7
    

يصادف اليوم عيد الميلاد الثاني بعد المائة لوالدتي، حمامة سليم ملحيس، التي رحلت عن دنيانا قبل ستة وعشرين عامًا، لكنها لم تغادر حياتنا يومًا. وقبلها بربع قرن، رحلت جدتي آمنة درويش ملحيس، أم والدتي، لتبقى هي الأخرى حاضرة في تفاصيل حياتي وحياة أخواتي وإخوتي، وفي ذاكرة كل من عرفها.

امرأتان جمعتهما رابطة الأمومة والبنوة، واختلفتا في طباعهما وتجربتيهما، لكنهما اشتركتا في ترك أثر عميق في نفوس من حولهما، وفي تشكيل وعيي المبكر بالحياة والإنسان والمجتمع.

كانت جدتي امرأة مستقلة وجسورة، عصية على التطويع، تتحدى الأعراف التي أرادت للمرأة أن تكون ظلًا للرجل، وتدافع عن حقها في الاختيار والاستقلال والكرامة. 

أما أمي، فكانت امرأة يتسع قلبها للعالم، تمنح الحب بلا حساب، وتواجه قسوة الحياة بابتسامة لا تفارق وجهها، وتجد في الرضا والتسامح والعطاء مصادر للسعادة ومعنى للحياة.

من جدتي تعلمت أن الحقوق لا تُصان بالتمني، وأن بلوغها يحتاج إلى إرادة وشجاعة واستقلال. ومن أمي تعلمت أن الحب عطاء، وأن الرضا أساس السعادة، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يجمعه لنفسه، بل بما يقدمه للآخرين وبالأثر الذي يتركه في حياتهم.

آمنة: امرأة عصية على التطويع

عاشت جدتي آمنة في مجتمع كانت فيه المرأة، في كثير من البيئات الاجتماعية، مطالبة بأن تكون ظلًا للرجل؛ أبًا كان أم زوجًا أم أخًا. لم يكن لها، في الغالب، حق اختيار شريك حياتها، إذ كانت قرارات الزواج تخضع لحسابات النفوذ الاجتماعي والاقتصادي، وتُقاس مكانة المرأة بمدى طاعتها، وبما تنجبه من ذكور.

كانت جدتي الابنة الوحيدة بين ثمانية أشقاء، توزعوا بين قرية سيلة الحارثية، حيث امتلك بعضهم الأراضي واشتغلوا بالزراعة وتربية المواشي، ومدينة نابلس، حيث استقر آخرون وامتهنوا التجارة والصناعات الحرفية، ومنها صناعة الأثاث والأحذية.

ووفقًا لأعراف ذلك الزمان، ارتأى أشقاؤها تزويجها من ابن عمها، الذي لم يُرزق بأبناء ذكور من زواجه الأول. ولم يكن لجدتي في هذا القرار ما يُذكر من حق الاختيار.

لم يطل زواجها، إذ توفي جدي مبكرًا إثر نزيف حاد أصابه بعد إخضاعه للفصد، وهو إجراء علاجي كان شائعًا آنذاك، يقوم على إخراج الدم من الجسم. ولم تكن جدتي قد بلغت العشرين من عمرها.

لم يكن زواجها هانئًا؛ فقد عانت فيه من القسوة ما جعلها تحسم أمرها بألا تكرر التجربة، واكتفت منه بابنتها الوحيدة، أمي حمامة.

لكن قرارها عدم الزواج مجددًا لم يكن سوى بداية معركة أكبر: معركة حقها في أن تعيش مستقلة، وأن تتولى شؤونها بنفسها، وألا تتحول الأرملة الشابة وابنتها إلى ذريعة لانتزاع استقلالها.

كانت الأعراف المحيطة بها تقول إن ستر المرأة في زواجها، وإن عليها أن تقبل بما يقرره الرجال من أهلها. وكانت أملاكها، التي ورثت بعضها عن أبيها وبعضها عن زوجها، موضع إغراء لأشقائها، الذين رأوا أن إدارة الأراضي واستثمارها مما لا يحسنه سوى الرجال.

لكن آمنة لم تكن مستعدة للتنازل، لا عن حريتها، ولا عن أملاكها، ولا عن حقها في تربية ابنتها بالطريقة التي تراها مناسبة.

وعندما علمت، عن طريق أحد أشقائها، بترتيبات تُجرى لتزويجها مرة أخرى، لم تنتظر المواجهة، ولم تستسلم للأمر الواقع. اتخذت قرارها بالرحيل، مصطحبة طفلتها حمامة، التي كانت يومها رضيعة.

في ليلة من ليالي منتصف عشرينيات القرن الماضي، غادرت آمنة سيلة الحارثية متجهة إلى نابلس، حيث لجأت إلى شقيق لها كان يتعاطف معها. قطعت الطريق على ظهر دابة حتى بلغت جنين، ومنها استقلت الحافلة إلى نابلس، التي وصلتها صباحًا.

كانت رحلة شاقة لامرأة تحمل رضيعتها، لكنها كانت، في جوهرها، رحلة نحو الحرية. لم تكن تهرب من مسؤوليتها تجاه ابنتها، بل كانت ترفض أن يقرر الآخرون مصيرها، وتختار أن تتحمل بنفسها تبعات قرارها.

وكانت تلك الخطوة درسًا لأشقائها. أدركوا أن شقيقتهم ليست امرأة يسهل إخضاعها، فتعهدوا بالكف عن الضغط عليها، على أن تعتمد على نفسها في توفير مستلزمات تربية ابنتها. وهذا، في حقيقة الأمر، كان كل ما أرادته: أن تُترك لتدير حياتها بنفسها.

عادت آمنة إلى قريتها، وسكنت غرفة في حوش تسكنه العائلة وتتشارك فيه الخدمات، وبدأت فصلًا جديدًا من حياتها، متولية إدارة أملاكها بنفسها.

كان الجميع يراقبها، بعضهم مترقبًا إخفاقها، وبعضهم منتظرًا أن ترفع الراية البيضاء. فالعمل في الأراضي الزراعية، والإشراف على مواسمها، وتسويق المحاصيل، مسؤوليات شاقة حتى على الرجال؛ فكيف بامرأة أرملة تعيل طفلتها وحدها، في مجتمع لا يمنحها كثيرًا من الفرص ولا يتوقع منها النجاح؟

لكنها لم تكن تنوي أن تمنح المتشككين ما ينتظرونه. تحملت المسؤولية، وأدارت شؤون أرضها، وواجهت مشاق الحياة منفردة. ولم تكتف بالحفاظ على ما تملك، بل اتخذت قرارًا بألا تفرط في شبر واحد من أرضها، وأن تستثمر عوائد المحاصيل في توسيع ممتلكاتها.

وهكذا، تحولت المرأة التي أراد بعضهم إخضاعها إلى نموذج يُحسب له حساب. أعجب بها كثيرون من أهل القرية، وقلق بعض رجالها من أن تصبح تجربتها مثالًا تحتذي به نساء أخريات، فيما كانت نساء القرية يراقبنها بإعجاب لا يخلو، ربما، من غبطة وحسد.

كانت آمنة تقدم، بالفعل لا بالقول، برهانًا على أن المرأة قادرة على إدارة شؤونها، وأن الاستقلال ليس امتيازًا ذكوريًا، بل قدرة إنسانية تتوافر لمن يمتلك الإرادة ويقبل تحمل المسؤولية.

معركة التعليم: حين تصبح الإرادة مستقبلًا

لم يكن استقلال جدتي غاية في ذاته؛ فقد كانت تدرك أن الحرية التي تنتزعها لنفسها ينبغي أن تفتح بابًا أوسع لابنتها.

أرادت أن تحصّن أمي بالعلم، وأن تمنحها ما لم يكن متاحًا بسهولة لفتيات جيلها. ولم تكن في القرية سوى مدرسة ابتدائية للذكور.

عندما بلغت أمي السادسة من عمرها، نحو عام 1930، قررت جدتي إلحاقها بالمدرسة. ولأنها أرادت تجاوز الاعتراضات المتعلقة بكونها فتاة، حلقت شعرها حتى لا يختلف مظهرها عن مظهر أقرانها من الصبية.

كان القرار صادمًا لكثيرين، فقوبل باستهجان ومعارضة واسعين. لكن جدتي لم تتراجع. وضعت أمام المعترضين البدائل المتاحة: إما أن تذهب ابنتها إلى مدرسة في جنين، التي تبعد نحو عشرة كيلومترات، بما ينطوي عليه الذهاب والإياب يوميًا من مشقة ومخاطر، وإما أن تُقبل في مدرسة القرية. 

وكان لها ما أرادت.

أنهت أمي تعليمها الابتدائي في مدرسة الذكور، لتكون تلك التجربة شاهدًا آخر على أن جدتي لم تكن تكتفي بالاعتراض على الأعراف، بل كانت تبحث عن سبل عملية لتجاوزها.

لقد فهمت، بفطرتها وتجربتها، أن الاستقلال الاقتصادي يحمي المرأة من الارتهان للآخرين، وأن التعليم يمنحها أدوات أوسع لفهم الحياة ومواجهة تحدياتها. ولم تكن بحاجة إلى تنظير طويل لتدرك أن تمكين ابنتها يبدأ بمنحها فرصة التعلم.

ولعل من أهم ما تعلمته من حكاية جدتي أن الشجاعة لا تعني مجرد رفض الظلم، بل تعني أيضًا امتلاك القدرة على بناء بديل، وتحمل تبعات الاختيار، وفتح طريق لمن يأتي بعدنا.

كرامة الإنسان فوق أحكام المجتمع

لم تكن معارك جدتي من أجل حريتها وأملاكها وتعليم ابنتها سوى جانب من شخصيتها التي لم تقبل أن تكون الأعراف الاجتماعية حكمًا نهائيًا على ما هو صواب وما هو خطأ.

ففي مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، تعرضت فتاة من القرية للقتل على يد أهلها بدافع ما كان يُسمى «الشرف». وقرر أهل القرية حرمانها من مراسم الدفن.

عندها ثارت جدتي، وقررت أن تواجه هذا الإجماع. توجهت إلى بيت الفتاة، مدافعة عن حقها في الغسل والتكفين والدفن، مستندة إلى إيمانها بأن المرأة التي فارقت الحياة أصبحت بين يدي خالقها، وهو الذي يتولى حسابها، لا الناس الذين نصبوا أنفسهم قضاة عليها.

ودعت نساء القرية إلى مشاركتها في غسل الفتاة وتكفينها ودفنها وفقًا لما يمليه الدين الإسلامي. واستطاعت أن تحقق ما أرادت.

كان موقفها، في سياق ذلك الزمان، أكثر من فعل تضامن مع امرأة فارقت الحياة؛ كان دفاعًا عن كرامة الإنسان، وعن حقه في ألا يُحرم من أبسط حقوقه الإنسانية والدينية تحت ضغط الجماعة أو باسم تقاليدها.

لقد أدركت، بوضوح أخلاقي نادر، أن الاحتكام إلى الضمير لا تكون له قيمة حين يكون الحق في صالحنا وحدنا، بل حين نجرؤ على الدفاع عنه عندما يقف المجتمع بأسره في الجهة المقابلة.

ما غرسته آمنة في وعيي

حين أستعيد اليوم سيرة جدتي، لا أراها مجرد امرأة استثنائية في تاريخ عائلتنا، بل أراها مدرسة مبكرة في فهم الحياة والإنسان والمجتمع.

منها تعلمت أن الحق والباطل لا يتغيران لمجرد أن الأكثرية اختارت أحدهما، وأن العرف، مهما طال عمره، ليس مبررًا كافيًا للظلم. وتعلمت أن الناس متساوون في الكرامة الإنسانية أمام خالقهم، وأن اختلاف الأدوار والمسؤوليات لا يبرر الانتقاص من الحقوق.

وتعلمت أن الحرية ليست دعوة إلى تجاوز حقوق الآخرين، بل هي حق أصيل في الاختيار، ما دام الإنسان لا ينتهك حقوق خالقه وحقوق غيره. وأن الإرادة شرط أساسي لانتزاع الحقوق وصونها؛ فلا يكفي أن نعرف ما هو حق لنا، بل علينا أن نمتلك الشجاعة للدفاع عنه.

كما رسخت في ذهني أن العمل والاستقلال الاقتصادي ليسا مجرد وسيلة لتأمين متطلبات الحياة، بل هما مصدر قوة وكرامة، يحميان الإنسان من الارتهان، ويمنحانه مساحة أوسع لاتخاذ قراراته بحرية.

ولعل الدرس الأعمق أن التغيير لا يبدأ بالضرورة من موقع قوة أو نفوذ. فقد تبدأ حكايته من امرأة أرملة، في قرية صغيرة، تقرر أن تربي ابنتها بطريقتها، وأن تحافظ على أرضها، وأن تدافع عن حق امرأة أخرى في دفن كريم.

لم تكن جدتي تملك سلطة اجتماعية تمنحها القدرة على فرض إرادتها، لكنها امتلكت ما هو أبقى أثرًا: وضوح البوصلة الأخلاقية، والإرادة التي لا تستسلم، والاستعداد لتحمل تبعات الموقف.

تلك هي آمنة التي عرفتها من حكايات الحياة وذاكرتها، وتلك هي المرأة التي ما تزال حاضرة في وعيي، بعد كل هذه العقود.

حمامة: قلب يتسع للعالم

أما أمي، حمامة، فقد علمتني وجهًا آخر من وجوه القوة الإنسانية.

إذا كانت جدتي قد علمتني كيف يصون الإنسان حريته وكرامته، وكيف ينتزع حقه في الاختيار، فقد علمتني أمي كيف يصون قلبه من القسوة، وكيف يجعل الحب والتسامح والرضا سبيلًا إلى السعادة، حتى حين لا تكون الحياة سخية بما يكفي.

لم تفارق الابتسامة وجهها، حتى في أحلك الظروف. ولم يمنعها شغفها بالحياة من الترفع عن مباهجها، أو يجعلها أسيرة للمظاهر ومغرياتها. كان قلبها يتسع للكون بأسره، ولم تقتصر أمومتها على أبنائها وبناتها الاثني عشر، بل تجاوز عطاؤها حدود الأسرة، ليشمل كل من عرفها أو احتاج إلى حنانها ومساندتها.

كانت تمنح كل واحد من أبنائها شعورًا بأنه الأثير لديها، وأن له في قلبها مكانة لا ينازعه فيها أحد. ستة ذكور وست إناث، لكل منهم شخصيته وحكايته، لكنهم جميعًا وجدوا في أمهم ملاذًا من تقلبات الحياة، ومصدرًا للأمان والمحبة.

ولم يكن عطاؤها مقتصرًا على أبنائها؛ فقد تفانت في رعاية ودعم زوج أحبته، وتحملت معه مسؤوليات الحياة. كان قد تولى مسؤولية أسرته منذ الثالثة عشرة من عمره، بعد رحيل والده، بصفته الأخ الأكبر لثلاثة أشقاء وثلاث شقيقات. وتولى مسؤوليات في الشأن العام وخدمة شعبه ووطنه إلى جانب عمله. وقد تحملت أمي الجزء الأكبر من مسؤولية تربية أبنائها الاثني عشر ورعايتهم، من دون أن تنغلق على أسرتها أو تجعلها حدودًا لعطائها.

حين واجهت أمي الخوف

ومن المواقف التي لا أنساها، والتي تكشف جانبًا عميقًا من شخصية أمي.

 في تشرين الأول عام 1967، قادت طالبات المدرسة العائشية مسيرات احتجاجية وإضرابات واسعة ضد الاحتلال. وفي محاولة لقمع هذه التحركات الطلابية المبكرة، لجأت سلطات الاحتلال إلى ترهيب الطالبات وأسرهن. وفي هذا السياق، داهمت منزلنا، بعد الواحدة ليلًا، فرقة من قوات الاحتلال يزيد عدد أفرادها على عشرين جنديًا، لاعتقالي بسبب مشاركتي في قيادة المظاهرة الطلابية. كان والدي مسافرًا، وكنت أنا وصديقتي فيحاء عبد الهادي، بحسب ما أذكر، أول فتاتين تتعرضان للاعتقال في أعقاب تلك المظاهرات.

في تلك اللحظات العصيبة، لاحظت أمي ارتباكي وقالت لي ببساطة وثبات: «لا تخافي». لم تكن الكلمات طويلة، لكنها بقيت في ذاكرتي؛ فقد جاءت في لحظة كان الخوف فيها حاضرًا بكل ما يحمله من تهديد وغموض وذكريات مروعة عما تعرض له شعبنا الفلسطيني عام 1948. اتصلت بوالدة فيحاء، عصام عبد الهادي، واتصلتا برئيس البلدية حمدي كنعان، الذي تدخل على الفور. وبعد خمس ساعات من التحقيق، خضعت كل واحدة منا خلالها للتحقيق على انفراد، عدنا إلى المنزل، فوجدت رجال العائلة والحي مجتمعين فيه. كان رأيهم أن ما حدث يستوجب منعي من الذهاب إلى المدرسة، وكأن الحل في مواجهة بطش الاحتلال هو أن أتراجع عن حقي في الاحتجاج والتظاهر وفي التعليم، وأن أُحرم من مواصلة حياتي الطبيعية بذريعة تجنب الخطر.

كان بإمكانها أن تستسلم للقلق، أو أن تحاول إقناعي بالابتعاد عن كل ما قد يعرضني للخطر، لكنها اختارت أن تمنحني الطمأنينة والقوة. فلم تقبل هذا المنطق.

صرخت في وجه الجميع، وقالت بحزم إن لديها أسرة تعرف كيف تتصرف. رفضت أن يتحول إرهاب المحتل والاعتقال إلى ذريعة لحرماني من المدرسة، أو أن يصبح الخوف الذي فرضه الاحتلال سببًا في فرض قيود جديدة عليّ داخل المجتمع والأسرة. وفي اليوم التالي، ذهبت إلى المدرسة.

أدركت يومها أن شجاعة أمي لم تكن في غياب الخوف، بل في رفضها أن تمنحه سلطة على قراراتنا. وأن الحب لا يعني أن نحاول إبعاد من نحب عن كل خطر مهما كان الثمن، بل أن نمنحهم الثقة والقوة كي يواجهوا الحياة، وأن نقف إلى جانبهم حين يحاول الآخرون إقناعهم بالتراجع.

كانت أمي، في تلك اللحظة، تمارس ما آمنت به طوال حياتها: تحمي أبناءها، لكنها لا تجعل الحماية مرادفًا للمنع؛ وتمنحهم الحب، لكنها لا تجعل الحب قيدًا على حريتهم؛ وتواجه قسوة الحياة بإرادة لا تقل صلابة عن رقتها.

وكانت أمي تعرف، بالفطرة والممارسة، أن الحب ليس شعورًا نحتفظ به لأنفسنا، بل عطاء يتجدد بالفعل، وعلمتنا أن الزواج ليس علاقة تقوم على العاطفة وحدها، بل مسؤولية مشتركة، وأن الأبناء ليسوا ملكًا لوالديهم، بل نعمة من الخالق ائتمنهما عليها، وكلفهما برعايتها وإعدادها للحياة.

ومنها تعلمت أن الرضا أساس السعادة، وأن الإنسان يستطيع أن يكون غنيًا بما يملكه من طمأنينة ومحبة، حتى إن لم يمتلك كل ما يرغب فيه. وأن المادة، على أهميتها، ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتيسير الحياة، وأن الجوهر أعمق من المظهر، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يكون، وبما يمنحه للآخرين، وبالأثر الذي يتركه في حياتهم.

وتعلمت منها أن الدين ليس ادعاءً أو مظهرًا، ولا يقتصر على الشعائر بمعزل عن الحياة، بل هو إيمان وأخلاق وسلوك، يتجلى في الصدق والرحمة والعدل واحترام الإنسان.

وعلمتني أن الوقوف مع الحق لا تحدده كثرة أصحابه أو قلتهم؛ فالحق لا يصبح حقًا لأن الأكثرية أيدته، ولا يفقد قيمته لأن الناس أعرضوا عنه.

ولعل ذلك أحد أوجه التلاقي العميق بين أمي وجدتي: فقد تعلمت من كلتيهما، وإن اختلفت طرائق التعبير، أن المعيار الأخلاقي أسبق من حسابات المصلحة، وأن على الإنسان أن يفعل ما يعتقد أنه صواب، لا ما يضمن له رضا الناس أو يجنبه اعتراضهم.

ومن أمي أيضًا تعلمت أن العمل عبادة، وأن القوة ليست في التسلط على الآخرين، وإنما في قوة الإرادة والقدرة على إحقاق الحق. 

ومنها تعلمت أن الوطن أمانة، وأن الانتماء إليه لا يكتمل بمجرد الانتساب، بل بما نبذله من أجل صونه وإعماره، وبما نتحمله من مسؤولية تجاه حاضره ومستقبله.

وكانت ترى البشر، في جوهر إنسانيتهم، سواسية؛ فلا عرق يرفع إنسانًا فوق آخر، ولا لون، ولا دين، ولا مذهب يبرر الانتقاص من كرامة أحد. فالإنسانية أوسع من الحدود التي يرسمها البشر بينهم، والعدل لا يكون عدلًا إذا اقتصر على من يشبهوننا أو يشاركوننا معتقداتنا وانتماءاتنا.

أما العمر، فكان في منظومتها الإيمانية أمانة أخرى. فعمر الإنسان بيد الخالق وحده، وليس له أن يختار مدته، لكنه يستطيع أن يختار كيف يوظف أيامه، وفيما ينفق جهده، وما يتركه وراءه.

ومن هنا استقر في وجداني أحد أعمق الدروس التي تلقيتها منها: أن الإنسان لم يُخلق ليستهلك الحياة فحسب، بل ليعمر الكون، ويؤدي ما عليه من واجبات، ويجعل وجوده إضافة نافعة إلى حياة الآخرين.

ولعل العبارة التي تختصر هذه الفلسفة الإنسانية، وتلخص ما أرادت أمي أن تغرسه فينا، هي أن الإنسان ينبغي أن يجعل الحياة، عند رحيله، أفضل مما كانت عليه عند قدومه.

امرأتان وإرث لا ينقضي

اليوم، وأنا أستعيد ذكرى أمي في عيد ميلادها الثاني بعد المائة، أجدني أستعيد معها جدتي آمنة، التي سبقتها إلى دار البقاء بربع قرن. وأدرك أنني، حين أكتب عن إحداهما، لا أستطيع أن أفصلها عن الأخرى؛ فقد كانتا، كل بطريقتها، شريكتين في تشكيل وعيي المبكر، وفي رسم ملامح القيم التي أحتكم إليها في فهم الحياة والإنسان والوطن.

لم تكن أي منهما تملك أدوات التأثير التي نتحدث عنها اليوم؛ لم تكتب جدتي نظريات عن استقلال المرأة، ولم تضع أمي فلسفة مكتوبة للحياة. لكنهما عاشتا ما آمنتا به، وتركتا في نفوس من عرفهما ما قد تعجز عن تركه الكتب والخطب.

ولعل هذا هو جوهر الإرث الإنساني: ألا يقتصر أثرنا على ما نملكه أو ننجزه في حياتنا، بل يمتد إلى ما نزرعه في وعي الآخرين، وإلى القيم التي تواصل الحياة من خلالهم بعد رحيلنا.

لقد رحلت آمنة، ورحلت حمامة، لكنهما لم تغادرا عالمي. أراهما في المواقف التي أختار فيها الحق على المصلحة، وفي القناعة بأن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وفي الإيمان بأن قيمة الإنسان لا تحددها هويته أو ثروته أو موقعه الاجتماعي. وأستحضرهما حين أرى أن الحب لا يكون صادقًا إلا بالعطاء، وأن الرضا لا يعني الاستسلام، وأن العمر، مهما طال أو قصر، لا تكتمل قيمته إلا بما نفعله فيه وللآخرين.

في عيد ميلاد أمي الثاني بعد المائة، لا أريد أن أكتفي برثائها أو تعداد مناقبها؛ أريد أن أشهد لها ولجدتي بأن ما غرستاه في نفسي لم يكن عابرًا، وأن أثرهما لم يتوقف عند حدود العائلة، بل امتد إلى رؤيتي للإنسان والحياة.

وإذا كان لي أن ألخص ما أخذته من هاتين المرأتين، فإنني أقول إن آمنة علمتني كيف أدافع عن الحق، وعلمتني حمامة لماذا يستحق الحق أن ندافع عنه: لأن الإنسان، في نهاية المطاف، لا يترك وراءه ما امتلكه، بل ما صنعه من خير، وما أودعه في قلوب الآخرين من حب، وما أسهم به في جعل الحياة أفضل مما كانت عليه حين جاء إليها.

رحم الله آمنة درويش ملحيس، ورحم الله حمامة سليم ملحيس.

ستبقيان في ذاكرتي أكثر من جدة وأم؛ ستبقيان شاهدتين على أن امرأة واحدة تستطيع أن تتحدى زمنها، وأن امرأة أخرى تستطيع أن تجعل الحب وطنًا لمن حولها، وأن الأثر الأصدق للإنسان هو ما يبقى حيًا في ضمائر من أحبوه وعرفوه.

إلى أمي، في عيد ميلادها الثاني بعد المائة: شكرًا لأنك كنتِ أمي، ولأن ما تعلمته منكِ ومن جدتي ما يزال يعلمني كيف أعيش.

 

مواضيع ذات صلة

هذه النسخة تجريبية من الموقع الالكتروني وما تزال قيد البناء والتطوير.