8
    

تنويه سياقي: في أصل هذا الحوار ومساراته

يندرج هذا المقال في سياق حوار فكري ونهضوي ممتد عبر منبر موقع "الأنطولوجيا" الثقافي المعطاء، وهو يأتي استجابةً، وقراءة عقلانيةً ومُنيرة، للمقاربة التفكيكية المُقَابلة التي طرحتها الدكتورة غانية ملحيس تحت عنوان "في أفق التحرر الإنساني: الكرامة معياراً ثابتاً والعقل ممارسة نقدية لا تتوقف".

وإني لَأؤكد، أولاً، كُلَّ ما هو مؤكد بلا ريب أو حتى ظل شكٍّ، بشأن طبيعة الحوار الذي نخوض غماره بجدية وصرامة وسعي دائم للتأكد من ممارستنا انفتاحاً عقلياً موسوماً بالإنارة، وبغيرها من خصائص وسمات تستجيب لما تلزمنا به ثقافة فلسطينيةٌ وطنية إنسانية ديمقراطية تسعي، وفق قول الصديقة العزيزة الدكتورة غانية، إلى "التأسيس لا التكرار"، وهو القول الذي أثني عليه، والذي أراها -لشديد الأسف- قد تخلت عن إلزام نفسها به منذ أول عبارة تلته في سياق البند الأول من بنود تعقيبها الستِّ، الذي ستكرسه، حسب إفصاحها، لنقد المفاهيم التي استندتُ إليها في سياق ما تراه سعياً من جانبي لـ"نقل الحوار من التنظير إلى رسم خارطة طريق إجرائية لبناء شروط التنوير"، ولبيان "التبعات المعرفية والسياسية"، لهذه المفاهيم وفق المنهج التفكيكيّ السَّائل الذي تتباه وتنتهجه، أو لعلها تكونُ قد اعتنقته بلا تحفظٍ.

المحور الأول: الثابت الجوهري وصلابة "الفلسطينيين"

كان للنهج الافتتاحيِّ التأكيديِّ الذي اختارته الدكتورة غانية لتأكيد "الثوابت الجوهرية التي تجمعنا"، أن يُتيح لي إمكانية تأكيد كل ما قد أكدته أقوالي وكتاباتي وممارساتي من ثوابت استراتيجية، شرعتُ أدركها توالياً منذ أن أينعت في كياني بذرةُ إنسانيتي في "مدينتي غزة" وفي رحاب حاضنة وجود شعبي، وحافظة مبتكرات حياته الإنسانية الحضارية المتوالية منذ فجر الحضارة الإنسانية، في تواصل لم ينقطع أبداً، برغم أعتى الغزوات الأجنبية والاحتلالات، فيما يناضلُ شعبي، في الزمن الراهن، نضالاً باسلاً، ليضمن بقاء هذا التواصل الحميميِّ الصَّميميِّ مستمراً بلا انقطاعٍ حتى نهايات أبدٍ وجوديٍّ لا ينتهي، مع وطنه الأزلي الأبدي "فلسطين".

فعلى هذه الثوابت تأسس حواري مع الدكتورة غانية ملحيس، كحوار كان لتعقيبي على تعقيبها على مقالي "خطاب العقل المنير" أن يفتح الحوار على آفاق أوسع، وأن يعزز استمراريته على قاعدة الالتزام المبدأي المطلق بكل المكونات الجوهرية للالتزام الفلسطيني الإنساني الرصين التي هي أعمق، وأرسخ، من مجرد "الانحياز المبدأي لفلسطين"، و"رفض التوحش الاستعماري الصهيوني وداعميه"، و"الدفاع عن حق شعبنا في الحرية والكرامة"، كثلاث ثوابت أوردتها الدكتورة غانية في مقالها الأخير؛ إذ ليست هذه الثوابت الثلاثة إلا ثوابت تفصيلية للثابت الجوهري الأوَّل والأخير الذي يجمعنا، والذي نؤسس حوارنا، كما مجريات حياتنا، وممكنات وجودنا الحالي والمستقبلي، على سريانه الظاهر، أو المضمر، في كل قول أو نص أو فعل أو تصرف أو سلوك يصدر عن كلينا، كحقيقة راسخة في وعي كلٍّ مِنَّا إزاء آخره، وإزاء رسالته الحياتية الوجودية، الفلسطينية الإنسانية، غير الخاضعة لأدنى مساومة أو تخلٍّ أو تغيير، أو تعديلٍ، أو إبدال.

فما هذا الثابت الجوهري الاستراتيجي غير القابل للتفكيك وإبدال الأسماء والمعاني والمدلولات المفهومية، إلا أنَّ فلسطين الواقعة بين النهر والبحر بأكملها لنا نحنُ، نحنُ الفلسطينيين دون سوانا من بني البشر؛ فهي وطننا، وهي مجالنا الحيوي الحياتي الوجودي الوحيد؛

وما هذا الثابت الجوهري الاستراتيجي إلَّا أنَّ فلسطين تنفي، نفياً قاطعاً، وجود أي سردية تتعلق بها لا تستقيم مع سرديتها الحضارية التاريخية الحقيقية الكبرى، وهي السردية الموثقة والمؤصلة والمؤكدة والمبرهن عليها من كل جانبٍ ومنظور ووجهة؛ وهي السردية التي تنفي، نفياً جذرياً حاسماً،، وجود أي صلة للصهيونية وإسرائيلها بفلسطين؛

وما هذا الثابت الجوهري الاستراتيجي إلَّا أنَّ صلة الصهيونية بفلسطين تقتصر على صلة المستعمر الرأسمالي العنصري الاحتلالي الإحلالي الاستيطاني الذي سلَّح نفسه بسردية زائفة، وبأيديولوجية أسطورية دينية تخييلوجية أشد زيفاً من السَّردية الأسطورية الدينية التخييلوجية التي ستشغل أغلب متونها، وذلك لتوظيفها في تحشيد يهود العالم وصهينتهم وحوسلتهم وتجنيدهم وتسليحهم لتسويغ "غزو فلسطين" واستعمارها وادعاء ملكيتها بموجب "وعد إلهي" زائف هو أول جمرة خبيثة" وظفت لإنتاج أحط وأعتى مشروع غزو استعماري استيطاني إبادي عرفه تاريخ البشر.

وما هذا الثابت الجوهري الاستراتيجي إلا أنَّ التحالف الاستعماري الرأسمالي الصهيوني العنصري مع الرأسمالية الغربية الأوروبية الأمريكية، ولا سيما الأنجلوسكسونية، هو الصاحب الشريكي المتضامن، والممول، والرافد بالكائنات البشرية المتوحشة، وبكل اسباب الحياة، والأسلحة الإبادية الفتاكة، لمشروع "أغتصاب فلسطين"، وسرقة تاريخها وتراثها وحضارتها، ومحو وجودها على خارطة العالم عبر صهينتها، أو تهويدها، أو عبرنتها، أو غربنتها، أو أوربتها، أو أمركتها، وإبادة شعبها، وتسميتها "دولة إسرائيل" التي لا يُراد لها أن تكون إلا كياناً رأسمالياً استعمارياً وظيفياً مُعادياً للإنسانيَّة.

لا خلاف، إذن، بشأن فلسطين، التي هي بحسب مصطلح "الفلسطينزم (Filastinism)" كما أفهمه وأدرك منطوياته المفهومية، وأُكثفها في تغريدة وجودية تقولُ: "إنّ فلسطينَ جوهرُ الإنسانيَّة الصَّافي، وطوقُ نجاتها، ودُرَّةُ تاجها".

ولكن أين يكمن الخلاف الحقيقي الذي شرع يسفرُ عن وجوده، بجلاء، وما منابعه الفعلية المتحققة والممكنة؟

بحسب فهم الدكتورة غانية، ووفق منهجها التفكيكيّ المُوظف من قبلها بشمول شبه مطلقٍ، وبلا أدنى مقاربة نقدية تتولى تفكيكيه بقصد الانتفاع بخيره وتحييد شره، واستناداً إلى إفصاحها اللفظي المباشر، فإن الخلاف يكمن: "في السؤال المعرفي والتربوي والأخلاقي: كيف نبني عقلاً يُحرر الإنسان ومجتمعه، دون أن يقع، من حيث لا يدري، في إعادة إنتاج منطق الهيمنة، ونزع الإنسانية، ومصادرة حق الإنسان في نقد مقولاته؟".

أما بحسب فهمي، فإن الخلاف لا يكمن أبداً في هذا السؤال الذي ندرك أهميته، وأوضحنا إجابتنا السَّاطعة عنه في مواضع لاحقة عديدة من هذا المقال ودائماً من منظور عقلنا الإنساني المنير الذي لا يغفل ممكنات المنهج التفكيكي وفوائده، وإنما ينقده ويفهمه ويهضمه ويحوله إلى مجموعة أدوات أو آليات أو إجراءات منهجية تعزز المنهج التحليلي التكاملي الرصين الذي نتوسله في تحليل القضايا والنصوص والإجابة عن أسئلة الحياة والوجود وفهم الظواهر وإدراك العالم؛ ولذا، فإن التناقض المنهجي، الذي شرعنا نبصرُ انعكاساته وآثاره، ليس ثانوياً أو جزئياً قابلاً للمعالجة، وإنما هو جذريٌّ ومتشعب يشارف حدود التناقض المطلق.

المحور الثاني: في تهافت الأداة التفكيكية وحتمية "الإبدال المنهجي"

كيف يمكن، إذن، تجاوز هذا التناقض المنهجي الذي يبدو مستعصياً؟ إن لم تذهب الدكتورة غانية، صوب مراجعة أو إبدال منهجها التفكيكي السائل الذي ثبت إخفاقه، وانعدام ملائمته لمعالجة قضايا مصيرية كالتي نطرحها، فإنه يستحيل العبور بالحوار نحو فضاء التأسيس. والمفارقة هنا هي أن العقل الإنساني المنير لا يطالب الدكتورة غانية بتبني ثوابت منهجية خارجية تبنياً إلزامياً قسرياً، بل يطالبها بأن تستجيب لدعوة التفكيكية التي تعتنقها، هي ذاتها، بالمراجعة النقدية الدؤوبة، والتدقيق، والإرجاء، والإبدال، وتوليد المعاني والدلالات، وأن تطبقها على نفسها قبل أن تسرف في طلب تطبيقها على غيرها، وذلك على نحو قد يكبح فوضى سيولتها التَّساؤلية اللاأدرية غير السوية التي تُسقطُ العقل في دوران عبثي لا ينتهي ولا يتناهى، فتغيب الثوابت، وتسحق المساطر والمعايير العقلية والأخلاقية وسواها من المعايير والمساطر الإنسانية واجبة الوجود حفاظاً على الإنسانية وحماية لها من شرور أعدائها!

لا يقصي منهجنا التكاملي المنهجية التفكيكية إقصاءً كلياً، بل يستوعبها استيعاباً نقدياً واعياً يفضي إلى تحويلها من "غاية عدمية تلغي الثوابت" إلى مجرد أداة، أو آلية تحليلية مرنة، وخلاقة، تعمل في نطاق بنية هيكلية كلية تفاعلية جامعة هي قاعدة البناء المعرفي التنويري الصلب.

هكذا يتحول التفكيك في يد العقل الإنساني المنير إلى "مبضع جراحي" تتعين وظيفته الأساسية في تعرية الأيديولوجيا الاستعمارية وتفكيك زيف السردية الصهيونية ومصانع محتواها الرقمي "هسبرا"، دون أن يمس هذا المبضع صخرة اليقين الأخلاقي، والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وقانونها الإنساني المرشح، بإرادة العقل الإنساني المنير، للتطور والارتقاء بما يستجيب لتطورها وارتفائها. فهل لهذا المنهج الرصين أن يفضي إلى حل معضلة التَّوجس التفكيكي التَّيْئيسي التدميري المهلك الذي يتصور أنه يفتح أبواباً ومسارات فيما هو يُغلقها إذْ يُجمِّد الخطو ويحول دون الأقدام ومتابعة السير صوب عبور أي منها لتحقيق ما ينشده "العقل الإنساني الجمعي المنير"؟

الأرجح أنه يفعل ذلك باقتدار، فالمنهج التكاملي الناهض على إعمال العقل الإنساني المنير إنما يخلقُ وعياً إنسانياًً جمعياً يتكفل بالحيلولة دون إعادة إنتاج الاستلاب والهيمنة، أو الوصاية والاستلاب، وذلك عبر ترسيخ معيارية الكرامة البشرية الثابتة غير القابلة للنزع، وتعميق الالتزام بجميع مكونات "الشرعة الدولية لحقوق الإنسان"، وشتى منظومات حقوق الإنسان وحرياته الأساسية وفي صلبها جميعاً حقه في الحياة والحرية والكرامة، لا عبر تمييعها التفكيكيّ اللحظي الذي يترك الضَّحية بلا أسلحة فكرية، أو تحصين إنساني، في غمرة الإبادة.

وإذ تؤسس المقاربة التفكيكية المقابلة، أو ربما المضادة في هذا الحوار، للعقل الإنساني المنير ومنهجه التحليلي التكاملي، تصديها المعرفي لمنتجات هذا العقل على الخوف الوهمي من سلطته، ومن عزمه المفترض، والمُتَوجس تفكيكياً من حدوثه، على فرض هيمته ووصايته، فإنها تغفل، أو هي لا تريد أن تدرك الدَّور التحصيني المكين الذي سيتولى الوعي الإنساني الجمعي التحرري النهضوي المنير الذي ينتجه العقل الإنساني الجمعي المنير، في هذا الإطار، وهو الوعي الذي تنعدم إمكانية إطلاق حراك تحرري نهضوي إنسانيٍّ جمعيٍّ دون وجوده.

وفوق ذلك، فإنَّ المقاربة التفكيكية المكتفية بذاتها، والمغرورة بسيولتها التَّساؤلية التي لا تنتهي ولا تتناهي، والتي تُعلق إطلاق أي حراك تحرري نهضوي لحين عثورها المستحيل على إجابات إطلاقيه قاطعة، عن كل أسئلتها، تكادُ لا تبصرُ حقيقة أنها تقع في عجز بنيوي مستعصٍ يحرمها من معالجة الأزمات الوجودية الكبري التي تعانيها الأمم والشعوب، بل والإنسانية الجوهرية بأسرها؛ إذ كيف يستقيم فكرٌ يطالب بالتحرر الشامل، وصياغة شروط النهضة والنهوض، وإعلاء شأن الكرامة البشرية-الإنسانية، فيما هو يرفض في الوقت عينه المحافظة على أي قاعدة، أو منظومة معيارية، صلبة يُستطاع قياس الحق والباطل والعدالة والظلم، وغير ذلك من الثنائيات ذات الصلة بالوجود البشري-الإنساني بموجبها؟

إن إصرار الدكتورة غانية على إدخال المفاهيم في سيولة وتدوير دلالي لامتناهٍ يُفضي بها-من حيث تدري أو لا تدري- إلى النأي بنفسها عن نهج "التَّأسيس" الذي تنشد الانتماء إليه، والسقوط، من ثمَّ، في فخ "التكرار" الأكاديمي الغربي السائد الذي تدعو إلى تفاديه، وفي دياميس اعتناق أدبيات ما بعد الحداثة النيو ليبرالية التي صِيغت لتفكيك بؤر المقاومة الصلبة للشعوب المستضعفة، "المُعَذَّبة في الأرض"، المُستَغَلَّة، والمُستبد بها.

وإني لأحسبُ أن التأكد من جدوى الحوار، أي حوار، وضمان قدرته على تحقيق الغايات المنشودة منه، تفرض إعمال أدوات التفكيك على منهج التفكيك نفسه، وإلزام أصحاب التيارات التفكيكية في شتى حقول المعرفة الإنسانية بإرجاء سيولته اللغوية ورخاوته الاصطلاحية والمفهومية المتحولة بلا انقطاع، وذلك تلبيةً للنداء الوجودي الذي يكثف مفهوم "الفلسطينزم"، ماهيته، وهويته، ونبل مقاصده الإنسانية، وسمو غاياته.

المحور الثالث: تفكيك مغالطة "المرتبة الأخلاقية" وسلطة التعريف

تنطلق الدكتورة غانية في تبيانها تفاصيل الخلاف القائم بين رؤية العقل الإنساني المنير ومكونات خطابه التحرري النهضوي الذي أسعى لبلورته، بتوضيح أنني أتخذ من التقسيم الثلاثي للعقل والكينونة-وهو التقسيم الذي ابتكرته وأتحمل وزره ولا ألقي به على كاهل سواي، والذي أستند في معطياته التفصيلية لبلورة استخلاص يقول: "إنَّ الإنسانية منجزٌ وجوديٌّ يكتسب بالجهد الأخلاقي، وليست معطىً وجودياً مسبقاً"، مسوِّغاً، لا تشغلُ نفسها في التبصر في مُؤسِّساته النظرية والعملية، لنزع صفة الإنسانية عن غلاة التوحش الصهيوني ورموزه.

وعند بروز هذه النقطة بالتحديد، واكتمال تجليها في مرآة المنهج التفكيكيّ الفوضوي الرخو السَّيَّال، تتوقف الدكتورة غانية لتقرر، مُتَسرعةً، أن هذه هي النقطة التي "تُبرز المأزق الفلسفي والأخلاقي الأكبر"، ولتذهب- في ضوء هذا اليقين، ومن دون بيان ما يستند إليه منظورها التفكيكي في جعله الشيء الذي وصفته مأزقاً فلسفياً وأخلاقياً-إلى التَّساؤل التشكيكي: "إذا كانت الإنسانية مرتبة تكتسب وليست صفة ملازمة للوجود البشري، فمن هي السلطة المعرفية أو السياسية التي تملك حق تحديد من ارتقى إلى "الإنسانية"، ومن انحطَّ إلى "التوحُّش"؟".

والحقُّ أن هذا التَّساؤل يفصح عن سقوط في مغالطة "التحريف المعرفي"؛ إذ صوَّر المنظور التفكيكي المناهض، بجلاءٍ ذي غاياتٍ غير جلِيَّةٍ، للعقل الإنساني المنير ومؤسساته ومكونات خطابه وخلاصاته، هذا الفرز السُّلوكي كأنه استحداث لـ"سلطة قمعية وصائية" تمنح صكوك الإنسانية وتحجبها قسراً.

ويبدو أنَّ العقل التفكيكي السائل قد كرس نفسه، في هذه اللحظة السياقية، لإفراغ وعي الإنسان الذي يُعْمِلُهُ من حقيقة أن العقل الإنسانيَّ المنير لا يَُنصِّبُ نفسه لأمر يناقض ماهيته وطبيعته الإنسانية المنيرة، كأن يجعل من نفسه جهة مانحة أو سالبة، إذ هو عقلٌ يقررُ حقيقة وجودية وأنطولوجية صارمة: إن "بذرة الكرامة الإنسانية الكامنة في بذرة إنسانيته" هي معطى أصيل مستقر في كينونة كل كائن بشري بلا استثناء، وهي تمنحه "بشريته" الراسخة، وخيار العلو بها صوب "إنسانيته"، وتضمن له الأهلية للمساءلة، وحق المحاكمة العادلة وفق القوانين والمعايير ومنظومات القيم والمبادئ الإنسانية.

بيد أن الارتقاء من هذا المعطى البيولوجي الخام الذي هو " حالة البشرية الخاميَّة" صوب مرتبة "الإنسانية الجوهرية" ليس هبة مجانية مستقرة بلا ثمن، بل هو "صيرورة ومكابدة وإرادة سلوكية" محكومة بمسؤولية الاختيار والحرية؛ فالكائن البشري الوحش-كغلاة التوحش الصهيوني ورموزه الموغلين في الجريمة البشرية القصوى- هو من أهدر طواعية، وبإرادة أيديولوجيته العنصرية التوحشية المناهضة للإنسانية، تلك البذرة الكامنة في أعماقه، لينزلق بكفاءته الأداتية الباردة نحو "العقل البشري المتوحش".

إن نعت هذه الكائنات البشرية بالتوحش البشري، وتأصيل مرتبتهم السُّلوكية الدانية التى لا تنحطُّ عملياً عن مرتبة البشرية الخاميَّة السَّوية فحسب، بل عن مرتبة الحيوانيّة السَّويَّة أيضاً، ليس "احتكاراً استعلائياً للتعريف"، وإنما هو توصيف علمي، عارٍ من أي لُبْسٍ، لواقع الأفعال؛ وإن الاعتراض غير المنطقي، على الفرز الثلاثي الذي يقيمه العقل الإنساني المنير، والدعوة إلى التخلي عنه، بدعوى الخوف من الوصاية التي يمكن لهذا العقل أن يفرضها عبر توظيفه، إنما يقود، موضوعياً وربما عن وعيٍّ وتقصُّد، إلى مساواة الضحية بالجلاد في الرتبة الأخلاقية، ناهيك عن أنه يُفضي إلى تجريد "الشرعة الدولية لحقوق الإنسان" بكل مكوناتها من قدسيتها الأرضية، وصلابتها المعيارية، ووظيفتها الأساسية الهادفة إلى حماية الإنسانية من شرور أعدائها، ومواجهة كل أشكال العنصرية والتوحش البشري.

المحور الرابع: في قوننة التوحش وتأبيد الحصانة (التفكيك كدرع للجلاد)

يتبدى الخطر الوجودي والعملي الداهم للنهج الإرجائي التفكيكي، في كونه يُفرغ الكلمات من صخرتها المرجعية؛ فالمطالبة بمراجعة المطلقات الأخلاقية والقانونية مراجعة لحظية يحول عملياً دون وجود أي معيارية إنسانية صلبة وراسخة لمحاكمة أعداء الإنسانية ومنتهكي منظوماتها القيمية، وشرائعها، وقوانينها. وهذا بدوره، لا يفضي إلى إغلاق إمكانية إقامة محاكمات عادلة لمجرمي الحرب الإباديين فحسب، بل يؤول بالضرورة إلى تأبيد تحصين هؤلاء المجرمين، وحمايتهم بنفس أدوات القوة التي استخدموها في اقتراف جرائمهم.

ولعل في مقاربة مواقف إسرائيل، والولايات المتحدة الأمريكية إزاء محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، وتواتر إجراءات الكيانات السياسية الوظيفية التابعة لهما، وغيرها من الهياكل والكيانات الوظيفية المُعولمة والمتعددة المجالات والخصائص والوظائف والصفات، في "فرض عقوبات عليهما، جراء إقدامهما على تقديم استشارات، واتخاذ إجراءات، لصالح قضية فلسطين وشعبها، وضد التوحش الرأسمالي الاستعماري الصهيوني الأمريكي، أن يفصح عن أبعاد المآل الكارثي الذي سيؤول إليه العالم، والإنسانية بأسرها،؛ جراء التقاء التفكيك المعرفي السائل مع التوحش الإمبراطوري البارد في نقطة واحدة: حرمان الضَّحية من مسطرتها القانونية، وإعفاء الجلاد من وقوفه ذليلاً أمام سلطان العدالة. إن إعمال التفكيكية في قضايا وجودية ومصيرية كهذه، ليس ممارسة نقدية سويةً، بل هو تحصين للتوحش البشري بإطلاق، وتخلٍّ مطلق عن إنسانية الإنسان.

المحور الخامس: غزة والمسألة الانتخابية (تفكيك العقلانية الأداتية)

أفردَ الطرح التفكيكيُّ المقابل لما يطرحه العقل الإنساني المنير وفق منهجه التكامليِّ من أفكار استراتيجية وخياراتٍ إنسانيةٍ مُؤصلة، مساحةً واسعةً لمناقشة "غزة وطوفانها" من منظور تفكيكيٍّ يختزل الأزمة، أو لنقل الحالة المأساوية المتجذرة التي يعانيها أبناء شعبنا الفلسطيني قطاع غزة" في غياب الحوامل السياسية المؤسسية، وغيرها من الهياكل والمؤسسات الفلسطينية المتعددة الاختصاصات والمهمات، أو في تكلسها البيروقراطي، وتقاعسها الوظيفي المزمن.

والواقع أن هذا الطرح يسقط مجدداً في فخ العقلانية الأداتية التي لم تكف الدكتورة غانية عن تكرار التحذير من الوقوع في فخاخها؛ ولعل مقالاتي الأخيرة المنشورة حول ملابسات "الانتخابات الفلسطينية" وتأجيلاتها المتعاقبة وتأطير صناديقها تحت نير العنف الاستعماري والتجويع والتعطيش والتشظي تفصح بوضوح عن عمق رؤيتنا الشاملة التي تجافي الاختزال التفكيكي، الترحيلي، غير السوي.

إن الرهان على الهندسة الانتخابية، وصناديق الاقتراع، وترقيعات الهياكل الإدارية البيروقراطية الباردة، وسط مناخات الإبادة الشاملة، والتدمير الكلي واستلاب الفضاء الفلسطيني الحياتي الوجودي من قبل إسرائيل بوصفها القوة القائمة باحتلال فلسطين بأكملها، إنما هو عجز معرفي صريح. ذلك أن غزة ومقاومتها الباسلة ومظلوميتها الجسيمة ليست معنيةً بالبحث عن تعلية سقف إجرائي، أو تجديد إطار تشريعيٍّ، أو توسيع حيزٍ مكاني للتنفس الدوري، ضمن شروط الاحتلال الصهيوني وتحت نير حصاره الكلي الخانق، وإنما أعلت صراخها لتكون "صدمة أنطولوجية" توقظ العقل البشري البيولوجي الخام من سباته وتكلسه الكوني المزمن، وعجزه عن الشروع في مسيرة البحث عن بذرة إنسانيته على نحو يمكن هذه البشرية، إنْ تأنسنت من سماع صراخ غزة، وكل فلسطين.

إن غزة، في وعي العقل الفلسطيني الإنساني التحرري النهضوي المُنير، هي الساحة الوجودية، والتجسيد الحيوي المتواصل منذ أمد بعيد، لمفهوم "الفلسطينزم" كجوهر أخلاقي كوني؛ فليس للتحرر الفلسطيني- الإنساني الحقيقي أن يبدأ إلا بإنارة وعي الذات الفلسطينية الإنسانية، الفردية والجمعية بكرامتها الإنسانية المتأصلة، وبحقها المتجذر في الحياة، وممارسة الحرية، ابتداءً، وقبل أي مهمة أخرى؛ وذلك على نحو يُؤسس الجهد الوطني الفلسطيني الجمعي لتجاوز مأزق "الشعب الذي يُستشار في دفاتر السياسة ولا يُلتفت لجرحه الوجودي".

ومن منطلق أطروحاتنا التأسيسية التي عمقناها في مقالنا "المثقف الإنسان وإصلاح العالم"، يتأكد لنا أن "الفلسطينزم" يمثل المعادل الموضوعي الأعلى لنفي "الجريمة البشرية الأشد عُتواً وتوحشاً بحق الإنسانية" وهي الجريمة المتمثلة بإقامة الكيان الصهيوني الاستعماري العنصري التوحشي المُسمَّى "دولة إسرائيل" فوق أرض فلسطين.

إنََ التحرر المعرفي، الناهض، ابتداءً، على التخلي عن التفكيكية الفوضوية، اللاأدرية، الشكوكية الإطلاقية، الهلامية، السائلة الرخوة، والسعي الجدي اللاهب لاستعادة البوصلة الإنسانية الوجودية، وذلك عبر إعمال العقل الإنساني التحرري النهضوي المنير، إنما هو السبيل المفضي لميلاد أي مؤسسة تشريعية أو قضائية أو تنفيذية وطنية إنسانية حُرَّة تُعزِّز الإنسانية وتحصنها فيما هي تُعزِّز نفسها وتتحصن بها، وليس العكس. وأحسب أنَّ هذا التحرر المعرفي شرط لازب لإطلاق أي حراك تحرري نهضوي، بقدر ما هو شرط لازب لإطلاق واستمراريةً أي حوارٍ ثنائي أو جماعي يُراد له أن يكون حراً، تفاعلياً، خلاقاً، وقادراً على إنتاج معرفةٍ إنسانية أصيلة ومُؤصَّلة من كل جانب ومنظور صائب ووجهة.

المحور السادس: سلطان الثبات الأخلاقي وشرعية المواجهة

هنا تبرز الضمانة الوجودية الكبرى التي تحمي مشروع العقل الإنساني المنير من التماهي مع نقائضه؛ فقد يُحمل الكائن البشري الوحش مسؤولية تجميد وجود، أو حتى اجتثاث، بذرة الكرامة الإنسانية الكامنة أصلاً في أعماقه نتيجة ارتهانه لأيديولوجيا صهيونية عنصرية موغلة في التوحش، أو لأي أيديولوجيا أخرى توسم بأنها عنصرية متوحشة، متطرفة، ومعادية للإنسانية.

غير أن العقل الإنساني المنير لا يمنحُ نفسه حقَّ أنْ ينزع عن كائن بشري كالمجرمينِ الإبادييينِ: "بنيامين نتنياهو" و "دونالد ترامب"، المتهمين بالأمر باقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية شاهدت الإنسانية بأسرها وبأم عينيها كل دورات اقترافها، كرامته البشرية-الإنسانية بكامل معناها القانوني والإجرائي؛ لأنَّ هذا العقل ليس معنياً بتجريد الكائن البشري من بذرة إنسانيته،، أو من حريته وكرامته المتأصلتين في كينونته البشرية، مهما بلغ غيه وضلاله وتوحشه ومعاداته للإنسانية، وأياً ما كانت دوافعه ومحفزاته لفعل ذلك؛ فهذا فعل استبداديٌّ يناهضُ العقلُ الإنسانيُّ المنير وجوده أصلاً، ويحاربه ويعمل بكل طاقته ودأبه على تأكيد انعدام إنسانيته.

فهل لعقل إنسانيٍّ حققيٍّ، خيِّر ومنير، وما من غاية قصوى له إلا أنسنة البشرية بأسرها، وإعادة متوحشي البشر إلى بشريتهم السوية، تمهيداً لمساعدتهم على بدء السعي لإدراك إنسانيتهم، أن يذهب إلى اقتراف خطيئةٍ يفقده اقترافها إنسانيته ويحيله إلى نقيضه؟!

إنَّ العقل الإنساني المنير ينأى بنفسه عن تجريد الكائن البشري من مكون أو ملكة أو سمة أو حقٍّ لا يملك، ولا يستطع عملياً، تجريده منها، مهما بلغت درجة توحش هذا الكائن، ومعاداته للإنسانية، وإجرامه. إن أقصى ما ينشده هذا العقل ويدعو إليه، يتمثل في سَوْق هذا الكائن، مُقَيداً، إلى قضاء "الشرعة الدولية لحقوق الإنسان" كآلية قضائية، قانونية إجرائية، للتحقيق معه، وصوغ مذكرة اتهام له، وتقديمه لمحاكمة عادلة تكفل له فيها جميع الحقوق القانونية التي تنبع من عدالتها، فتحاسبه، وتوقع العقاب الذي تقرره العدالة الإنسانية العادلة بحقه.

فلا خوف، إذن، من إمكانية أن يتحول هذا العقل إلى نقيضه، أو أن ينخرط مع أي من نقائضه الجزئية أو الكلية في تجربة تَمَاهٍ تفاعليٍّ مستحيل؛ لأنه ببساطة يفتقد للملكات المراوغة والسائلة التي يتوافر عليها العقل التفكيكي الرخو، والتي تتيح له تمييع المعاني وإرجاء التعريفات اللَّحظية.

والحقُّ أنَّ هذا العقد الأخلاقي الصلب بين العقل الإنساني التحرري النهضوي المُنير، والإنسانية الجوهرية بأسرها، وفي قلب قلبها فلسطين، لا يفرز حياداً عاجزاً، بل يدعو، بصلابة، إلى مواجهة التوحش البشري بكل السبل، وفي مقدمتها المقاومة الوطنية والكفاح المسلح، المكفول بالكامل بموجب ميثاق هيئة الأمم المتحدة لجميع الشعوب المُستعمرة، والناهضة في وجه الاحتلال الاستعماري، والتدمير الكلي الشامل، والإبادة الجماعية وكل أشكال العنصرية والتوحش البشري.

المحور السابع: في تهافتِ الاتِّهام بـ "عقلية المؤامرة" وتعرية التوحش الخوارزمي

لا يفوتني في هذا السياق، أن أتوقف عند لجوء الطرح التفكيكي الذي يزعم أنه يُمارس النقد، إلى إشهار "سلاح الاتهام الجاهز" بتوظيف "عقلية المؤامرة" ونظريتها، على نحو يذكرنا بآليات توظيف تهمة "مُعَاداة السامية"، لمجرد أننا قمنا بـ"تفكيك" البنية التكنولوجية والخوارزمية المعاصرة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تديرها وترعاها منظومة الـ "هسبرا" الصهيونية العالمية، بالتحالف مع الرأسمالية الإمبريالية، تفكيكاً جزئياً يكفي لتأصيل فرضياتنا الناجمة عما أدركناه في هذا الخصوص من تماثلات تصل حدَّ التطابق في آليات إعمال المنهج التفكيكي بين نصوص كتاب استحدثوا أنفسهم بهذه الصفة بفضل توظيفهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتمكينها من استخدامهم وفق ما تمت برمجتها عليه لضمان تحقيقها ما بتوجبُ عليها تحقيقه عبرهم، وبأسماىهم الصريحة أو بغيرها، من أهدافٍ وغايات تصبُّ في صالح مشغليهم.

وقد كان لهذا التفكيك الواعي والحذر، أن يؤهلنا لإدراك إجابة ممكنة، تتميز بدرجة عالية من الصدقية والصواب، عن السؤال: كيف يسقط الفكر الذي يدعي التفكيك ومساءلة آليات الهيمنة في فخ السطحية، فيعجز عن رؤية جوانب من الواقع المادي العاري، ويسمي تسميته من قبل العقل الإنساني المُنير "مؤامرة" أو يعيدها، على نحو اتِّهاميِّ شديد التَّسرع، إلى إعمال نظرية المؤامرة؟

إن حديثنا عن خوارزميات الذكاء الاصطناعي وأنظمته الرقمية الباردة (مثل أنظمة لافندر وحبسورة) التي توظفها آلة الحرب الاستعمارية لتوجيه الوعي المعولم، وخنق الحق الإنساني الفلسطيني، ومأسسة الإبادة الجماعية، إنما هو تشخيص بنيوي وعلمي موثق لمنظومة "العقل الأداتي المتوحش" في ذروة تجلياته التقنية المفرطة في التجرَُد من الأخلاق.

إن التفكيكية السائلة والرخوة لتبدو هنا عاجزة تماماً عن مواجهة التوحش الرقمي؛ لأن إصرارها على تمييع المصطلحات وتفريغها المستمر من أي مضامين ثابتة، يتقاطع، بنيوياً وموضوعياً، مع أهداف الخوارزمية النيوليبرالية الصهيونية ذاتها.

المحور الثامن والخاتمة الكبرى: من "المثقف التفكيكي المشلول" إلى "المثقف العضوي الجمعي الإنسان"

إنَّ التمترس خلف السيولة اللغوية، والإرجاء الدلالي والمفهومي، في مواجهة حرب إبادةٍ وجودية كالتي تقترفها "دولة إسرائيل" بمشاركة كلية من "الولايات المتحدة الأمريكية" وبعض الدول الرأسمالية الغربية الأنجلوسكسونية، في فلسطين، لا يقود في مآلاته الأخيرة إلا إلى صناعة ما سنطلق عليه مصطلح "المثقف التفكيكي التشكيكي المشلول"؛ ذلك النمط الأكاديمي، أو الإنترنتي، أو الوظيفي، الذي يُغرق الوعي الاحترافي الذي يتوافر عليه في ترف المراجعات والسيولة اللحظية للمفاهيم، فيتحول عجزُ وعيه المعرفي الاحترافي الآلي الأداتي، إلى أداة لتعطيل الفعل الإنساني التحرري النهضوي التاريخي، وتجريد الذات الفلسطينية الإنسانية المقاومة من بوصلة اليقين.

وبالطبع، فإن العقل الإنساني المنير لا يذهب إلى نزع إنسانية هذا المثقف التفكيكيِّ التشكيكيِّ المشلول، الذي هو أحد نقائض "المثقف العضوي الجمعي الإنساني المشتبك" لأنه عقلٌ لا يخول لنفسه الإقدام على فعلٍ لا يريده، ولا يُسَوِّغه، ولا يستطيعه، ولا يمنحه أي درجة من درجات الصَّوابية والقبول، ولكنه يرفض، في الوقت عينه، رفضاً قاطعاً الصمت إزاء أي فعل أو قول أو نصٍّ يتوخى تعطيل صيرورة الحراك الإنساني النبيل الهادف إلى إدراك التحرر الكلي الناجز واستعادة مسارات النهوض الحضاري الإنساني الخلاق، مثلما يرفضُ تمرير شرور أي عقل بشري كالعقل الصهيوني الرأسمالي العنصري الاستعماري الذي يدعو، بتحفيز محمومٍ، ومسخٍ مفاهيمي، إلى هدم قيم الإنسان وتمرير أيديولوجيات التوحش الصهيوني الرأسمالي العنصري الساعية، بلا توقف،، لتزييف الوعي العالمي، وتزوير الوجدان الإنساني الجمعي لتجعله وجداناً صهيونياً يتقنع بالإنسانية الزائفة ليسوغ للتوحش البشري اقتراف الجرائم بحق الإنسانية الجوهرية التي يُناصبها العداء.

وفي مواجهة هذا الشلل المعرفي، يتجلى البديل الحضاري والرد الوجودي الأقوى الذي صغناه في متن أطروحتنا التأسيسية المرجعية "المثقف الإنسان وإصلاح العالم"؛ حيث أكدنا صراحةً أن: "ليس لمفهوم "المثقّف العضويّ"، على أصالتِهِ المعرفيَّةِ المُلْهِمَة، أنْ يكتنزَ لُبَّ مُكَوِّنات الدعوة الإنسانيَّة المُلِحَّة إلى إنهاض حَراكٍ تغييريٍّ، إنسانيٍّ جَمْعيٍّ، وفَعَّال". ومن هنا ينبثق مصطلحنا المستحدث: "المثقف العضوي الجمعي الإنسان" ليكون حاملاً لـ "الدعوة الإنسانية الملحة لإصلاح العالم" متجاوزاً تموضع المثقف تموضعاً فئوياً،أو حزبياً، أو طبقياً ليرتقي به صوب رحابة الانتماء إلى الإنسانية الجوهرية، كغاية منشودة وممارسة حيوية لا تنقطع.

إنه، إذن، المثقف العضوي الجمعي الإنسان الملتحم بالجسد الكلي الفلسطيني الإنساني، والخائض غمار النضال في كل مدارات المجال الوجودي الحيوي الفلسطيني الإنساني المشترك، والواقف بصلابة كفاحية، وتفتح فكري وطني إنساني نبيل، بوصفه مكوناً وجودياً حياتياً حيوياً لا ينفصلُ، بأي حال، عن أي مكونٍ حيويِّ وفعَّال آخر من مكونات شعبه وأمته وإنسانيته، ولا عن رافعي ألوية أيَِ وسيلة تتوسل بها، أو أداة تعتمدها، أو نهج تختطه، المقاومة الشعبية الفلسطينية الإنسانية الشاملة المتكاملة الباسلة، الناهضة أصلاً على حق الشعب الفلسطيني والإنسانية الجوهرية بأسرها بممارسه حقهما الطبيعي والقانوني والإنساني المشترك والمطلق في ممارسة كل إشكال الكفاح وأساليبه لمواجهة الاستعمار الرأسمالي، والرأسمالية الصهيونية العنصرية، والتوحش البشري، بشتى أشكال وجودها التحالفي المتضافر الملتحم، لاجتثاثها من جذورها والتخلص النهائي القطعي الحاسم من جرائمها وفظائعها وشرورها.

ولعلنا نصل هنا إلى بدء تلمس الحاجة إلى إطلاق السؤال الاستنكاري الكاشف: هل سيطالبنا العقل التفكيكيُّ ذو السيولة الفوضوية المطلقة بإعادة تعريف القداسة لتتطابق مفهومياً مع الدناسة، والإنسانية لتطابق التوحش، والكرامة لتتطابق مع المهانة، والحرية لتطابق الاستبداد، لكي يتابع تجربته التماهوية المفتوحة، وبلا إرجاء، مع العقل البشري التوحشي بشتى تجسداته السلوكية؟!

الجواب: نعم، فهذا التماهي البنيوي هو المآل الحتمي لسيولة تفكيكية تُفرغ المعاني من صخرتها الصلبة.

وإننا إذ نضعُ إصبعنا على مصدر الخلاف المنهجي الجذري البائس، ولا نقول الاختلاف في الرأي، وإذ نُرَسِّم، بوضوح، الحدود الفاصلة بين العقل الإنساني المنير والعقل التفكيكي التشكيكي السيَّال بكل صفاته وسماته ومآلاته التي سعينا جاهدين لتوضيحها من منظور العقل المنير الذي يقودنا، ويرشدنا، ويصوب خطونا، فإننا لا نغلق مسار الحوار، بل نفتح أوسع الآفاق أمام مثاقفة تفاعلية مبدعة وحوار خلاق، داعين أصحاب المقاربة التفكيكية المُنَاهضة لمقاربتنا الإنسانية المنيرة، إلى تبني الدعوة نفسها، وذلك بالشروع العملي في ممارسة شجاعة المراجعة والإبدال المعرفي على منهجهم التفكيكي الأداتي الرخو السيال؛ فالتفكيك حين يتحرر من كونه عقيدة دوغمائية، ومن انتمائه المأزوم إلى ما بعد حداثة مأزومة ورأسمالية متوحشة تسعى إلى تأبيد وجودها، وإلى غوايات النيوليبرالية المنفلتة من كل معيار وإلتزام إنسانيٍّ، وحين يتحول إلى محض أداة من أدوات المنهج التكاملي المسترشد بعقل إنساني منير لا يعود منبعاً لتصنيع الخلاف، لأنه لا يعود موجوداً أصلاً وفق ماهيته والغايات التي جيء به من أجلها. وهنا يمكن للمُتحاوِرَين المباشرينِ، والمُتَحاورينَ غير المباشرين، وما أكثرهم، أن يلتحموا، بصلابة اليقين الأخلاقي لمفهوم "الفلسطينزم"، وأن ينخرطوا في تجارب تفاعل حيوي خلاق، ليتحول الحوار من أداة تشظية وتفتيت وتوسيع خلاف إلى رافعة بناء فكرية، تاريخية خضارية، فلسطينية إنسانية، تحررية نهضوية حقيقية.

إن جدوى مواصلة هذا الحوار وأهميته تكمن بالضبط في هذا الالتحام التاريخي التفاعلي؛ حيث تلتقي رصانة التشريح البنيوي العميق بسمو المبادئ الإنسانية العليا، لنشرع معاً، نحن المنخرطين فيه: أفراداً ومجموعات مثقفين عضويين جمعيين، فلسطينين إنسانيّين، وإنسانيين فلسطينيين، وشعوباً وأمماً تنتمي للإنسانية الجوهرية، في صوغ، واعتماد والشروع في إنفاذ وتطبيق جميع مقتضيات "البيان التأسيسي للنهضة التحررية الحضارية العربية الشاملة" الذاهبة صوب بناء "الحداثة العربية الحضارية الخاصة"، وذلك في سياق النهوض التحرري الحضاري للإنسانية الجوهرية الكونية بأسرها.

 

مواضيع ذات صلة

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.