
• التحديات الاقتصادية والتكنولوجية الداخلية.
وينتقل هذا التحول من مستوى الاستراتيجية الأمريكية العامة إلى مستوى التحالفات الإقليمية عبر إعادة توزيع الموارد والاهتمام السياسي، بحيث تصبح قدرة الحلفاء على التأثير في الأولويات الأمريكية موضع تفاوض مستمر. وهذا لا يعني تغير تقييم الولايات المتحدة للقيمة الأمنية لإسرائيل، بل تغير موقع هذه القيمة داخل حسابات أوسع تتعلق بكلفة الصراع الإقليمي.
ضمن هذا السياق شهدت الاستراتيجية الأمريكية انتقالا تدريجيا من التركيز على إدارة الشرق الأوسط باعتباره المسرح الرئيسي للأمن العالمي، إلى توزيع الاهتمام بين عدة مسارح استراتيجية، خصوصا منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع استمرار أهمية الشرق الأوسط لأمن الطاقة والممرات البحرية ومنع انتشار الصراعات.
ويمكن اعتبار مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية في 16/6/2026 كمؤشر استدلالي ضمني على انتقال السياسة الأمريكية من منطق التطابق مع إسرائيل في إدارة التهديدات، إلى منطق إدارة التوازنات والاحتواء التدريجي للأزمات كجزء من أدوات السياسة الخارجية الأميركية.
وفي هذا السياق، لا يُفهم هذا التطور بوصفه إعادة اصطفاف، بل بوصفه امتدادا لنمط أوسع من إعادة توزيع الأولويات، ما انعكس على التحالف الذي بات يعمل داخل هامش أوسع من تعدد الأولويات، وانتقالا من: منطق المواجهة المباشرة و“إعادة هندسة الإقليم” إلى منطق “إدارة التوازن وتقليل الكلفة”.
ولا يعني تراجع مركزية الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأمريكية تراجع أهمية المنطقة بحد ذاتها، بل إعادة ترتيب موقعها داخل هرم الأولويات العالمية للولايات المتحدة. فالولايات المتحدة الأمريكية لم تنسحب من الإقليم، وما تزال ترى فيه منطقة مؤثرة في أمن الطاقة والممرات البحرية والتوازنات الدولية، لكنها أصبحت أقل استعدادا لتحمل كلفة الانخراط المباشر في صراعاته الممتدة، وأكثر ميلا إلى إدارة هذه الصراعات عبر مزيج من الردع والشراكات الإقليمية والأدوات الدبلوماسية.
ومن ثم، فإن التحول الجاري لا يتمثل في التخلي عن الشرق الأوسط، بقدر ما يتمثل في إعادة تعريف موقعه داخل استراتيجية عالمية أوسع تتعلق بمنافسة القوى الكبرى وإدارة الموارد الاستراتيجية الأمريكية.

خامسا: إسرائيل بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023: قوة عملياتية وتراجع هامش الاستقلال الاستراتيجي
أظهرت الحرب المتعددة الجبهات بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ارتفاعا واضحا في القدرة العسكرية الإسرائيلية، من حيث:
• إدارة حرب طويلة واسعة النطاق في قطاع غزة، بالتوازي مع تعزيز السيطرة على الضفة الغربية.
• توسيع نطاق العمليات متعددة الجبهات: لبنان، سوريا، العراق، اليمن، وإيران.
• تفوق استخباري وتكنولوجي في بعض المسارح.

لكن هذه القوة العملياتية ترافقت مع ثلاث تحولات بنيوية:
1: تزايد الاعتماد على الولايات المتحدة
فعلى الرغم من امتلاك إسرائيل قدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة، كشف السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحرب الإبادة وامتدادها، أهمية المساندة الأميركية في الحفاظ على القدرة العملياتية الإسرائيلية، خصوصا في مجالات الإمداد العسكري، والدفاع الجوي، والدعم الاستخباراتي واللوجستي، والغطاء الدبلوماسي.
2: تآكل الشرعية الدولية
شهدت إسرائيل بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 ضغوطا غير مسبوقة على مستوى الشرعية الدولية، فلم يعد الجدل بشأن إسرائيل وسلوكياتها محصورا في مستوى الانتقادات السياسية أو الدبلوماسية، بل امتد إلى مستوى البنية القانونية الدولية نفسها، مع دخول إسرائيل في مسارات قضائية أمام محكمة العدل الدولية في قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا، وإصدار المحكمة تدابير احترازية. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو ووزير الدفاع الأسبق يوآف جالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وعلى المستوى السياسي، ظهر اتساع في الفجوة بين إسرائيل وجنوب العالم، وعدد من الحكومات والمجتمعات الغربية، بالتوازي مع تنامي الحركات الاحتجاجية والتضامن الشعبي مع الشعب الفلسطيني في مدن عديدة حول العالم، وتزايد الانقسامات داخل الأحزاب والتيارات السياسية الكبرى بشأن العلاقة مع إسرائيل. كما انعكس ذلك في تصاعد الاعتراف بالدولة الفلسطينية داخل النظام الدولي، وتغير أنماط التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
كذلك برز تحول سياسي واجتماعي أوسع داخل بعض الأوساط اليهودية العالمية، حيث ظهرت مسافة متزايدة بين مواقف قطاعات من اليهود خارج إسرائيل، وبين الصهيونية السياسية والسياسات الحكومية الإسرائيلية.
ويشير ذلك إلى أن أحد عناصر قوة التحالف الأمريكي - الإسرائيلي تاريخيا، أي البعد الشرعي والقيمي، أصبح مجالا متزايدا للنقاش والخلاف. كما ساهمت مواقف الولايات المتحدة الداعمة لإسرائيل في تعميق الجدل حول انتقائية تطبيق القانون الدولي، وأصبح التحالف نفسه ينتج كلفة شرعية على الطرف الداعم له. فالتناقض بين وجود أدوات المساءلة من جهة، وتعطّل قدرتها التنفيذية من جهة أخرى، أصبح أحد أبرز مؤشرات تآكل “الشرعية المعيارية” للنظام الدولي، وليس فقط شرعية إسرائيل وحدها.
3: ضعف تحويل القوة إلى نتيجة سياسية مستقرة
رغم التفوق العسكري والتكنولوجي والإقتصادي الإسرائيلي، والعلاقات مع الأنظمة العربية، لم تتحقق تسوية سياسية دائمة، أو استقرار إقليمي، بل على العكس، فقد كشف طوفان الأقصى هشاشة الاستقرار الإقليمي.
وبذلك، لم يتحول ارتفاع القوة الإسرائيلية إلى استقلال استراتيجي، بل إلى تعميق الاعتماد البنيوي على الولايات المتحدة الأمريكية. وفي تصريح موثق لنائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بتاريخ 19/6/2026، أشار إلى أن ثلثي الأسلحة الدفاعية التي حمت إسرائيل خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة هي أسلحة أميركية الصنع، وتحمل تكلفتها دافع الضرائب الأميركي، بما يعكس عمق الارتباط البنيوي بين المنظومتين العسكرية الأميركية والإسرائيلية.

سادسا: هامش المناورة الأمريكي: بين القدرة والقيود
تملك الولايات المتحدة الأمريكية أدوات واسعة للتأثير على إسرائيل:
• الدعم العسكري
• الحماية الدبلوماسية
• إدارة التصعيد الإقليمي
لكن استخدام هذه الأدوات يظل مقيدا بسبب:
• القيمة الاستراتيجية لإسرائيل،
• البنية الداخلية للسياسة الأميركية،
• مخاطر التصعيد الإقليمي،
• كلفة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
ينتج عن ذلك ما يمكن توصيفه بـ“هامش مناورة واسع نظريا، ومقيد عمليا.

سابعا: إعادة تركيب التحالف في المرحلة الراهنة
في ضوء هذه التحولات، يمكن تحديد ثلاث سمات رئيسية للمرحلة الجديدة:
1. تراجع التطابق الاستراتيجي: لم يعد الطرفان الأمريكي والإسرائيلي يتقاسمان تعريفا موحدا للأولويات الإقليمية.
2. استمرار التحالف الاستراتيجي كإطار بنيوي: التحالف ما يزال قائما في مستوياته الأساسية: العسكرية، والأمنية، والاستخباراتية، والسياسية، والدبلوماسية، والاقتصادية، والثقافية.
3. إدارة التباين بدل حله: أصبح الاختلاف يدار عبر:
• التفاوض المستمر،
• التسويات الجزئية،
• تأجيل الحسم الاستراتيجي.
لا يعود التحالف متغيرا ثابتا في النظام الدولي، بل يصبح نظام إدارة اختلافات داخلية في شبكة تحالفات غير متكافئة.

ثامنا: إعادة تعريف ميزان التأثير داخل التحالف
لم يعد السؤال: من يقود التحالف؟ بل كيف يُدار اختلاف مستويات التأثير داخله؟ في هذا السياق:
• الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ بالقدرة النهائية على تحديد الإطار الاستراتيجي العام.
• إسرائيل تحتفظ بقدرة تأثير عالية على التفاصيل والتكتيك.
• لكن لا يمتلك أي طرف القدرة على فرض تطابق كامل.

تاسعا : لماذا لا يعني التباين نهاية التحالف؟
قد يقود اتساع الفجوة بين الأولويات الأميركية والإسرائيلية إلى استنتاج مفاده أن التحالف يتجه نحو التفكك. إلا أن هذا الاستنتاج يفترض أن التحالفات تستمر فقط عندما يتحقق تطابق كامل في الرؤى والمصالح، وهو افتراض لا تؤيده خبرة العلاقات الدولية. فالعديد من التحالفات طويلة الأمد استمرت رغم وجود خلافات جوهرية بين أطرافها، ما دامت المصالح البنيوية الأساسية التي قامت عليها تلك التحالفات لم تختفِ.
في الحالة الأميركية ـ الإسرائيلية، ما تزال مجموعة من العوامل تحدّ من احتمالات الانفصال أو التفكك.
أول هذه العوامل استمرار المصالح البنيوية المشتركة،
إذ ما تزال الولايات المتحدة تنظر إلى إسرائيل بوصفها رصيدا استراتيجيا وشريكا أمنيا وعسكريا مهما في منطقة ذات موقع جيو استراتيجي حساس، حتى لو تراجعت مركزية الشرق الأوسط ضمن أولوياتها العالمية.
وفي المقابل، ما تزال إسرائيل ترى في الولايات المتحدة الأمريكية الضامن الخارجي الأهم لتفوقها العسكري، وقدرتها على مواجهة التحديات الإقليمية، وتوفير الحماية الدبلوماسية والقانونية في المجال الدولي.
وثاني هذه العوامل يتمثل في الاعتماد المتبادل المتراكم عبر عقود طويلة من التعاون العسكري، والتكنولوجي، والاستخباراتي، والمؤسساتي.
فالعلاقة لم تعد مجرد تفاهم سياسي قابل للتغيير السريع، بل أصبحت جزءا من بنية مؤسساتية واسعة، ترفع كلفة أي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بصورة جذرية.
أما العامل الثالث فيتعلق بالكلفة السياسية المرتفعة للانفصال.
ففي الولايات المتحدة يرتبط التحالف بشبكات واسعة من التوافقات الحزبية والمؤسساتية والمجتمعية.
فيما تواجه إسرائيل قيودا كبيرة على قدرتها في إيجاد بديل استراتيجي مكافئ للدعم الأميركي.
ولذلك فإن أي تراجع جذري في العلاقة سيولد تكاليف سياسية وأمنية لا يرغب أي من الطرفين في تحملها.
ويضاف إلى ذلك محدودية البدائل الاستراتيجية المتاحة للطرفين.
فالولايات المتحدة لا تمتلك بسهولة شريكا إقليميا قادرا على أداء جميع الوظائف التي راكمتها إسرائيل داخل منظومة النفوذ الأمريكي في المنطقة.
كما أن إسرائيل لا تملك قوة دولية أخرى تستطيع أن توفر لها المزيج نفسه من الدعم العسكري والامني والاستخباراتي والاقتصادي والعلمي والدبلوماسي الذي توفره الولايات المتحدة.
لذلك، فإن اتساع التباين لا يقود بالضرورة إلى تفكك التحالف، بل إلى إعادة تعريف آليات عمله.
فكلما ازدادت الفجوة بين الطرفين، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات التنسيق والتفاوض وإدارة الخلافات. ومن هنا لا يمكن فهم المرحلة الراهنة بوصفها مرحلة تفكك، بل بوصفها مرحلة انتقال من تحالف يقوم على درجة عالية من التطابق الاستراتيجي، إلى تحالف يستمر عبر إدارة التباين المتزايد بين أولويات طرفيه.
فالتحالفات لا تنتهي بالضرورة عندما يتراجع التطابق بين أطرافها، بل قد تدخل مرحلة جديدة يصبح فيها الحفاظ على التحالف نفسه هدفا استراتيجيا مستقلا، وتتحول وظيفتها الأساسية من إنتاج التطابق إلى إدارة التباين.

عاشرا: التداعيات الإقليمية لتحول التحالف من التطابق إلى إدارة التباين
ينعكس هذا التحول على البيئة الإقليمية في ثلاث مستويات رئيسية:
1. إعادة تعريف الدور الإسرائيلي: من “أداة استقرار” إلى “مصدر إدارة أزمات”
خلال مراحل سابقة، ارتبطت وظيفة إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية بفكرة الحفاظ على ميزان القوى الإقليمي وردع الخصوم.
أما في مرحلة إدارة التباين، فقد يظهر تحول في طبيعة هذه الوظيفة:
لم تعد إسرائيل بالضرورة عنصرا ينتج الاستقرار الإقليمي بصورة مباشرة، بل أصبحت جزءا من معادلة تحتاج الولايات المتحدة إلى إدارتها لتقليل احتمالات توسع الصراع. وهذا يخلق مفارقة جديدة:
فكلما ازدادت قدرة إسرائيل العسكرية على فرض وقائع ميدانية، ازدادت الحاجة الأمريكية إلى احتواء آثار هذه القوة سياسيا ودبلوماسيا. وبذلك ينتقل الدور الإسرائيلي تدريجيا من إنتاج التوازن إلى إدارة اختلالات التوازن.
2. هل يقلل التباين من هامش إسرائيل أم يعيد إنتاج نفوذها؟
لا يعني اتساع التباين بالضرورة تراجع النفوذ الإسرائيلي. فالاعتماد الأمريكي على إسرائيل قد يتراجع في بعض الوظائف، لكنه قد يستمر أو يتعزز في وظائف أخرى. يمكن التمييز بين مستويين:
ا. تراجع نسبي في القدرة على تحديد الأجندة الأمريكية، حيث تصبح الولايات المتحدة الأمريكية أكثر حساسية تجاه:
• كلفة التصعيد الإقليمي،
• تأثير الحروب الممتدة على المنافسة مع الصين،
• الضغوط السياسية والقانونية الدولية.
ب. استمرار القدرة على التأثير في مسار الأحداث، لأن إسرائيل ما تزال تمتلك:
• تفوقًا عسكريا إقليميا،
• قدرة عالية على تغيير الوقائع الميدانية،
• قدرة على دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى التعامل مع ملفات لم تكن ضمن أولوياتها.
لذلك فإن النتيجة ليست “انخفاض النفوذ الإسرائيلي”، بل تغير طبيعة النفوذ من الشراكة في صياغة الأولويات، إلى التأثير في حدود الخيارات المتاحة.
3. انعكاس إدارة التباين على القضية الفلسطينية
لا يؤدي انتقال التحالف الأمريكي - الإسرائيلي من منطق التطابق الاستراتيجي إلى منطق إدارة التباين إلى تغيير تلقائي في جوهر السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، لكنه يكشف حدود النموذج الذي حكم إدارة الصراع خلال العقود الماضية. فحين كان التحالف يعمل ضمن افتراض وجود تعريف مشترك للتهديدات والأولويات، كانت القضية الفلسطينية تُدار غالبا باعتبارها ملفا ثانويا يمكن احتواؤه ضمن التوازنات الإقليمية.
أما في مرحلة إدارة التباين، فقد أصبحت هذه القضية جزءا من النقاش الأوسع حول كلفة استمرار الصراع، وقدرة التحالف على إنتاج استقرار إقليمي.
إن اتساع الفجوة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا يعني بالضرورة تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل، لكنه يغيّر طبيعة هذا الدعم ووظيفته. فبينما ما تزال إسرائيل تحتفظ بمكانتها داخل الاستراتيجية الأمريكية، باتت سياساتها العسكرية تنتج تحديات متزايدة أمام أهداف الولايات المتحدة الأمريكية الأوسع المتعلقة بإدارة الإقليم، وتقليل التصعيد، والحفاظ على صورة النظام الدولي الذي تقوده.
ومن هنا تظهر مفارقة المرحلة الجديدة: فكلما ازدادت قدرة إسرائيل على فرض وقائع ميدانية منفردة، ازدادت الحاجة الأمريكية إلى احتواء النتائج السياسية والإقليمية لهذه الوقائع.
وبالتالي، لا تتحول القضية الفلسطينية إلى هامش أقل أهمية، بل تعود إلى مركز النقاش باعتبارها أحد محددات استقرار المنطقة وكلفة إدارة التحالف نفسه.
وعليه، فإن إدارة التباين لا تفتح بالضرورة مرحلة قطيعة أمريكية - إسرائيلية، لكنها تضع القضية الفلسطينية داخل معادلة جديدة: لم يعد السؤال فقط هو استمرار التحالف، بل قدرة هذا التحالف على الاستمرار بالصيغة نفسها في ظل تزايد الفجوة بين إدارة الأمن الإسرائيلي ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.

4. الإقليم بين إدارة الأزمات وإعادة تشكيل التوازنات
في المستوى الإقليمي الأوسع، قد تؤدي إدارة التباين إلى:
• زيادة اعتماد الولايات المتحدة على أدوات دبلوماسية متعددة بدل المواجهة المباشرة.
• محاولة بناء ترتيبات إقليمية أكثر مرونة.
• انتقال الصراع من نموذج “المحاور الصلبة” إلى نموذج التنافس على النفوذ وإدارة المخاطر.
لكن استمرار عدم معالجة جذور الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يجعل أي استقرار إقليمي عرضة لإعادة إنتاج الأزمات، ويُبقي القضية الفلسطينية في عمق كلفة إدارة التحالف نفسه.
ويأتي هذا التحول في سياق تراكمي معقّد تداخلت فيه عدة عوامل متزامنة:
مع صعود فاعلين إقليمين مثل إيران وتركيا في إعادة تشكيل بيئة القوة في الشرق الأوسط، بما زاد من تعدد مراكز التأثير وتعقيد معادلات الاستقرار.
وسعي بعض الدول العربية إلى تنويع خياراتها الخارجية وتعميق علاقاتها مع قوى دولية صاعدة مثل الصين وروسيا، في إطار إعادة توزيع أوسع للارتباطات الاستراتيجية.
وقد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 استعصاء إخضاع الشعب الفلسطيني، وأعاد تثبيت مركزية القضية الفلسطينية بوصفها ملفا لا يمكن القفز عليه إقليميا.
وأسهمت التطورات اللاحقة واتساع نطاق الحرب الإسرائيلية إلى لبنان وسوريا ومناطق أخرى، في تكثيف الإدراك العربي لطبيعة القوة الإسرائيلية وأطماعها التوسعية وسعيها للتمدد الإقليمي، وفي تنامي الفجوة بين الأنظمة العربية وشعوبها بسبب الانكشاف العربي والعجز عن وقف الإبادة في قطاع غزة. وما ترتب على ذلك من تآكل في شرعية الأنظمة وتزايد الضغوط الداخلية.
وبرز إدراك متزايد للفاعلين الإقليميين لتطابق الموقفين الأمريكي والإسرائيلي فيما يتعلق بإدارة الملف الفلسطيني، بما في ذلك النقاشات المرتبطة بإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية الفلسطينية وضغوط التهجير نحو دول الجوار، وهو ما أعاد وضع القضية الفلسطينية في مركز الحسابات الأمنية العربية.
وتفاعلت هذه العناصر مجتمعة في سياق احتكاك بنيوي بين التحولات الإقليمية المتسارعة في الشرق الأوسط، والسعي الأمريكي لإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية عالميا، بما أفضى إلى إعادة النظر في منطق “التطابق” الذي حكم التحالف الأمريكي - الإسرائيلي، لصالح منطق أكثر مرونة يقوم على إدارة الفجوات والتباينات.
وتتحرك ديناميات “إدارة التباين” داخل التحالف الأمريكي - الإسرائيلي ضمن هذا السياق، بوصفها استجابة تنظيمية داخلية لتغيرات أعمق في البيئة الإقليمية، لا بوصفها العامل المفسر الوحيد لها.

حادي عشر: التحالف بوصفه منظومة لإدارة التباين: من سؤال الاستمرارية إلى سؤال الوظيفة

لا يجادل هذا المقال بأن التحالف الأمريكي - الإسرائيلي يتجه نحو التفكك أو القطيعة، كما لا يفترض استمرار درجة التطابق الاستراتيجي التي طبعت مراحل سابقة من العلاقة.
بل تشير المعطيات التي تناولها المقال إلى أن التحالف دخل مرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة الطرفين على إنتاج تعريف موحد للتهديدات والأولويات، مقابل تزايد أهمية آليات التنسيق وإدارة الخلافات.
ومن هذا المنظور، فإن التحول الأهم لا يتمثل في تغيير طبيعة التحالف بوصفه تحالفا استراتيجيا، وإنما في تغير الوظيفة التي يؤديها. فبعد أن كان التحالف يقوم بدرجة كبيرة على إنتاج التوافق الاستراتيجي، بات يعتمد بصورة متزايدة على إدارة التباين بين أولويات الطرفين ومنع تحوله إلى أزمة بنيوية.

وتكشف الحالة الأمريكية - الإسرائيلية أن التحالفات غير المتكافئة لا تُقاس فقط بدرجة التطابق بين أطرافها، بل أيضا بقدرتها على استيعاب الاختلافات المتزايدة دون تفكك البنية الأساسية للعلاقة. ولذلك فإن مفهوم “إدارة التباين” لا يصف مرحلة عابرة فحسب، بل يقدّم أداة تحليلية لفهم كيفية استمرار بعض التحالفات رغم اتساع الفجوات داخلها.
كما تشير هذه الحالة إلى أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لضمان الاستقلال الاستراتيجي أو إنتاج الاستقرار السياسي. فكلما ازداد اعتماد إسرائيل على الدعم الأمريكي للحفاظ على تفوقها العسكري، وكلما ازدادت الكلفة السياسية والقانونية المترتبة على هذا الدعم بالنسبة للولايات المتحدة، أصبحت إدارة العلاقة نفسها جزءا من التحدي الاستراتيجي للطرفين.
وبذلك، فإن السؤال المركزي لم يعد ما إذا كان التحالف سيستمر أو سيتفكك ، بل كيف سيُعاد تنظيمه في ظل التحولات الجارية في النظام الدولي، وتغير موقع الشرق الأوسط داخل الاستراتيجية الأمريكية، واتساع الفجوة بين متطلبات الأمن الإسرائيلي ومتطلبات الاستقرار الإقليمي. وفي هذا السياق، تبدو “إدارة التباين” أقل تعبيراً عن أزمة عابرة، وأكثر تعبيراً عن الصيغة الجديدة التي يعمل من خلالها التحالف في المرحلة الراهنة.

المراجع:

أولاً: النظريات الكلاسيكية في العلاقات الدولية والتحالفات

Waltz, K. N. (1979). Theory of international politics. Addison-Wesley.
Walt, S. M. (1987). The origins of alliances. Cornell University Press.
Mearsheimer, J. J. (2001). The tragedy of great power politics. W. W. Norton & Company.
Keohane, R. O. (1984). After hegemony: Cooperation and discord in the world political economy. Princeton University Press.
Jervis, R. (1978). Cooperation under the security dilemma. World Politics, 30(2), 167–214.

ثانياً: أدبيات التحالفات وإدارة التوتر داخلها

Snyder, G. H. (1997). Alliance politics. Cornell University Press.

Christensen, T. J., & Snyder, J. (1990). Chain gangs and passed bucks: Predicting alliance patterns in multipolarity. International Organization, 44(2), 137–168.

Pressman, J. (2008). Warring friends: Alliance restraint in international politics. Cornell University Press.

Lake, D. A. (2009). Hierarchy in international relations. Cornell University Press.
ثالثاً: التحالف الأمريكي – الإسرائيلي

Mearsheimer, J. J., & Walt, S. M. (2007). The Israel lobby and U.S. foreign policy. Farrar, Straus and Giroux.
Inbar, E. (2017). Israeli national security. Routledge.
U.S. Congressional Research Service. (2023–2025). U.S.–Israel security cooperation. Congressional Research Service.

رابعاً: الاستراتيجية الأمريكية وتحول الأولويات العالمية
Ikenberry, G. J. (2011). Liberal leviathan: The origins, crisis, and transformation of the American world order. Princeton University Press.
Brands, H. (2016). Making the unipolar moment: U.S. foreign policy and the rise of the post–Cold War order. Cornell University Press.
Zakaria, F. (2008). The post-American world. W. W. Norton & Company.
Haass, R. N. (2021). Foreign policy begins at home: The case for putting America’s house in order. Basic Books.
Friedman, G. (2009). The next 100 years: A forecast for the 21st century. Doubleday.

خامساً: الشرعية والقانون الدولي والنظام المعياري
Finnemore, M. (1996). National interests in international society. Cornell University Press.
Franck, T. M. (1990). The power of legitimacy among nations. Oxford University Press.
International Court of Justice. (2024–2025). Provisional measures orders in the case South Africa v. Israel.
International Criminal Court. (2024–2025). Situational decisions and arrest warrants (Israel/Palestine situation).
United Nations General Assembly. (2023–2026). Voting records on resolutions related to Palestine and Israel.

تم توظيف الأدبيات النظرية كمداخل تفسيرية متعددة المستويات لفهم ديناميات التحالفات غير المتكافئة، دون التقيد بإطار نظري واحد في سياق تحليل تحولات التحالف الأميركي - الإسرائيلي بعد عام 2023.


 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.