نهاية نفق ووصفة للانفجار
1506
    

جسدت الأحداث الجارية في فلسطين ثلاثة أمور واضحة:

 

أولا : وصول اتفاق اوسلو وملحقاته بما فيها اتفاق باريس الاقتصادي الى نهاية النفق المسدود.

 

وثانيا : انهيار نظرية التطور الاقتصادي في ظل استمرار الاحتلال، وما نظرت له بعض الدول الغربية من بناء المؤسسات كأسلوب وحيد للحصول على الدولة المستقلة.

 

وثالثا: ان المراهنة على مفاوضات ما يسمى "بعملية سلام" مع حكومة اسرائيل، او على تدخل اميركي – للضغط على اسرائيل هي مجرد وهم. ليس فقط لم يعد احد يؤمن به ، بل ولم يعد من الممكن ترويجه من جديد.

 

ان الازمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بفلسطين اليوم قد كشفت مدى زيف الحديث عن التطور والتنمية الاقتصادية في ظل ما ترسخ من إحتلال تحول الى منظومة التمييز والفصل العنصري الأسوأ في تاريخ البشرية.

 

ولن يكون ممكناً بعد اليوم الهروب من المشكلة الجوهرية وهي ضرورة مواجهة نظام الاستعباد الاستيطاني الاسرائيلي الذي يحطم التواصل الجغرافي والقدرة على بناء دولة مستقلة ويدمر كل أسس التطور والبقاء الاقتصادي.

 

ان التبعية الاقتصادية في الاراضي المحتلة ليست مقتصرة على الاعتماد على أموال الدول المانحة، بل أن أساسها يكمن في غياب القدرة لدى السلطة الفلسطينية على اتخاذ قرارات مستقلة عن القيود التي تفرضها اتفاقية اوسلو واتفاقية باريس الاقتصادية.

 

واليوم يدفع الجميع ثمن التعسف الاسرائيلي بالسيطرة الاسرائيلية على معظم الضرائب التي يدفعها الفلسطينيون، ومن ثم التحكم بتحويلاتها كوسيلة للابتزاز السياسي.

 

وما بدا فكرة عبقرية في الماضي بتبني نظرية التطور الاقتصادي الاستهلاكي في ظل الاحتلال كبديل عن لانخراط في عملية تحرر وطني وانشاء اقتصاد مقاوم، يبدو سخيفاً عندما يتذكر الجميع الان بأن اسرائيل تسيطر تماماً على اكثر من ثمانين بالمئة من الضفة الغربية وتحرم اي نشاط اقتصادي مستقل في 62% منها. وتكرس الفصل بين القدس والضفة الغربية وبين الضفة والقطاع وبالتالي تمنع وجود سوق فلسطيني موحد ومشترك. وتسيطر على 90% من موارد المياه في الضفة الغربية وتجبر الفلسطينيين على دفع ضعف ثمن الماء والكهرباء بالمقارنة مع ما يدفعه الاسرائيلي، وتفرض كذلك وحدة جمركية وضريبية وتجعلنا ندفع اسعار السلع بمقاييس اسرائيل التي يفوق دخل الفرد فيها 25 مرة دخل الفلسطيني. وتحاصر اسرائيل قطاع غزة حصاراً خانقاً منذ ست سنوات بما يجعل اعباء الحياة منهكة وتكاليفها هائلة.

 

وتستغل اسرائيل الاراضي والمياه التي تصادرها لإنشاء مشاريع اسرائيلية مربحة وتستخدم المليارات الناشئة عنها لبناء المستوطنات وتوسيعها واستنزاف ما يتبقى من موارد طبيعية محدودة في الاراضي المحتلة.

 

اليوم وبعد خمسة اعوام من سيطرة نظرية بناء المؤسسات والتطور الاقتصادي فان نسبة البطالة في فلسطين هي خامس أعلى نسبة في العالم، وتصل بين الشباب المتعلم في الضفة والقطاع الى 80%، ولذلك لم يكن غريباً بل طبيعياً ان يكون الشباب هم اكثر المشاركين في انشطة الاحتجاج الجارية في الضفة الغربية ضد الغلاء والفقر والبطالة.

 

وأدت ضغوط الاتفاقيات وبعض الدول المانحة لاجبار السلطة الفلسطينية على تخصيص حوالي 30% من موازنة ضعيفة أصلاً للبند الامني الى إضعاف مخصصات التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية والزراعة التي لا تزيد حصتها في الموازنة عن 8ر0% في المائة أي أقل من واحد بالمئة، رغم ان فلسطين بلد زراعي ومقاومة الاستيطان تستدعي تشجيع قطاع الزراعة.

 

ان فلسطين اليوم بحاجة الى نهج اقتصادي مختلف جذرياً. نهج يعزز صمود الناس ومقاومتهم لمنظومة الفصل العنصري بدل اغراق الناس في الديون والقروض وانماط اقتصاد استهلاكي – ليبرالي يجعلهم يلهثون يوما بعد يوم وراء لقمة العيش.

 

لقد لخص دوف فايسغلاس، مساعد شارون السابق الامر بقوله، ان اتفاق اوسلو كان افضل فكرة عبقرية في تاريخ اسرائيل لانه أبقى الاحتلال وتخلص من تكاليفه التي نقلت لكاهل الشعب الفلسطيني والدول المانحة. وبالتالي جعل الاحتلال مربحـاً.

 

ولعلنا الشعب الأوحد في التاريخ الذي يعيش أطول احتلال ويجبر على دفع تكاليفه.

 

ويؤدي امتناع بعض الدول المانحة عن تقديم المساعدات الى نقل حصتها من هذه التكاليف الى الشعب الفلسطيني، وهذا هو تفسير قرارات الحكومة الفلسطينية الخاطئة بزيادة الضرائب والاصرار على رفع قيمة ضريبة القيمة المضافة وعدم التدخل لكبح الارتفاع الجنوني في اسعار المحروقات والمواد الغذائية.

 

و اليوم فان المواطن الفلسطيني يرى انسداداً تاماً في الأفق السياسي. واستمراراً لانقسام داخلي قاتل لا يبدو في الأفق سبيل لانهائه.

 

والآن يضاف الى ذلك بطالة فاحشة وارتفاع هائل في تكاليف المعيشة وفقر متصاعد وعجز عن مواجهة أعباء الحياة اليوميــة.

 

ألا يشكل كل ذلك وصفة للإنفجــار؟

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.