9
    

 

"حين تبدو السماءُ رماديةً/ وأرى وردةً نتأت مِن شقوقِ جدار/ لا أقولُ: السماءُ رماديةٌ/ بل أطيلُ التفرّسَ في وردةٍ/ وأقول لها: يا لهُ من نهار!".                                                                      محمود درويش

*****

في الوقت الذي تتصاعد الاعتداءات غير المسبوقة على أبناء الشعب الفلسطيني، على امتداد أرض فلسطين؛ حيث تستمرّ الإبادة في غزة، ويستمرّ مخطط تهجير الفلسطينيين في مخيمات شمال الضفة، ويتضاعف عدد المستوطنات/المستعمرات الإسرائيلية، وتشتد هجمات آلاف المستوطنين المسعورة على الفلسطينيين، في الضفة الغربية، وتمتد من بلدة إلى بلدة، ومن قرية إلى قرية، ومن مخيم إلى آخر، مع حماية كاملة من جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ هل نستطيع أن نرى وردة تتفتّح من شقوق جدار؟

*****

يأتينا الردّ من الوطن الفلسطيني أولًا، ومن فلسطينيي الشتات ثانيًا، ثم من أصدقاء فلسطين وحلفائها عبر العالم.

علّمتنا غزة، وما تزال أن الصمود المقاوِم ليس شعارًا، بل ممارسة يومية، فردية وجماعية.

علّمتنا غزة أن نبوح بما في داخلنا من غضب ونقمة وحزن وألم لا حدّ له، وفي الوقت ذاته علّمتنا أن نعلي صوتنا السياسي والاجتماعي الناقد، الذي كان خافتًا زمنًا طويلًا.

علّمتنا ألّا نجامل على حساب الجرح النازف، أو على حساب الألم الذي ينخر العظم.

علّمنا أهل غزة كيف نتحدّى الموت والدمار بأشكال شتى وبأساليب إبداعية، وكيف يمكن أن "نربّي الأمل".

كتبوا بغزارة، نساء ورجالًا، شابات وشبانًا، ونشروا كتاباتهم لتترجم بغير لغة عالمية. وثقوا الإبادة صوتًا وصورة، ونشروا وتفاعلوا إعلاميًا وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، كي تصل روايتهم إلى العالم. رسموا وأقاموا المعارض الفنية، وأنتجوا فنًا جميلًا مبدعًا في كل المجالات؛ منها الأفلام الوثائقية، والبودكاست، والفيديوهات القصيرة، والغناء، والعروض المسرحية، بالاعتماد على ما يتوفر لديهم من إمكانات وأدوات، حتى أن أستاذ موسيقى في "معهد إدوارد سعيد في غزة" صنع نايًا من خراطيم المياه البلاستيكية، كي يعزف لطلابه. 

لم تدمّر أحلامهم وإن دمّرت بيوتهم ومدارسهم وجامعاتهم. أصرّ الطلبة منهم على استكمال الدراسة، وتقديم الامتحانات؛ صغارًا وكبارًا، رغم انعدام بيئة دراسية ملائمة؛ حيث الانقطاع المستمرّ للكهرباء، ولخطوط الإنترنت، مما جعلهم يدرسون على ضوء الشموع، رغم خطورتها داخل الخيام، ويعتمدون على ألواح الطاقة الشمسية المتبقية بعد القصف، وعلى البطاريات الصغيرة، كي يستخدموا الإنترنت والمنصات الإليكترونية التعليمية.

وما احتفال خريجي الطب أوائل العام الحالي "فوج العنقاء 2025" - حيث تمّ تخريج 230 طبيبة وطبيبًا من كليات الطب في جامعة الأزهر، والجامعة الإسلامية - سوى أبرز مثال على التحدي والإرادة وزراعة الأمل. هذا الفوج الذي زيّن ساحة الاحتفال بصور وأسماء شهداء كليات الطب، الذين قتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي إبان الإبادة: "كانوا معنا وغابوا عن منصة التخرّج". وكأنهم يقولون: لن يغيبوا عن قلوبنا أو ذاكرتنا الحيّة.

أما التفوّق الواضح لطلبة التوجيهي من قطاع غزة العام 2026، بعد تقديم أكثر من 106 آلاف طالب وطالبة امتحانات الثانوية العامة خلال السنوات الثلاث الماضية، من داخل خيامهم، وفوق ركام منازلهم المدمّرة، وفي تحد كبير للظروف القاسية التي يعيشونها؛ فهو اكبر دليل على احتفاظهم بشعلة الأمل، وسط الدمار والخراب الذي يحيطهم/ن من كل جانب، رغم أنهم لم ينسوا ولن ينسوا للحظة واحدة 1100 طالب وطالبة شهداء، ممن قتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي.

*****

وفي الشتات يسعى الفلسطينيون لدعم وتعزيز صمود شعبهم في غزة والضفة اجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا ونفسيًا وصحيًا؛ أفرادًا وجمعيات ومنظمات وهيئات حقوقية واجتماعية، ومؤسسات تنموية؛ مثل مؤسسة التعاون، التي تركّز على التعليم الأساسي والجامعي، وتعزز صمود الجامعات الفلسطينية، وتسند البلدات القديمة في قطاع غزة، والقدس، وجنين، ونابلس، عبر ترميم بعض بيوتها ومكتباتها، وتنظيم دورات لبناء قدرات مهندسين وحرفيين، قادرين على حماية التراث الثقافي الفلسطيني.

*****

ويمتد حبل الأمل من أهل فلسطين، إلى أصدقائها وحلفائها عبر العالم.

يتصاعد التضامن مع فلسطين ويمتدّ، وتتسع وتنتشر ثقافة المقاطعة باطّراد، عربيًا ودوليًا، لتحقق حركة المقاطعة إنجازات أعمق تاثيرًا من ذي قبل على الصعيد السياسي، والاقتصادي، والثقافي، والرياضي، والأكاديمي.

بالإضافة إلى كشف المزيد من جرائم دولة الاحتلال الإسرائيلي، نجحت حركة المقاطعة العالمية BDS حتى نهاية العام 2025، في إلغاء الاتفاقيات، أو سحب الاستثمارات من الجهات الداعمة ل "إسرائيل". منها "الصندوق السيادي النرويجي"، الذي سحب استثماراته من 23 شركة إسرائيلية، ثم من خمسة بنوك إسرائيلية. ومنها صندوق التقاعد الدنماركي، الذي أعلن استبعاد "إسرائيل" من نطاقه الاستثماري، وصندوق التقاعد ABP الهولندي، الذي سحب استثماراته في شركات داعمة لإسرائيل، مثل شركة "كاتربيلر"، وشركة "موتورولا"، و"كوكا كولا" في الولايات المتحدة الأمريكية.

كما حققت حركة المقاطعة العام 2026 العديد من النجاحات، منها: انتزاع قرارين قضائيين، أحدهما لولاية نيويورك تقضي بوقف نشاطات شركة "بيتار" الصهيونية المتطرّفة، التي استخدمت الترهيب لإسكات حرية التعبير، واستهدفت أشخاصًا بسبب هويتهم، والثاني في بريطانيا، يقضي بعدم قانونية قرار المحكمة البريطانية بحظر منظمة "فلسطين أكشن" واعتبارها منظمة إرهابية.

وتخطط الآن لتنظيم أسبوع مقاومة الاستعمار والأبارتهايد الإسرائيلي (IAW)  في كندا، في يوم الأرض الفلسطيني: 30 آذار/مارس 2026، تحت شعار: "فلسطين تحرّرنا جميعًا".

*****

بعد هذا يبرز سؤال ملحّ: كيف يمكن استثمار هذا الزخم التضامني العالمي مع فلسطين سياسيًا، وكيف يمكن تعزيز صمود شعبنا؟ في ظل انقسام سياسي متواصل، وضعف ذاتي مؤسّسي، وغياب حوار جدي مسؤول بين مكوّنات الشعب الفلسطيني كافة؟ كيف يمكن أن نرى وردة تتفتح من شقوق جدار؟

نستطيع أن نراها إذا آمنّا بقدرات وإمكانيات شعبنا الجبارة، على التحمل والصمود أولًا، عبر تعزيز مقوّمات الصمود بكل الوسائل المتاحة، شعبيًا ورسميًا، وطنيًا وإقليميًا ودوليًا، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا ونفسيًا، ضمن خطة جماعية مدروسة، تتخذ خطوات عملية على الأرض لمقاومة أي اعتداء على أي مواطن/ة، وأي ممتلكات، ولحماية أبناء الوطن، وتبلور رؤية وطنية تحرّرية، واستراتيجية، قادرة على تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال.

faihaab@gmail.com

www.faihaab.com

 

 

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.