
بدأت أحداث التغريبة الفلسطينية للشابة بيان إعمر (33 عامًا)، وسكان حيّ جبل النصر، التابع ل مخيم نور شمس، يوم الثامن من شباط، من العام 2025. أما بالنسبة لأجدادها فقد بدأت يوم تطهير قريتهم إجزم/ جنوب حيفا، يوم الثاني والعشرين من تموز، من العام 1948.
طرد جيش الاحتلال الإسرائيلي بيان من بيتها بقسوة يصعب وصفها، وبطريقة همجية جدًا.
"لم يكن تهجيرًا.. كان انتزاع الروح من المكان". بهذا الوصف لخّصت ما حدث معها، ضمن شهادة وثقها معها "مركز الرواة للدراسات والأبحاث"، حول تهجيرها من مخيم نور شمس.
وصفت كيف تمّ اجتياح المخيم - في رمضان، أيام الشتاء - بكميات كبيرة من المعدّات العسكرية، بدأت بتفجير معظم بيوت الحارة، مما تسبّب في خلع أبوابها، أثناء وجود سكانها فيها.
كانت الشابة في بيتها مع زوجها وأطفالها السبعة، وأصغرهم رضيعًا، حين طلب الجنود منهم إخلاء البيوت تمامًا خلال نصف ساعة. دخل 33 جنديًا على البيت، بعد أن فجّروا بابه، وهم مدجّجون بأنواع الأسلحة كافة، مع كاميرات توثق كل صغيرة وكبيرة. أرعبوا أهل البيت، وبدأوا بالصراخ وإلقاء الأوامر، ثم بالضرب والتكسير بشكل همجيّ.
وقفت الشابة حائرة وعاجزة أن تقرّر ما الذي يمكن أن تحمله من بيتها خلال ثلاثين دقيقة؟ ملابس أطفالها؟ حليب رضيعتها؟ حقائب أطفالها؟ كتبهم؟ ألعابهم؟ كتبها؟ ذكرياتها؟ صورها؟ هل يمكن أن تأخذ حياة كاملة معها؟
*****
خلال ساعة واحدة فقط كانت بيان وخمسة من أطفالها في الشارع، يبحثون عن مأوى، أما زوجها وولداها (13، و10 سنوات) فقد اعتقلهم أفراد الجيش، واتخذوهم دروعًا بشرية، بحجة البحث عن درون التصوير الذي أضاعوه.
لم تكن تعرف ماذا تفعل بعد أن طردها جيش الاحتلال من بيتها، وحدّد لها مسارًا إجباريًا. وما كادت تخرج، حتى عادت بسرعة لإحضار لعبة تعلّقت بها طفلتها، بينما كان الجندي يصرخ عليها؛ مما جعله ينتزعها من يديها ويمزّقها ويرميها.
مشت صائمة تحت المطر - وهي تحمل طفلتها الرضيعة، وابنها ذي الخمس سنوات، الذي يعاني من كسر في رجله - حتى وصلت إلى ذنّابة. بعدها عجزت عن مواصلة السير والحركة، وقررت ألّا تمضي إلى أي مكان قبل أن تعرف مصير زوجها وأطفالها الذين اعتقلهم جيش الاحتلال. استضافتهم عائلة من قرية ذنّابة، وآوتهم لساعة، حتى وصلها خبر إطلاق سراح أفراد عائلتها.
في كل مرّة من المرّات الخمس التي نزحت فيها بيان؛ كانت تحاول أن تعود إلى بيتها، وكان يجبرها جيش الاحتلال على الخروج منه، لتعود ثانية: عادت يوم 13 شباط، ثم يوم 21 من الشهر ذاته، لتطرد بقسوة كبيرة، بعد أن ضربها الجنود على قدمها، التي كانت قد أجرت لها عملية جراحية، وحققوا مع زوجها. ورغم ذلك لم تكفّ العائلة عن محاولة العودة، حتى عرفت أن بيتها قد تمّ تفجيره، وأنه حرق بالكامل.
عاشت العائلة تجربة النزوح المرّة؛ سكنت لأيام مرّة في مسجد، ومرّة في ناد شبابي؛ الأمر الذي جعلهم يحاولون العودة مرارًا إلى بيتهم. كانوا يتصلون بأقرب ناس يكشفون منطقتهم؛ ليسألوا إذا كان الجنود قد غادروا بيتهم، ليعودوا، إلى أن يداهمهم جيش الاحتلال، ويخرجهم مرّة تلو أخرى.
توجّهوا بعد حرق بيتهم إلى قرية اكتابا، ثم باقة الشرقية، ثم ذنابة، وسكنوا مدة شهر في مركز إيواء، مع مائتي عائلة مهجّرة، حيث عانوا الأمرّين جرّاء الفوضى، وانعدام الخصوصية، وقلة النظافة؛ حتى أن بيان أصيبت بجلطة خلال هذه الفترة. بقيوا مدة شهر، نزحوا بعدها إلى بلدة كفر اللبد، واستأجروا بيتًا هناك.
*****
كان أكثر ما افتقدته بيان كتبها المدرسية؛ إذ كانت تستعد لتقديم امتحان الثانوية العامة، لأنها كانت قد انقطعت عن الدراسة بسبب زواجها المبكر. كانت تبكي كلما تذكرت حقيبتها الدراسية، وحقائب أطفالها، الذين انقطعوا عن الدراسة. وحين كان من حولها يستنكرون بكاءها بسببب ورقة وقلم؛ كانت تجيب بوعي عميق لقيمة العلم والتعليم: "ورقة وقلم هي إللّي رَح تنجدني، لمّا أنا خسرانة بيتي وكلّ إشي، ليش ما أجيب إشي أتعلّمه وأستفيد منّه أنا واولادي؟!".
أحبّت الكتابة حبًا جمًا، وكتبت عن تجربة نزوحها، وصمّمت أن تستكمل تعليمها. كما تواصلت مع عدد من المؤسسات المجتمعية، التي دعمتها، وطلبت منها أن تتحدث باسمها، مما شجّعها على الكتابة، ومحاولة نشر ما تكتب: "كتبتُ رواية، وهي شهادة عن النزوح، إسمها: ما زالت هنا، بِدها حدا يتبَنّاها ويطبعها".
*****
كان وصف بيان لبيتها مؤثّرًا جدّا. وصفت الساحة الكبيرة التي تحيط البيت، والتي تحرص وعائلتها على زراعتها. تحدثت عن شقتها التي تكشف طولكرم، والمنطقة كلها، وتردّ الروح، وكيف ملأت شرفتها بأنواع الزرع والخضار: "إحنا الشعب الفلسطيني متمسّكين بالأرض. أنا شخصيًا وين ما بَروح بتلاقيني حاملة وردة، أو ميرمية، أو نعنع، أو زعترات، وأي مكان بَشوفه فاضي بَمسِك وبَزرَع".
وحين عادت في المرة الأولى خلسة إلى بيتها؛ كان أول ما تفقّدت مزروعاتها، ووجدتها متيبسة؛ الأمر الذي جعلها تنفجر بالبكاء، وحين تساءل زوجها عن سبب بكائها على الزّرع، في الوقت الذي فقدت فيه البيت كلّه: أجابت: "الوردات اللي أنا يوم يوم بَصحى عليهم لقيتهم ناشفين، وهذا الصراحة حرق دمي حرق".
*****
تعلّقت بيان وأفراد عائلتها بالمخيم، وعبّرت عن ذلك على امتداد شهادتها: "المخيّم حياة، المخيّم روح، المخيّم أكسجينّا ونَفَسنا". ولم يمنع تعلقها العاطفي بالمخيم، وإيمانها بحتمية العودة إليه، - بعد خروج جيش الاحتلال منه -، من التفكير بشكل عملي عن كيفية ترميم بنيته التحتية، بعد تدميرها، بالرغم من الدمار الذي أصاب بيتها: "بَسّ بِتفَكّري كيف بِدّك ترجعي عَ الدّار؟ كيف بدِّك ترَمّميها، إنشا الله رح نرجع".
لم تستطع أن تحتفظ بمفتاح بيتها، رغم أنها حملته حين غادرت البيت آخر مرة؛ لأن جنديًا من جنود جيش الاحتلال طلبه منها: "أعطيني المفتاح وما تِرجَعيش". رمت المفتاح في الهواء، قائلة: "لا إلي ولا لأعدائي، خلّيه بالشارع، ولا أعطيك ايّاه".
www.faihaab.com