
أثار مقال الدكتور محمد قاروط أبو رحمة، ردا على مقالي “أي انتخابات في زمن إعادة تشكيل فلسطين؟”، نقاشا مهما يتجاوز حدود الاختلاف حول توقيت الانتخابات أو آلياتها، ليصل إلى السؤال الأعمق المتعلق بعلاقة الانتخابات بالعقد السياسي الفلسطيني:
هل تأتي الانتخابات بوصفها تعبيرا عن عقد سياسي وطني سابق عليها، أم يمكن أن تكون هي نفسها إحدى الأدوات التي تنتج هذا العقد وتجدد معناه؟
أبدأ من نقطة الاتفاق الأساسية: الانتخابات الفلسطينية لم تكن يوما مجرد إجراء إداري أو تقنية ديمقراطية محايدة. فقد شكلت في مراحل تاريخية متعددة فعلا سياسيا ونضاليا، وأداة لإثبات استمرار الشعب الفلسطيني في ممارسة إرادته الجماعية، رغم شروط الاحتلال ومحاولات الإلغاء.
ولذلك لا يناقش المقال الانتخابات من زاوية التقليل من قيمتها أو اختزالها في بعدها الإجرائي، بل يحاول طرح سؤال مختلف:
هل تحمل الانتخابات الشرعية ذاتها في كل السياقات التاريخية؟
وهل يمكن فصل الوظيفة السياسية للانتخابات عن العقد السياسي والجماعة السياسية التي تمنحها شرعيتها؟
وهنا تكمن نقطة الاختلاف الأساسية.
فالقول إن الانتخابات كانت تاريخيا أداة نضال وسيادة معنوية هو قول صحيح، لكنه يحتاج إلى استحضار السياق الذي جعلها كذلك. فالانتخابات لا تنتج دلالتها السياسية والوطنية من آليتها وحدها، بل من الإطار السياسي الذي تجري داخله.
لقد كانت انتخابات البلديات والنقابات والجامعات في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، جزءا من مرحلة مختلفة جذريا عن اللحظة الراهنة. كانت تجري في ظل صعود الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي إطار تعريف واضح نسبيا للجماعة السياسية الفلسطينية بوصفها شعبا واحدا موزعا بين الوطن والشتات، وفي ظل توافق وطني واسع حول تعريف الشعب الفلسطيني ومشروعه التحرري ومرجعياته الأساسية، رغم وجود خلافات سياسية وفكرية داخل الحركة الوطنية.
لم تكن تلك الانتخابات تسأل: من هو الشعب الذي يمارس حقه في الانتخاب؟ لأن هذا السؤال كان محسوما سياسيا إلى حد كبير داخل الحركة الوطنية: الشعب الفلسطيني، بكل أماكن وجوده، هو صاحب الحق في تقرير مصيره، ومؤسساته الوطنية هي أدوات التعبير عن هذا الوجود.
وكذلك فإن انتخابات المجلس التشريعي والرئاسة في تسعينيات القرن الماضي، جرت في سياق مرحلة انتقالية محددة الإطار والوظيفة، لم تكن، من حيث الإطار المعلن، تهدف إلى إعادة تعريف الشعب الفلسطيني، بل إلى إدارة جزء من الشأن الفلسطيني ضمن ترتيبات انتقالية…، رغم الخلافات الجوهرية حول المسار السياسي الذي أفضى إليها.
أما اللحظة الراهنة فتختلف جذريا. فالسؤال اليوم لا يتعلق فقط بكيفية تجديد شرعية المؤسسات، بل يسبق ذلك إلى سؤال أكثر تأسيسا: من هي الجماعة السياسية التي ستمنح هذه الانتخابات معناها ومشروعيتها داخل المشروع الوطني؟
فنحن أمام لحظة لا يجري فيها فقط تعطيل المؤسسات أو إعادة ترتيبها، بل يجري فيها صراع أعمق على تعريف الشعب نفسه، وحدود تمثيله، وطبيعة حقوقه المؤسسة، وعلى المشروع الوطني الفلسطيني ذاته.
فجزء واسع من الشعب الفلسطيني ما يزال خارج المجال السياسي الفعلي الذي تُرسم داخله قواعد هذه الانتخابات: الفلسطينيون في الشتات، والفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام 1948، إضافة إلى واقع قطاع غزة، في ظل استمرار حرب الإبادة، االذي يجعل أي حديث عن انتخابات شاملة مشروطا أولا بتوفير شروط المشاركة السياسية الفعلية، لا بمجرد إدراج السكان نظريا ضمن الهيئة الناخبة.
كما أن القضية لا تتعلق فقط بمن يشارك في الاقتراع، بل بالمرجعيات السياسية التي ستنتظم حولها العملية الانتخابية.
فحين تصبح الحقوق المؤسسة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الحرية والعودة وتقرير المصير، موضع إعادة تعريف أو تفاوض تحت ضغط موازين القوة، فإن الانتخابات لا تعود مجرد وسيلة لتجديد التمثيل، بل تصبح جزءا من الصراع على شكل العقد السياسي القادم.
ومن هنا فإن السؤال ليس: هل الانتخابات أداة نضال وسيادة؟
نعم، يمكن أن تكون كذلك. لكن السؤال الأسبق هو: متى تكون كذلك؟
فالانتخابات تصبح أداة نضال عندما تعبر عن إرادة جماعة سياسية قائمة على عقد وطني جامع، وعندما توسع دائرة المشاركة وتعيد بناء القدرة الجمعية على الفعل.
أما إذا جرت داخل إطار سياسي يُقصي قطاعات واسعة من الشعب، أو داخل قواعد قانونية صاغتها موازين القوة القائمة، فإنها قد تتحول من أداة لتجسيد الإرادة الوطنية، إلى أداة لإعادة تعريفها.
وهنا لا تكمن المشكلة في الانتخابات، بل في تحويلها من وسيلة للتعبير عن الجماعة السياسية الفلسطينية، إلى وسيلة لتحديد من يدخل ضمن هذه الجماعة ومن يُستبعد منها.
إن العقد السياسي لا يعني إلغاء الديمقراطية، كما أن الدعوة إلى انتخابات لا تعني تجاوز الأسئلة التأسيسية.
العلاقة الصحيحة بينهما ليست علاقة خصومة، بل علاقة تكامل: العقد السياسي يمنح الانتخابات مجالها ومعناها، والانتخابات تمنح العقد السياسي الحيوية والتجدد. فالدعوة إلى تأسيس العقد السياسي ليست تأجيلا للديمقراطية، بل هي شرط لتحويلها من مجرد إجراء انتخابي، إلى ممارسة سيادية تعبر عن إرادة جماعة سياسية تعرف ذاتها وتحدد مستقبلها.
لكن الخطر يكمن عندما يُطلب من الانتخابات أن تقوم بالدور الذي لا تستطيع القيام به: أن تحسم وحدها تعريف الشعب، ومرجعياته، وحقوقه، وشكل مشروعه الوطني.
فالخطر ليس فقط في غياب العقد السياسي، بل في أن تُستخدم الانتخابات لإنتاج عقد سياسي جديد لا يعكس الإرادة التاريخية للشعب الفلسطيني، بل يتكيف مع حدود القوة المفروضة عليه.
ولهذا فإن النقاش حول الانتخابات لا يمكن أن يقتصر على حق المشاركة أو نزاهة الاقتراع، بل يجب أن يشمل السؤال السابق عليه: من يضع قواعد اللعبة الانتخابية؟ ومن يحدد الهيئة الناخبة؟ ومن يرسم حدود التمثيل؟
فالقوانين الانتخابية ليست مجرد أدوات لتنظيم الاقتراع؛ إنها قد تصبح أدوات لإعادة تعريف الجماعة السياسية نفسها. فالقانون لا يحدد فقط كيفية احتساب الأصوات، بل يحدد أيضا من يملك حق الدخول إلى العملية السياسية، ومن يبقى خارجها.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل نقاش انتخابي ليس: هل نريد الانتخابات أم لا؟ بل: أي انتخابات نريد؟ وفي أي سياق؟ ولأي جماعة سياسية؟ وأي فلسطين ستنتجها؟
ففي لحظات إعادة تشكيل الشعوب لمصائرها، لا يكون السؤال الأول: كيف ننتخب؟ بل: من نحن الذين ننتخب؟
فالصندوق لا يصنع وحده جماعة سياسية، بل يستمد شرعيته منها؛ ولا يمنح الشرعية إلا لجماعة سياسية تعرف ذاتها، وتملك إرادة جمعية حرة في تحديد مستقبلها.