
من الأشياء التي أقدّرها في الكتابة، ولا سيما في الشأن الفلسطيني، أن المقال لا ينبغي أن ينتهي عند نشره. فقيمته الحقيقية تبدأ عندما يخرج من صاحبه ويدخل في قراءة أخرى؛ فتراه من زاوية مختلفة، وتلتقط منه ما قد لا يكون الكاتب قد التفت إليه، أو تطرح عليه أسئلة لم تكن في ذهنه لحظة الكتابة.
وحالفني الحظ، خلال مسيرتي، بقراءات نقدية لشركاء في القلق والسؤال والمعنى، أثرت معرفتي ووسعت أفقي ومداركي.
لكنها، في الغالب، بقيت ضمن دائرة النخب وأبناء جيلي؛ وهو ما جعلني أتساءل عن قيمة أن تصل كتاباتنا إلى أجيال أخرى، وأن نرى صدى ما نكتب بعين الشباب؛ لا لكي يرثوا أفكارنا كما هي، بل لكي يختبروا ما يصلح منها لزمنهم، ويقترحوا ما يراه مستقبلهم أصلح. فنحن، ونحن نسلّم الراية، لا نحتاج إلى من يكرر ما قلناه، بل إلى من يحاورنا فيه ويضيف إليه.
ولهذا طلبتُ من الصديق أمين كعابنة «ابن البادية»، الذي التقيته على مواقع التواصل الاجتماعي في حوار حول رواية «المهاتير» للأديب نافذ الرفاعي، أن يقرأ مقالي الأخير قراءة نقدية صريحة.
كان قد لفتني، منذ ذلك اللقاء، ما في كتاباته من ثراء وعمق، فحرصت على متابعته. وأكثر ما شدني فيها انتماؤه واعتزازه بالبادية، وقدرته على التقاط التفاصيل الصغيرة وفتح أبواب للمعرفة حول المجتمع البدوي وبنيته وتقاليده العريقة. كما لفتني العمق الفلسفي في قراءته للحياة والطبيعة، ومنهجه في التعامل مع التحديات التي تفرضها قسوة المكان ودورها في تشكيل الإنسان، والتي تزيدها ممارسات الاحتلال والاقتلاع قسوة، دون أن تنال من ثباته وتجذره.
ومن هنا اتسع التفاعل بيننا تدريجيا؛ فكنت أعلّق على بعض كتاباته، وكانت ردوده العميقة تدفع الحوار إلى أماكن جديدة، وتفتح أمامي عوالم لم أكن أعرفها كما ينبغي. وحرصت، في المقابل، على تزويده بمقالاتي، لكنه كان يكتفي غالبا بإشعاري بأنه قرأها، دون أن يدخل في تفاصيلها أو يبدي رأيا فيها.
فدعوتُه إلى أن يقرأ مقالي الأخير قراءة نقدية صريحة، وأن يكتب ما يراه هو، لا ما يتوقع أن أرغب في سماعه؛ أردتُ رؤية المقال بعين شاب فلسطيني من خارج الدائرة التي اعتدتُ الحوار معها، يختلف حيث يرى الاختلاف ضروريا، ويشير إلى ما لم يقنعه. فالنقد الجاد بالنسبة لي ليس حكما على النص ولا تطابقا في الرؤى، بل هو مساحة تفاعلية تدفع الكاتب لإعادة النظر، وتجعل الاختلاف صورا من صور استمرار الفكرة وتطورها.
فاحترام ما أنجزته الأجيال السابقة لا يعني إعفاءه من السؤال والمراجعة، كما أن بناء المستقبل لا يقتضي القطيعة مع الماضي. ما نحتاجه هو أن تتجاور التجارب، وأن يتحول ما تركناه إلى مادة للحوار لا إلى إجابات نهائية.
وجاءت قراءته ثرية، وفتحت أمامي زوايا جديدة للتأمل. والأهم بالنسبة لي أنها لم تتوقف عند المقال، بل فتحت حوارا حيا معه حول مفاهيم الثقة، والتمثيل، والشرعية، والعلاقة بين المعمار السياسي والناس الذين يفترض أن يكون هذا المعمار معبرا عنهم.
وأعتقد أننا بحاجة إلى أن تستعيد الكتابة السياسية والثقافية هذا المعنى البسيط والضروري: أن نكتب لكي نتحاور، لا لكي نُصفَّق؛ وأن نقرأ لكي نفكر، لا لكي نبحث عما يوافقنا.
فالشباب ليسوا جمهورا نكتب له أو نتحدث باسمه، بل شركاء في صياغة الأسئلة التي تتصل بمستقبلنا. وحين يدخل الشاب إلى النص بوصفه قارئا يسأل ويعترض ويقترح، تصبح الكتابة أكثر حياة، ويصبح المستقبل مساحة مشتركة بين أجيال تتكامل خبراتها، بدل أن يكون مجرد وصية تنتقل من جيل إلى جيل.
ولهذا، أشارك اليوم قراءة أمين كعابنة، لا باعتبارها قراءة ينبغي الاتفاق مع كل ما ذهبت إليه، ولا بوصفها خاتمة لمقالي، بل باعتبارها إضافة نوعية ومثالا حيا على ما يمكن أن يضيفه الحوار الشبابي الصريح إلى النص، وعلى ما يمكن أن يحدث حين نفتح النص أمام عين أخرى، وتجربة أخرى، وجيل آخر. وأراها كذلك بداية لحوار أوسع حول ما أثارته من نقاط، وما طرحته من أسئلة تستحق أن يُخصص لها مقال آخر.
للصديق أمين كعابنة مني الشكر الجزيل على الوقت الذي بذله في القراءة، وعلى صراحته وصدقه، وعلى هذه المساحة التي فتحها للحوار.
وأترك قراءته هنا كما كتبها، لتأخذ مكانها الذي تستحق في هذا الحوار.
حين يقرأ جيلٌ آخر ما كتبناه
قراءة نقدية لأمين كعابنة لمقال" الثقل الذي انتقل… والقضية التي بقيت، من تعدد الساحات إلى معمار سياسي فلسطيني جديد"
10/9/2026
مساء النور أستاذتنا غانية
سأدخل إلى مقالاتكم هذه المرة من الباب الذي فتحتموه أنتم، لا من باب المجاملة التي قد تفسد على الكاتب قيمة ما يكتب.
قرأت النص بوصفه محاولة للانتقال بالسؤال الفلسطيني من الحدث إلى ما هو أبعد منه، ومن سؤال من فعل إلى سؤال كيف تتراكم القدرة الوطنية، وكيف يمكن لشعب موزع جغرافيا وسياسيا أن يحافظ على قضيته ويصنع لنفسه قدرة على القرار، وهذا في تقديري هو أقوى ما في المقال.
لكنني في الوقت نفسه أرى أن النص يحمل معه شيئا من ثقل الجيل الذي عاش تجربة المؤسسات والحركات والتنظيمات، ويريد أن يعالج المأزق الفلسطيني من خلال إعادة بناء المعمار السياسي، بينما الجيل الذي أنتمي إليه قد ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة قليلا
نحن لا نعيش فقط أزمة طاولة أو غياب معمار سياسي، نحن نعيش أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة تمثيل.
الشاب الفلسطيني اليوم لا يسأل فقط من يجلس إلى الطاولة؛ بل يسأل لماذا يحق له أن يجلس أصلا؟ ومن اختاره؟ ومن يحاسبه؟ وماذا بقي من المؤسسات التي يفترض أن تمثله؟ وهل ستصبح الطاولة الجديدة مؤسسة جديدة بأسماء جديدة أم ستعيد إنتاج الوجوه نفسها واللغة نفسها والنتائج نفسها؟
وهنا أختلف معكم قليلا، أشعر أحيانا أن حديث النخب الفلسطينية عن إعادة بناء النظام السياسي يبدأ من فوق، بينما أزمة الفلسطيني العادي تبدأ من تحت، من المدرسة والجامعة والعمل والشارع والحاجز والبيت المهدد والقرية التي لا تجد طريقا آمنا والمخيم الذي يحمل ذاكرته جيلا بعد جيل.
أنا ابن البادية وأرى فلسطين من مكان قد لا يظهر كثيرا في خرائط السياسة الفلسطينية الكبرى، وأرى أن هناك فلسطينيين يعيشون السياسة قبل أن يكتبوها.
في البادية لا نحتاج إلى أن يشرح لنا أحد معنى الاحتلال أو الاقتلاع أو مصادرة الأرض أو الخوف على البيت أو الطريق أو المواشي أو الحقول، نحن لا نتعامل مع السياسة باعتبارها ملفا، وإنما باعتبارها جزءا من تفاصيل الحياة.
ولهذا فإنني حين أقرأ حديثكم عن تعدد الساحات أشعر أنه صحيح، لكنه لا يزال بحاجة إلى النزول أكثر إلى الناس.
فالساحات ليست جغرافيا فقط، الساحة هي الإنسان أيضا.
والبادية ليست هامشا جغرافيا في القضية الفلسطينية، كما أن المخيم ليس مجرد مساحة للاجئين، والقدس ليست مجرد ملف، والداخل الفلسطيني ليس مجرد رقم انتخابي.
كل ساحة صنعت إنسانا فلسطينيا بتجربة مختلفة. وهنا تكمن قوة المقال حين تقولون إن الوحدة لا تعني التطابق؛ لكنني أضيف أن الوحدة السياسية إذا لم تبدأ من الاعتراف الحقيقي بهذا الإنسان المختلف، فإنها ستبقى وحدة على الورق.
أما حديثكم عن اللامركزية فأنا أميل إلى الفكرة من حيث المبدأ، لكنني أتحفظ على شيء مهم. اللامركزية قد تكون حلا إذا كانت وسيلة لتوزيع القدرة والتمثيل والمساءلة؛ لكنها قد تتحول إلى طريقة جديدة لإدارة الانقسام إذا لم توجد مرجعية وطنية منتخبة وشرعية وقادرة على المحاسبة.
لذلك لا أخشى من تعدد المراكز بقدر ما أخشى من تعدد الشرعيات، فالمشكلة ليست أن تكون لنا ساحات متعددة، وإنما أن يصبح لكل ساحة مشروعها السياسي وشرعيتها وأدواتها وذاكرتها المغلقة.
وهنا أجد نفسي متفقا معكم في سؤال التراكم، لكنني أراه أوسع من المؤسسات.
التراكم ليس فقط أن تحفظ المؤسسة ما أنتجته الساحة السابقة. التراكم أيضا أن تحفظ الذاكرة، وأن تنتقل الخبرة من جيل إلى جيل، وأن يشعر الشاب في الخليل أن ما يحدث في غزة يعنيه، وأن يشعر ابن غزة أن القدس ليست بعيدة عنه، وأن يرى اللاجئ في المخيم نفسه جزءا من صناعة الحاضر لا مجرد حامل لذاكرة الماضي. وهذا تحد كبير أمام جيلكم وجيلنا معا.
وأظن أن الجيل الشاب أكثر قسوة في استقبال هذا النوع من الكتابة. ليس لأنه أقل وعيا، بل لأنه أقل صبرا على اللغة السياسية التقليدية.
جيلنا يريد أن يعرف ماذا سيحدث بعد الطاولة: من سيحاسب؟ من يمثل؟ كيف ينتخب؟ كيف تتوزع الصلاحيات؟ كيف يمنع احتكار القرار؟ كيف تتحول التوصيات إلى فعل؟ وكيف نضمن ألا تتحول فكرة جميلة مثل المعمار السياسي إلى بناء جديد فوق أرض قديمة؟
لذلك قد يقرأ شاب مقالا عميقا كهذا بإعجاب فكري ثم يغلق الصفحة وهو يسأل سؤالا بسيطا جدا، وماذا بعد؟ وهذا في رأيي ليس سؤالا ساذجا، بل هو الاختبار الحقيقي لأي كتابة سياسية. وأضيف شيئا آخر ربما يكون أكثر قسوة.
أحيانا أشعر أن الكتابة الفلسطينية تنشغل كثيرا بتفسير الماضي وبناء المفاهيم، أكثر مما تنشغل بتخيل الفلسطيني الذي نريد أن يكون بعد عشرين سنة.
نحن نعرف كثيرا لماذا وصلنا إلى هنا، لكننا أقل وضوحا في الإجابة عن سؤال إلى أين نريد أن نذهب.
ولهذا أرى أن أقوى ما يمكن أن تفعله الكتابة السياسية الفلسطينية اليوم هو أن تنقل القارئ من تفسير المأزق إلى تخيل البديل، ثم إلى مساءلة أدوات الوصول إليه.
في مقالكِ هناك جهد واضح في إعادة تركيب الصورة من الغرفة إلى الخريطة إلى البنية إلى الطاولة ثم إلى المعمار، وأنا أضيف إليها كلمة خامسة أراها ضرورية: الناس
لأن السياسة التي لا تعود إلى الناس قد تبني طاولة ممتازة ولا تجد من يجلس إليها بثقة. وأقول هذا كله من موقع محب للكتابة لا متربص بها.
وأنا بالفعل أتعلم منكم ومن هذا الجيل الذي سبقنا كثيرا، لكن التعلم لا يعني أن نصمت، بل ربما يكون الوفاء الحقيقي لما تكتبون أن نقول ما نراه، حتى لو خالفناه.
أنا ابن البادية أتعامل مع النص كما أتعامل مع القهوة في مجلسنا؛ لا يكفي أن تكون مرة أو ثقيلة، المهم أن يكون لها طعم وأن تترك أثرا.
ومقالاتكم تفتح أسئلة كثيرة وهذا يحسب لها، لكنني أريد منها أكثر في المرة القادمة:
أريد أن أرى المعمار السياسي من عيون شاب فلسطيني لا من خرائط النخب وحدها.
أريد أن أعرف كيف يمكن لهذا البناء أن يدخل المدرسة والجامعة والقرية والمخيم والمدينة والبادية.
فإذا استطعنا أن ننزل الفكرة من الطاولة إلى الأرض، ومن المؤسسة إلى الإنسان، ومن السياسة إلى الحياة اليومية، أظن أننا نكون قد اقتربنا فعلا من الإجابة عن السؤال الذي طرحتموه
كيف يصبح انتقال الثقل تراكما لا بداية جديدة.
هذه قراءتي الأولى بصراحة، وقد أكون مخطئا في بعضها،
لكنكم طلبتم الرأي المخالف والصريح. وأنا أعرف أن الكلمة إذا خرجت من الصدق لا ينبغي أن تتجمل حتى ترضي صاحبها.
تحياتي من البادية
ابن البادية... المخالف والصريح
أمين كعابنة