31
    

 

ملخص تنفيذي

يقدم هذا المقال قراءة نقدية تفكيكية لأطروحة الدكتور إياد البرغوثي حول تحول «الإعاقة البنيوية» إلى «إعاقة وظيفية» في الدولة العربية القطرية، بهدف الانتقال بالنقاش من التوصيف لضعف الدولة إلى تفكيك البنية التأسيسية التي أتاحت، في بعض الحالات، تحول الضعف إلى وظيفة سياسية تخدم بقاء الأنظمة، متجاوزا اختزال العلاقة في صيغ مبسطة كـ «نائب الفاعل».

يرى المقال أن النخب والأنظمة يمارسون «فاعلية داخل البنية» عبر التكيف مع القيود وتطوير شبكات مصالح، والاستناد إلى ترتيبات ريعية تفصل السلطة نسبيا عن دافعي الضرائب والمجتمع.

ولتجاوز مخاطر حصر التحليل في لحظة التأسيس الاستعماري، يُدخل المقال معيار «القدرة الوطنية التراكمية» لاختبار الأطروحة نقديا، مميزا بين مسارين تاريخيين للضعف العربي:

1. إنتاج الضعف الوظيفي: أنظمة ترى في القوة خطرا على بقائها فتسيّس الضعف وتديره.

2. فشل تراكم القدرة: أنظمة سعت (كالتجارب الناصرية والبعثية) لبناء قدرات مادية وعسكرية وتنموية، لكنها لم تنجح في تحويلها إلى قوة تاريخية مستدامة، بفعل تداخل الاستبداد وتهميش المجتمع والصراعات القومية والبينية والضغوط الإقليمية والدولية، إلى جانب عجز المؤسسات عن تحويل هذه القدرات إلى قدرة مستمرة ومتجددة.

يخلص المقال إلى أن «اختطاف الدولة» لا يُعالج بتغيير السلطة مع إبقاء المجتمع خارج عملية الإنتاج السياسي، بل بتحول المجتمع من «مفعول به» يُدار إلى «فاعل» يشارك في تعريف المصلحة الوطنية وتوجيه السلطة عبر بناء اقتصاد منتج وأطر ومؤسسات وسيطة ومجال عام مستقل.

وبذلك، فإن الانتقال التاريخي الحقيقي لا يعني الهروب من البنية التاريخية الموروثة، بل امتلاك القدرة التراكمية المشتركة بين الدولة والمجتمع لإعادة تشكيلها من الداخل.

المقال الكامل: من الإعاقة البنيوية إلى الفاعلية داخل البنية: قراءة نقدية في أطروحة د. إياد البرغوثي حول الدولة العربية

يحاول الدكتور إياد البرغوثي في مقاله «الدولة العربية: من الإعاقة البنيوية إلى الإعاقة الوظيفية» الانتقال بالنقاش حول الدولة العربية من توصيف الضعف والهشاشة والتبعية إلى البحث في البنية التي أنتجت هذه الحالات، ثم في الكيفية التي يمكن أن يتحول بها الضعف من حالة تاريخية إلى وظيفة سياسية تخدم بقاء النظام.

وتكمن أهمية هذه الأطروحة في أنها تصل مقاله السابق «النظام العربي.. جدلية القوة والضعف حين تُعَوَّم الكرامة» بمقاله الجديد. ففي المقال الأول يطرح البرغوثي سؤالا منهجيا حول احتمال أن يكون النظام العربي لا «يفشل» في إنتاج القوة، وإنما يعيد تعريف مصلحته بطريقة تجعل الضعف المنضبط والتبعية والعلاقات الخارجية جزءا من شروط بقائه. وفي المقال الثاني ينقل هذا السؤال إلى مستوى أعمق: إذا كان الضعف قد أصبح وظيفة، فما الذي حدث في اللحظة التي تأسست فيها الدولة نفسها وجعل انتقال الإعاقة من حالة بنيوية إلى وظيفة سياسية ممكنا؟

هذه النقلة مهمة؛ لأنها تجعل السؤال لا يتعلق فقط بما تفعله الأنظمة، وإنما بكيفية تشكل الدولة وعلاقتها بالمجتمع والأمة والخارج، وبالكيفية التي تحدد بها هذه العلاقات مجال الفعل السياسي وحدوده.

ومع ذلك، فإنني أرى أن أطروحة البرغوثي تحتاج إلى توسيع من زاويتين مترابطتين: الأولى تتعلق بطبيعة البنية التي نشأت داخلها الدولة،

والثانية تتعلق بموقع النظام والنخب والمجتمع داخل هذه البنية.

كما أن اختبار الأطروحة على نماذج عربية مختلفة يكشف أن العلاقة بين الضعف والقوة أكثر تعقيدا من أن تختزل في نموذج واحد.

أولًا: من «نائب الفاعل» إلى «الفاعل داخل البنية»

في مقاله السابق استخدم البرغوثي صورة «نائب الفاعل» لوصف موقع النظام العربي في علاقته بالقوى الكبرى. وكانت الفكرة أن النظام يقدم نفسه بوصفه فاعلا أصيلا، بينما قد يكون في الواقع يتحرك ضمن مجال تحدده قوى خارجية أكبر، فيتحول الفاعل الخارجي إلى فاعل مستتر، والنظام إلى فاعل ظاهر أو «نائب فاعل»، فيما يقع المجتمع في موقع المفعول به.

أما في مقاله الجديد، فيذهب البرغوثي خطوة أبعد، فيربط هذه الوضعية بلحظة نشأة الدولة العربية نفسها، ويرى أن الدولة القطرية ولدت في سياق اختل فيه موقع الأطراف منذ البداية: الخارج يحدد الملامح العامة، والنظام يتولى إدارة الدولة، والمجتمع يبقى خارج عملية التأسيس، بينما تتراجع الأمة إلى موقع خارج الفعل السياسي.

أجد في هذه الصورة قوة تفسيرية كبيرة، لكنني أتحفظ على تحويلها إلى علاقة ثنائية بسيطة بين فاعل خارجي ونظام محلي تابع.

فالنظام والنخب كما أشرت في قراءتي لمقاله السابق «من نائب الفاعل إلى فاعل داخل البنية: قراءة نقدية في أطروحة الدكتور إياد البرغوثي حول جدلية القوة والضعف في النظام العربي» ليسوا بالضرورة مجرد «نواب فاعلين». إنهم فاعلون بالفعل، لكنهم يمارسون فاعليتهم داخل بنية تاريخية لم يصنعوها وحدهم، وتحدد في الوقت نفسه شروط حركتهم ومجالات مصالحهم وحدودها. وهنا يصبح الفرق جوهريا.

فإذا كان النظام مجرد نائب عن فاعل خارجي، فإن تفسير سلوكه ينتهي تقريبا عند اكتشاف «الفاعل الأصلي». أما إذا كان النظام فاعلا داخل بنية، فإننا نحتاج إلى فهم كيف يتكيف مع هذه البنية، وكيف يستفيد منها، وكيف يعيد إنتاجها، وأحيانا كيف يحاول تعديلها أو تجاوزها. وهذا لا يعفيه من المسؤولية، بل يجعل المسؤولية أكثر تعقيدا. فالفاعل الذي يعمل داخل بنية يستطيع أن يختار، وأن يناور، وأن يبني مصالح، وأن يحول القيود الموروثة إلى مصادر قوة بالنسبة إليه.

ومن هنا أرى أن الانتقال من مفهوم «نائب الفاعل» إلى مفهوم «الفاعل داخل البنية» يسمح بقراءة أكثر تركيبا للدولة والنظام والنخب.

والسؤال المقابل يصبح: إذا كان النظام والنخب فاعلين داخل البنية، فمن هو المفعول به؟ هنا يحتل المجتمع موقعا مركزيا في التحليل.

ثانيًا: الدولة العربية ليست مجرد «أوسلو» موسعة

يضع البرغوثي اتفاق أوسلو في مركز تفسيره لنشأة الدولة العربية، باعتباره نموذجا راهنا يمكن من خلاله رؤية آلية تأسيس كيان سياسي عبر اتفاق بين قوة خارجية ونخبة محلية، مع تغييب المجتمع الذي يفترض أنه صاحب الحق.

لا شك أن أوسلو يقدم حالة شديدة الأهمية لفهم العلاقة بين قوة استعمارية، ونخبة محلية، وسلطة تنشأ في ظل اختلال هائل في ميزان القوة.

لكن إسقاط نموذج أوسلو مباشرة على نشأة الدول العربية القطرية يحتاج، في تقديري، إلى قدر كبير من التحفظ. فالاختلاف هنا ليس تفصيليا، وإنما يتعلق بطبيعة العملية التاريخية نفسها.

جاء أوسلو في سياق صراع على الأرض والسيادة والوجود بين المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي في فلسطين وبين منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل السياسي للشعب الفلسطيني، وفي ظل اختلال هائل في ميزان القوة.

أما نشأة الدول العربية القطرية فكانت جزءا من عملية أوسع لإعادة هندسة المنطقة العربية بعد انهيار الدولة العثمانية وتفكك المجال السياسي الذي كان قائما قبل الحرب العالمية الأولى.

كانت العملية الاستعمارية هنا إعادة تشكيل للعلاقات بين شعوب ومجتمعات أصيلة عبر إعادة تنظيم الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد والمجتمع والقانون والأمن، وإنتاج كيانات سياسية جديدة داخل نظام إقليمي أعيد بناؤه وفق موازين القوة الاستعمارية.

أوسلو يمكن أن يكون «عدسة» لفهم بعض آليات العلاقة بين الخارج والسلطة، لكنه لا يكفي بوصفه النموذج التأسيسي للدولة العربية القطرية.

وهذا التمييز مهم حتى لا نفقد أحد عناصر التحليل الأساسية: أن الدولة العربية لم تُنشأ ببساطة بواسطة اتفاق منفرد بين مستعمر ونخبة، وإنما تبلورت داخل عملية تاريخية طويلة من إعادة هندسة المجال العربي والإقليمي، ثم أعيد إنتاجها بعد الاستقلال بواسطة الدول والأنظمة والمصالح والمؤسسات التي نشأت داخلها.

ثالثًا: الدولة القطرية بين إعادة الهندسة الاستعمارية والفاعلية المحلية

نشأت الدولة العربية الحديثة، في عدد كبير من الحالات، داخل بنية استعمارية أعادت رسم المجال السياسي والجغرافي للمنطقة، وقسمته إلى وحدات سياسية منفصلة، وأعادت تنظيم علاقات الاقتصاد والمجتمع والأمن والقانون والحدود.  ولم تقتصر هذه الهندسة على الحدود والبيروقراطية، بل شملت إرساء بنية اقتصادية تابعة أو ريعية تفصل موارد الدولة عن قدرتها الانتاجية، وعن مجتمع دافعي الضرائب، مما منح السلطة هامشا أوسع للاستغناء عن المجتمع وتعزيز بقائها. 

لكن هذا لا يعني أن كل ما حدث بعد ذلك كان مجرد تنفيذ آلي لمخطط خارجي.

فالكيانات التي نشأت داخل هذا المعمار اكتسبت بمرور الوقت مؤسساتها وجيوشها وبيروقراطياتها وطبقاتها ومصالحها ونخبها، وأصبحت لها ديناميات داخلية لا يمكن تفسيرها بالكامل بالعودة إلى لحظة التأسيس. وهنا تظهر أهمية التمييز بين البنية الموروثة وإعادة إنتاجها.

فالاستقلال لم يكن بالضرورة قطيعة كاملة مع البنية التي سبقته، لكنه لم يكن أيضا مجرد استمرار ميكانيكي لها. ففي حالات عديدة تحولت إدارة البنية الاستعمارية إلى إدارة وطنية، ثم بدأت القوى المحلية نفسها بإعادة إنتاج أجزاء منها، وأحيانا تعديلها بما يتناسب مع مصالحها. وهذا هو المجال الذي تظهر فيه الفاعلية السياسية للنظام والنخب.

ومن هنا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من أنشأ الدولة؟ بل أيضا: ماذا فعل الفاعلون المحليون بالدولة التي ورثوها؟

وهل أعادوا تعريف وظائفها؟ وهل وسعوا قدرتها؟ وهل دمجوها بالمجتمع؟ وهل استخدموا مؤسساتها لبناء قدرة وطنية مستقلة؟ أم أصبح استمرار البنية الموروثة مصلحة لبعض القوى التي تشكلت داخلها؟

رابعًا: مشروع الشريف حسين والمفارقة القومية

وهنا يحتاج تفسير نشأة الدولة العربية أيضا إلى قدر من الحذر عند الحديث عن «المشروع العربي» الذي هُزم وحلّت الدولة القطرية مكانه.

فالثورة العربية الكبرى ومشروع الشريف حسين بن علي جاءا في سياق تفكك الدولة العثمانية والحرب العالمية الأولى، وتقاطعت أهداف الشريف الخاصة في إقامة كيان عربي واسع تحت قيادته مع أهداف القوى الغربية التي كانت تعمل على تفكيك الدولة العثمانية وإعادة ترتيب المشرق.

ومن ثم لا يصح التعامل مع مشروع الشريف حسين بن علي بوصفه ببساطة التعبير المكتمل عن مشروع قومي عربي كان يسعى إلى إقامة دولة قومية عربية حديثة على النموذج الأوروبي ثم أجهضه الاستعمار.

كان المشروع جزءا من تفاعل أكثر تعقيدا بين طموح سياسي محلي، وصراع إمبراطوري، وتفكك عثماني، وتدخل بريطاني وفرنسي، وصعود أفكار قومية عربية لم تكن قد اكتسبت بعد شكل المشروع السياسي الموحد الذي ستأخذه لاحقا.

وهذا التمييز مهم؛ لأنه يسمح لنا بفهم نشأة الدولة القطرية باعتبارها نتيجة تفاعل بين التفكك العثماني والتدخل الاستعماري والتفاعلات العربية الداخلية، وليس مجرد إحلال خارجي لدول مصطنعة مكان دولة عربية قومية مكتملة المشروع. وبذلك تصبح العلاقة بين الأمة والدولة أكثر تركيبا مما توحي به الثنائية المباشرة بين «أمة موجودة» و«دولة استعمارية مفروضة».

خامسًا: من لحظة التأسيس إلى قرن من التاريخ

ربما يكون التحفظ الأهم على أطروحة البرغوثي هو خطر أن تصبح لحظة التأسيس تفسيرا شاملا لكل ما جاء بعدها. فالولادة مهمة، لكنها لا تختصر العمر كله.

لقد مرت قرابة قرن على تشكل الدول العربية الحديثة. وخلال هذا القرن قامت ثورات وانقلابات وحروب وانتفاضات، وتغيرت الطبقات الاجتماعية، ونشأت جيوش ومؤسسات وبيروقراطيات، وتوسعت المدن، وانتشر التعليم، وتغيرت البنية الاقتصادية، وظهرت طبقات وسطى، ونمت الحركات السياسية والاجتماعية.

وبالتالي فإن الدولة العربية التي نراها اليوم ليست هي الدولة التي ولدت في لحظة الانتداب. إنها نتاج تفاعل مستمر بين البنية الموروثة والفاعلين الذين تحركوا داخلها. وهنا تصبح عبارة يحيى بركات في مقاله «حين يصبح المفعول به فاعلًا» بأن «الولادة تفسر الكثير، لكنها لا تفسر العمر كله» مدخلا مفيدا، ليس لنقض أطروحة البرغوثي، بل لتوسيعها. فالسؤال لا ينبغي أن يتوقف عند: كيف ولدت الدولة؟

بل ينبغي أن يستمر إلى: ماذا فعلت هذه الدولة بتاريخها؟ وكيف تغيرت؟ ومن أعاد إنتاج بنيتها؟ ومن حاول تجاوزها؟ وما الذي تراكم داخلها من قدرة أو عجز؟

سادسًا: معيار القدرة الوطنية التراكمية

وهنا أقترح إدخال معيار أراه ضروريًا لاختبار أطروحة البرغوثي: معيار القدرة الوطنية التراكمية، الذي أشار إليه خالد عطية في مقاله «حين تحتاج المراجعة إلى مراجعة: من نقد البديهيات الفلسطينية إلى نقد البنية» وحاولت استكمالها بمقالي «من نقد البديهيات إلى تأسيس القدرة: قراءة استكمالية لمقال خالد عطية».

فإذا كان الهدف هو معرفة ما إذا كان النظام ينتج الضعف عمدا، أو إذا كان الضعف يتحول إلى وظيفة سياسية، فلا يكفي أن نرصد مظاهر التبعية أو التجزئة أو ضعف السيادة. ينبغي أن نسأل أيضا: ماذا راكمت الدولة عبر الزمن؟

هل بنت مؤسسات؟ هل وسعت قدرتها الاقتصادية؟ هل طورت التعليم والمعرفة؟ هل بنت قدرة عسكرية مستقلة؟ هل وسعت التمثيل السياسي؟

هل عززت العلاقة بين الدولة والمجتمع؟ هل زادت قدرتها على اتخاذ القرار المستقل؟ هل حولت الموارد والتضحيات والأزمات إلى قدرات تنتقل من مرحلة إلى أخرى؟

فالمرحلة التاريخية لا ينبغي أن تقاس فقط بما حققته في لحظتها، وإنما بما تركته للمرحلة التالية. ومن هنا يمكن صياغة معيار أكثر صرامة:

القدرة الوطنية التراكمية هي قدرة الدولة والمجتمع على تحويل الموارد والخبرات والمؤسسات والتضحيات إلى قدرة أكبر على الفعل المستقل في المرحلة التالية. وهذا المعيار يسمح لنا باختبار أطروحة البرغوثي بدل الاكتفاء بتأييدها أو رفضها نظريا.

سابعًا: ماذا تكشف النماذج العربية المختلفة؟

وعند تطبيق هذا المعيار على نماذج عربية مختلفة، تظهر صورة أكثر تعقيدا من أن تفسرها أطروحة واحدة.

في بعض الحالات، نجد دولا اعتمد استقرار أنظمتها بدرجة كبيرة على علاقات خارجية، وعلى ضبط المجتمع، وعلى إبقاء المجال السياسي محدودا، وعلى التكيف مع أشكال الاقتصاد الريعي او الاعتمادي الذي يجني الموارد دون حاجة لبناء قاعدة إنتاجية أو عقد اجتماعي قائم على المساءلة.  هنا تبدو أطروحة البرغوثي أكثر قدرة على التفسير: فقد لا يكون ضعف الدولة مجرد نتيجة للفشل، وإنما قد يتحول إلى جزء من توازن المصالح الذي يحمي النظام.

لكن نماذج أخرى تكشف العكس. فمصر الناصرية، مثلا، لا يمكن تفسيرها ببساطة من خلال نموذج النظام الذي لا يريد القوة. فقد شهدت محاولة لبناء قدرة وطنية في الصناعة والتعليم والمؤسسات والجيش، وتبنت مشروعا قوميا سعى إلى تجاوز الإطار القطري وإعادة تعريف موقع مصر عربيا ودوليا.

وبالمثل، فإن التجارب البعثية في سوريا والعراق حملت، رغم اختلافاتها العميقة، مشروعا معلنا لبناء الدولة وتعزيز الاستقلال والتصنيع وتوسيع مؤسساتها، وربط الدولة بمشروع قومي يتجاوز حدود القطر.

ومن منظور القدرة الوطنية التراكمية، تكشف هذه التجارب عن تراكم عناصر مهمة من القدرة في مجالات سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية. لكنها اصطدمت بتناقض أساسي: فبناء قدرة الدولة لم يترافق بالقدر نفسه مع بناء قدرة المجتمع على المشاركة في إنتاج الدولة والقرار.

فالاستبداد وغياب الديمقراطية وتضييق المجال العام حدّت من قدرة المشروع القومي على بناء علاقة سياسية واجتماعية متجددة مع المجتمع، وجعلت الدولة قادرة في بعض المجالات، لكنها أقل قدرة على إنتاج شرعية سياسية واجتماعية مستقرة وقابلة للتجدد.

وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية: قد تستطيع الدولة أن تبني القدرة، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تبني القدرة على إنتاج القدرة.

أي أن الجيش والصناعة والمؤسسات والتعليم يمكن أن تتطور، لكن إذا لم تتطور معها المؤسسات السياسية والاجتماعية التي تسمح بتجديد المشروع واستيعاب المجتمع، فإن هذا التراكم يظل هشا أمام تغير القيادة والأزمات والصراعات.

ثامنًا: مفارقة المشاريع القومية

تكشف الناصرية والبعثية أيضا عن مشكلة أخرى تتجاوز العلاقة بين النظام والمجتمع: العلاقة بين المشاريع القومية نفسها.

فالمشروع الذي أراد تجاوز التجزئة وجد نفسه داخل نظام عربي مجزأ، حيث تنافست الأنظمة على قيادة المشروع القومي، ودخلت الناصرية والبعثية في صراعات حادة، كما انقسم البعث نفسه بين مراكز قيادة متنافسة في سوريا والعراق. وهكذا تحولت المنافسة على قيادة مشروع الوحدة أحيانا إلى عامل إضافي في إضعاف إمكان بناء إطار عربي مشترك قادر على تجميع القدرات.

أي أن المشكلة لم تكن دائما غياب المشروع القومي، بل أحيانا عجز المشاريع القومية عن بناء علاقة تعاونية فيما بينها تسمح بتحويل القدرات القطرية إلى قدرة عربية تراكمية.

لكن هذه المفارقة الداخلية لم تعمل في فراغ. فقد تداخلت مع صراعات إقليمية ودولية، ومع استنزاف طويل بفعل الصراع مع المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي الوظيفي، بما أداه من دور إمبريالي في إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة، فضلا عن الضغوط والتدخلات الدولية التي واجهت محاولات بناء قدرات وطنية مستقلة.

ومن ثم فإن تفسير إخفاق هذه المشاريع لا ينبغي أن يُرد إلى الاستبداد وحده، ولا إلى التنافس بين المشاريع القومية وحده، ولا إلى التدخل الخارجي وحده، ولا إلى الصراع العربي ـ الصهيوني، وجوهره الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وحده؛ وإنما إلى تفاعل هذه العوامل بعضها مع بعض، بحيث عزز كل منها، في سياقات مختلفة، أثر العوامل الأخرى.

تاسعًا: من إنتاج الضعف إلى فشل التراكم: الدولة والمجتمع

وهنا تتضح قيمة المقارنة. فهناك فرق بين حالتين:

الأولى: نظام لا يرى في القوة المستقلة مصلحة، لأن بناءها قد يهدد ترتيبات بقائه، فيصبح الضعف نفسه جزءا من وظيفته السياسية.

والثانية: نظام يرى في القوة والاستقلال مصلحة، ويحاول بناءهما، لكنه يفشل في تحويل ما راكمه من قدرات، بسبب اختلال علاقته بالمجتمع، أو الصراع الداخلي، أو التنافس الإقليمي، أو الاستنزاف الخارجي، أو عجز المؤسسات عن تحويل هذه القدرات إلى قدرة تاريخية قابلة للاستمرار والتجدد. 

الحالتان تنتجان ضعفا في النهاية، لكن مصدر الضعف ووظيفته مختلفان.

وهذا يعني أن مفهوم «الإعاقة الوظيفية» لا يصلح بوصفه تفسيرا عاما لكل الضعف العربي، وإنما يفسر بصورة أقوى الحالات التي يصبح فيها الضعف نفسه جزءا من آلية بقاء النظام. أما في الحالات الأخرى، فقد يكون الضعف نتيجة فشل في تحويل القدرة إلى تراكم، وليس نتيجة قرار بإنتاج الضعف.

وهنا نصل إلى العقدة الأعمق في أطروحة البرغوثي. إذا كان النظام قد اختطف الدولة، كما يقول، فإن استعادة الدولة لا يمكن أن تعني مجرد استبدال النظام بنظام آخر. لأن المشكلة قد تتكرر إذا بقي المجتمع خارج عملية إنتاج الدولة.

فالتغيير الحقيقي لا يحدث عندما يتغير شاغل الكرسي فقط، وإنما عندما يتغير موقع المجتمع من الدولة. وهنا يصبح السؤال: هل المجتمع مجرد مفعول به؟

أم أنه يستطيع أن يتحول إلى فاعل داخل البنية؟

وهذا التحول لا يتحقق بالهبات الموسمية، وإنما عبر بناء قدرة اجتماعية تراكمية: مجال عام مستقل، ومؤسسات وسيطة، ونقابات وأطر أهلية وفكرية، ومساحات للتفكير والتنظيم والمساءلة، وقدرة على تحويل المصالح الاجتماعية المتفرقة إلى مصالح عامة، ثم إلى فعل سياسي.

وبذلك ننتقل من مفهوم «المجتمع الذي يُدار» إلى مفهوم المجتمع الذي يشارك في إنتاج الدولة وتعريف المصلحة الوطنية.

وهذا هو المكان الذي تلتقي فيه أطروحة البرغوثي مع السؤال الذي طرحته في قراءتي لمقاله السابق: كيف ينتقل المفعول به إلى موقع الفاعل؟

عاشرًا: من الإعاقة إلى الفاعلية: إعادة تشكيل البنية من داخلها 

لا أعتقد أن استعادة الفاعلية تعني انتظار إعادة بناء المنطقة من الصفر، أو التخلص أولا من كل البنى الموروثة. فالفاعل السياسي لا يبدأ من فراغ، وإنما يبدأ من بنية موجودة، بحدودها ومؤسساتها وموازين قوتها وعلاقاتها الدولية والإقليمية. ولذلك فإن الاعتراف بقوة البنية لا يعني التسليم بحتميتها.

فالفرق بين الفاعل والمفعول به ليس أن الأول يوجد خارج البنية والثاني داخلها، وإنما أن الفاعل يستطيع أن يستخدم الموارد المتاحة لتوسيع مجال حركته، وبناء قدرته، وتغيير بعض شروط البنية التي يتحرك داخلها. ومن هنا فإن الفاعلية داخل البنية ليست نقيضا لتغيير البنية، بل قد تكون شرطه الأول.

وتكشف التجارب التي حاولت بناء قدرة الدولة أن امتلاك المؤسسات والجيش والصناعة والتعليم والقدرات الاقتصادية والسياسية لا يكفي وحده لضمان استمرار هذه القدرة؛ إذ قد تعجز الدولة، في الوقت نفسه، عن بناء الشروط الاجتماعية والسياسية التي تجعل قدرتها قابلة للتجدد والتراكم. فبناء قدرة الدولة لا يعني بالضرورة بناء قدرة المجتمع على المشاركة في إنتاج الدولة والقرار.

ومن هنا لا يكفي أن نسأل: هل أصبحت الدولة أقوى؟ بل ينبغي أن نسأل: هل أصبحت القدرة التي بنتها قابلة للانتقال إلى المرحلة التالية؟ وهل تحولت المؤسسات التي بُنيت إلى قدرة فعلية قابلة للاستمرار؟ وهل تحولت القدرة إلى استقلال في القرار؟ وهل تحولت الاستقلالية إلى قدرة على الفعل؟ وهل أصبح المجتمع شريكا في إنتاج هذه القدرة وقادرا على تطويرها ومساءلة السلطة التي تديرها؟

وهذا يعيدنا إلى العلاقة بين الدولة والنظام والمجتمع. فإذا كان النظام قد استطاع في بعض الحالات أن يحتكر الدولة، فإن استعادة الدولة لا يمكن أن تعني مجرد استبدال نظام بآخر. لأن المشكلة يمكن أن تتكرر إذا ظل المجتمع خارج عملية إنتاج الدولة وتعريف وظائفها ومصالحها. فالتحول الحقيقي لا يحدث بمجرد تغيير شاغل الكرسي، وإنما عندما يتغير موقع المجتمع من الدولة: من مجتمع يُدار ويُطلب منه الامتثال، إلى مجتمع يمتلك مؤسسات ومساحات للفعل والتنظيم والمساءلة، ويشارك في تعريف المصلحة الوطنية وتوجيه الدولة.

وبذلك يصبح المجتمع جزءا من القدرة الوطنية التراكمية نفسها، لا مجرد موضوع لسياسات الدولة. فالقدرة لا تكتمل إذا بقيت محصورة في مؤسسات الدولة وأجهزتها، وإنما تصبح قابلة للاستمرار عندما تتحول إلى قدرة مشتركة بين الدولة والمجتمع، تستطيع الأجيال اللاحقة أن ترثها وتطورها.

وعند هذه النقطة يتضح معنى «الفاعلية داخل البنية». فهي لا تعني التكيف مع البنية أو قبولها كما هي، كما لا تعني انتظار لحظة تاريخية يتم فيها التخلص منها بالكامل. إنها تعني امتلاك القدرة على العمل داخل البنية من أجل توسيع مجال الفعل، وتراكم القوة، وتغيير شروط البنية تدريجيا.

حادي عشر: من المفعول به إلى الفاعل

تكشف هذه القراءة أن أطروحة د. إياد البرغوثي حول «الإعاقة الوظيفية» تضيء جانبا أساسيًا من مأزق الدولة العربية، لكنها لا تستوعب وحدها تعدد المسارات التي أنتجت الضعف العربي. المشكلة ليست بالضرورة غياب القدرة، بل العجز عن تحويل القدرة الموجودة إلى قدرة مستمرة ومتجددة، وعلى إشراك المجتمع في إنتاجها وتوجيهها.

وهنا يعود السؤال الذي بدأ منه هذا المسار كله: كيف ينتقل المفعول به إلى موقع الفاعل؟

فربما لا يكون الانتقال التاريخي الحقيقي من «المفعول به» إلى «الفاعل» هو الخروج من البنية، وإنما امتلاك القدرة على إعادة تشكيلها.

 

مواضيع ذات صلة

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.