8
    

كيف يتجاور الألم والأمل في شهادات الفلسطينيين، نساء ورجالًا، ممن هجّرهم المحتلّ الإسرائيلي الاستعماري من مخيماتهم في شمال الضفة الغربية، منذ العام 2025، كما يتجاور في شهادات من هجّروا من/في قطاع غزة، منذ العام 2023!

وكيف تجاور الألم والأمل في شهادات الفلسطينيين، الذين اقتلعوا من بيوتهم وأرضهم، منذ العام 1948، وظل حلمهم طازجًا في العودة إلى بيوتهم وأرضهم! 

هو الألم الذي يعتصر القلب، وهو الأمل الذي يعشعش في القلب.

*****

"ذكريات عام حافل ومليء بالأمل والألم".

هكذا لخّصت الممرّضة "نهريز يوسف علي عوفة" ( 43 عامًا) ذكرياتها عمّا حدث لها ولأسرتها، بعد نزوحها قسرًا من مخيم نور شمس، بداية شهر شباط 2025، ضمن شهادتها التي وثّقها "مركز الرواة للدراسات والأبحاث"، يوم 31 كانون الأول 2025، وهو اليوم الذي دخلت فيه جرّافات دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى المخيم، بحماية الطائرات الحربية، وشرعت في هدم خمس وعشرين بناية في المخيم.

روت تفاصيل تهجيرها، بداية شهر شباط 2025، بعد تهجير أهالي مخيم طولكرم، وقبله مخيم جنين، من العام ذاته، حيث اقتحم الجيش البيوت، بعد أن "طبّلوا على البيت إنُّه: إطلعوا"، وبدأ بالحارات واحدة تلو الأخرى، وفي غضون يومين كان المخيّم قد تمّ تفريغه كلّيًا من الأهالي، وتدميره تدميرًا شاملًا.

ولم يكن اجتياح المخيم هو الأول، إذ تعرّض المخيّم لعشرات الاجتياحات سابقًا، لكنه كان الأعنف والأشدّ والأكثر رعبًا، حتى أن قوات الاحتلال الإسرائيلي لم تتورّع من حرق عدد من بيوت المخيم، أثناء وجود أصحابها فيها.

*****

لم تستطع عائلة نهريز، التي كانت تسكن في حارة المنشيّة أن تبقى في بيتها، بعد أن خلا المخيم من سكانه، بسبب الطريقة الوحشية التي كان  جيش الاحتلال يخرج بها الناس، حتى أن جنوده طبّلوا على بيت من بيوت المخيم، في بداية الاقتحام، وما كادت الصبية "رهف فؤاد عبد الله الأشقر" التي تبلغ 22 عامًا أن تفتح الباب؛ حتى فجّروه، مما أدى إلى قتلها/استشهادها فورًا.

لم يسمح جيش الاحتلال للعائلة بأخذ أي من أغراضها حتى الملابس، رغم شدة البرد، وحدّد لهم مسارًا محدّدًا، لم يسمح بتجاوزه. ساروا تحت المطر، في طريق طينية، مليئة بالحفر، حتى وصلوا عنبتا،  واستأجروا بيتًا هناك. ومن لم يستطع من اهل المخيم استئجار بيت؛ ساعدته بلدية عنبتا، بالإضافة إلى لجان الطوارئ، التابعة للجان الشعبية في مخيم طولكرم، في إسكانهم في مراكز الإيواء، وتوفير بعض احتياجاتهم.

*****

لعبت الممرِّضة مع زميلاتها، دورًا مميزًا أثناء الاجتياحات المتكرّرة للمخيم قبل النزوح، وعبر عضويتها في لجنة الخدمات، واللجنة الشعبية لمخيم نور شمس، شكّلت وزميلاتها حلقة وصل بين المهجّرين/ات وبين المؤسّسات المختصّة، التي تقدّم الدعم لهم؛ المؤسّسات الطبية، ومؤسسات الدعم النفسي، والمؤسّسات الثقافية المجتمعية، والمساعدة القانونية، واللجان الشعبية، والمراكز والجمعيات النسوية.

تلك المؤسّسات التي نظمت في المخيم لقاءات توعية، ونشاطات ثقافية وتعليمية، ومشاريع تمكين اقتصادي، وأيامًا طبية مجانية، وجلسات تثقيف صحي، ودورات للتدريب على الإسعاف الأولي، ووفّرت بعض الأدوية، وقدمت خطوط اتصالات هاتفية مجانيّة، ساعدت في الإجابة في أي وقت، على أي معلومة أو استشارة  صحية، أو نفسيّة، وجلسات توعيّة، وجلسات تفريغ ودعم نفسي، للمدارس ولرياض الأطفال، وللأمهات، وللمجموعات الشبابيّة، وزيارات ميدانية داعمة لكبار السنّ.

وكان للمؤسّسات الإنسانية دور كبير في ترميم بعض المباني، وإيصال بعض الاحتياجات الأساسية للعائلات، مثل السخانات، وتنكات المياه، وتوفير أدوية وعلاج وحليب حقائب مدرسية للأطفال، وبعض المستلزمات، مثل اللحافات، والفوط، وبعض تنكات المياه.

وبعد النزوح، استمرّت "نهريز عوفة" وزميلاتها في العمل، حيث اشتدت الحاجة للتشبيك مع المؤسّسات والمنظمات والمراكز المتخصّصة، للوصول إلى جميع الأماكن التي يوجد بها النازحون/ات، وتوفير الأدوية والعلاج، وتقديم المساعدات الإنسانية، والنفسية، والاجتماعية، والثقافية، للكبار والصغار.

ومن واقع خبرتها وعملها في التمريض، وفي ظلّ مواصلة الجيش الإسرائيلي عدوانه الإجرامي على أبناء الشعب الفلسطيني؛ أكّدت على أهمية أن يكون في كل بيت مسعف/ة، وأن يكون في كل منطقة بؤرة إسعاف صحية ونفسية. وهذا ما كانت تطمح له المؤسّسات الصحية، ومؤسسات الدعم النفسي، التي حرصت وخططت لإشراك المجتمع ككل في دورات التثقيف الصحي والدعم النفسي.

*****

استهلت نهريز حديثها وأنهته بالتأكيد على أن المخيم هو بمثابة وطن، يحتوي الجيران والأحباب والأهل، وكل ما هو عزيز لديها، وأنها حين نزحت قسرًا إلى عنبتا لم تفقد الأمل يومًا بالعودة إلى بيتها ومخيمها، كما لم يفقد أهلها أملهم بالعودة إلى قريتهم وادي الحوارث، المدمّرة العام 1948، رغم كل المؤشّرات المحبطة.   

"والله المخيّم وطن، كان محتوينا، كان شاعر بألَمنا وبحزنّا، بنِتمَنّى إنُّه نِرجَع إلُه، وأكيد على أمل إنُّه نرجع لبلدنا، ل حيفا ويافا وعكّا، هي إللّي بنِطمَح إنُّه نرجع إلها".

 

faiaab@gmail.com

www.faihaab.com

 

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.