
مضى عهد كانت الصحافة فيه تخضع لضوابط ما يسمى بأخلاقية المهنة وتحمّل المسؤولية عن كل ما يُنشر فيها من أخبار، ونعيش اليوم في عهد ما يسمى بوسائل التواصل الاجتماعي حيث أصبح بمقدور كل واحدٍ ان يكتب وينشر ويحلل ويحرم ويتهم ويبرئ كما يريد دون أن يتعرض للمساءلة إلا اذا تورط ببعض الأعمال التي تقع تحت طائلة قوانين الجرائم الالكترونية التي لا تزال في مرحلة التطور عاجزة عن اللحاق بالتطور التقني المذهل الذي ينفتح امام وسائل التواصل والذي يواجه اليوم أخطر منزلق يتمثل بالذكاء الاصطناعي الذي يكاد يُفقد الإنسان العادي القدرة على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو من صنع الذكاء الاصطناعي.
لقد فرحنا في أوائل التسعينيات من القرن الماضي بانفتاح أفق الانترنت وحلول الإيميل محل الفاكس مثلا ولكننا سرعان ما وجدنا، وبفضل الثورة التقنية الحديثة، ان الإيميل بات من معدات العصر القديم اذا ما قورن بالوسائل الحديثة للتواصل التي هي في سباق مع الزمن تلهث وراء التقنية.
جالت هذه الأمور في خاطري وأنا أستعرض هذه الأيام بعض ما تتداوله وسائل التواصل من مستندات ووثائق تبدو صحيحة لأول وهلة ثم سرعان ما يشوب الشك مصداقيتها حالما بادر الى ذهن القارئ الشك بأنها ربما تكون من صنع الذكاء الاصطناعي او الفوتوشوب او غير ذلك.
ورغم واجب الحرص والتحفظ إزاء كل ما يتم تداوله من وثائق واتهامات في وسائل التواصل إلا أننا هنا في مناطق السلطة او الأراضي المحتلة او دولة فلسطين المحتلة، أسموها كما شئتم، وبسبب غياب الشفافية والمساءلة البرلمانية وسيادة حكم القانون نجد أنفسنا في دوامات بين الشك واليقين إزاء هذه الاشاعات.
ويزيد من مشاعر الضياع ويعزز مشاعر الشك ويضعف اليقين هو العديد من تجارب الماضي التي بقيت بمثابة ملفات مفتوحة لم يتم اغلاقها بشكل واضح يضع نهاية للشك والخوف. ويمكن القول بأمن من أبرز هذه الملفات هي الملفات التي تتعلق بإشاعات الفساد او سرقة المال العام او تسريب الأراضي والممتلكات للمستوطنين.
أذكر على سبيل المثال حدثاً وقع في أواسط الثمانينيات حين اتصل بي المرحوم الشهيد فيصل الحسيني ودعاني للاضمام له ولأخوة آخرين لكي نذهب ونعتصم في أحد البيوت في سلوان قريب جدا من باب المغاربة لأن المستوطنين اقتحموا ذلك البيت ويريدون الاستيلاء عليه. وقد ذهبنا بالفعل واقتحمنا البيت في مواجهة المستوطنين وكدنا نشتبك معهم بالأيدي وتدخلت الشرطة وقررت اخلاء الطرفين من ذلك البيت نحن والمستوطنين حقناً للدماء ومنعا لصدام دموي بيننا وبينهم. وبالفعل تم اخلاء الجميع وقال ضابط الشرطة ونحن نغادر المكان ان من له الحق يستطيع ان يأخذه بالقانون مؤكداً ان البيت قد تم شراؤه وليس اقتحامه. ثم تبين بعد أيام ان البيت بيع بالفعل وان البائع اختفى او سافر لجهة مجهولة. وأصبحت هذه الاسطوانة تتكرر من حين لآخر سواء داخل اسوار البلدة القديمة بالقدس او حي سلوان الذي يطلقون عليه اسم "عير دافيد" أي مدينة داود او أماكن أخرى في الأراضي المحتلة. وما زال الحبل على الغارب حتى اليوم، نصرخ ونحتج ونتظاهر ونشجب ونستنكر ثم نهدأ تدريجيا وتخمد أنفاسنا في انتظار تسريب جديد.
من التسريبات الموجعة التي شهدتها القدس داخل الأسوار هو تسريب بيت عائلة جودة وهو بيت قديم تاريخي متعدد الطبقات ومعه أرض وكان ذلك في عهد حكومة الدكتور رامي الحمد الله وهاج الناس وماجوا وتواترت الاشاعات عن تورط زيد وعمر لدرجة ان الحكومة قررت تشكيل لجنة وزارية للتحقيق في ذلك وكشف ملابسات التسريب والمتورطين فيه، وما زلنا حتى اليوم بانتظار نتائج عمل تلك اللجنة التي يُعتقد أنها دخلت في سبات عميق قبل ان تبدأ عملها بفضل جرعات منوم زائدة عن الحد.
وفي الأسبوع الماضي تم تسريب بيت تابع لأشخاص من عائلة مسودة في جبل المكبر بالقدس ولا تزال هناك روايات متضاربة حول كيفية تسريبه وهو بالقدس حيث لا تستطيع السلطة العمل العلني، ولكن الأدهى وأمر هو تسريب ثمانية بيوت في الديوك التحتا بالقرب من أريحا وهي مناطق تابع للسلطة أيا كان تصنيفها وكان الأجد ان تعرف الجهات الأمنية الفلسطينية المختصة عن التسريب قبل إتمام الصفقة لأن عدم معرفتها بذلك قبل وقوعه هو مؤشر فشل.
وإضافة لمسلسل حوادث تسريب البيوت والأراضي للمستوطنين سواء في القدس او مناطق السلطة دون التوصل الى تحقيقات واضحة تزيل عنها اللبس والغموض وتضع المتورطين تحت المجهر والعدالة هناك ملفات فساد ضخمة تحدثت عن مليارات او مئات الملايين تم التعتيم عليها في نهاية المطاف وازاحتها الى دائرة النسيان مثل ملف رئيس هيئة المعابر السابق نظمي مهنا الذي غادر البلاد بطريقة مثيرة للجدل، ثم صدرت بحقه احكام غيابية وما زال يسرح ويمرح في الخارج رغم ما قيل عن اختلاسه الملايين ولم تتم ملاحقته بواطة الانتربول وهناك شكوك حول كيفية خروجه من البلاد وافلاته من قبضة العدالة.
ليس الهدف من هذه العجالة هو ذكر ملفات الفساد التي فُتحت ثم أغلقت قسرا او لم تُفتح أصلا وهي ليست بالقليلة ولكن الهدف من هذه العجالة هو طرح التساؤل: لماذا تقع كل هذه الجرائم بحق الوطن والشعب ونحن نتعامل معها بنفس الأسلوب منذ السبعينيات والثمانينيات، شجب واستنكار وتداول اشاعات واتهامات ثم نهدأ تدريجياً بانتظار الفضيحة القادمة.
والجواب في رأيي هو أن النظام الفلسطيني الحالي استنفد وجوده، فهو يعمل منذ اكثر من عشرين عاما بدون مساءلة برلمانية وبدون فصل بين السلطات ، وكل اهتمامه يتركز على الشأن السياسي وعلى الجانب الأمني وكلاهما مرتبطان بالجانب الآخر ، وأما شأن المواطن والوطن وحق المواطن وحق الوطن فهي أمور مغيبة لأن العامل الوحيد الذي يستطيع حمايتها هو سيادة حكم القانون والرقابة والمساءلة البرلمانية وتجديد الشرعية عبر صناديق الاقتراع، ولقد آن الأوان منذ سنين طويلة لإعادة الشرعية الى مؤسسات الحكم بعد تجميد الحياة البرلمانية منذ أكثر من عقدين من الزمن، وإعادة حق الاختيار الى الشعب وتمكينه من اختيار ممثليه ورعاية حقوقه ومصالحه بنفسه من خلال انتخابات رئاسية وبرلمانية تتيح تشكيل حكومة من الشعب ولأجل الشعب.
abuzayyadz@gmail.com