
هل يمكن أن نتخيل عالمًا يخلو من الهيمنة، والسيطرة، والعنف، والاحتلال، والعدوان؟
هل يمكن أن نتخيل عالمًا تسود فيه المشاركة، والإنصاف، والعدالة، والمساواة، وتكافؤ الفرص، ويسود فيه العدل، ويعمّ السلام؟
هل يمكن أن نتخيّل عالمًا تحتكم الناس فيه؛ دولًا وأفرادًا إلى القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني؟
هل يأتي يوم تنتهي فيه سياسة الإفلات من العقاب، ويعاقب فيه المسؤولون عن أشكال العنف كافة، بما في ذلك الاغتصاب والعنف الجنسي؟
هل يأتي يوم تحترم فيه قرارات محكمة الجنايات الدولية، ويحاسب فيه مجرمو الحرب، ومرتكبو الإبادة الجماعية؟
*****
منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023؛ والفلسطينيون وأحرار العالم يشعرون بأن العالم قد أدار ظهره للقانون الدولي، وتجاهله كليًا، وأفرغه من محتواه، وأن العديد من الدول التي توافقت على المواثيق والقوانين الدولية، التي تدعو لاحترام حقوق الإنسان، بعد الحرب العالمية الثانية؛ تنكّرت لما توافقت عليه، وانتهكت مبادئ حقوق الإنسان، والقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني مرارًا وتكرارًا.
لذا كان فوز المحامية والقاضية "نافي بيلاي" بجائزة نوبل للسلام بمثابة انتصار واحترام لمبادئ القانون الدولي، حيث تجسيد العدالة، ومبدأ المحاسبة والمساءلة، وحيث لا إفلات من العقاب، خاصة أن الجائزة كانت من نصيب قاضية ترأست لجنة التحقيق المستقلة، التابعة للأم المتحدة، التي اتهمت إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية" في قطاع غزة.
وحين أعلن رئيس لجنة نوبل النرويجية عن فوزها؛ أكّد أنها نالت الجائزة تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام وترسيخ القانون الدولي، وأنها لعبت دورًا محوريًا في ضمان ملاحقة مجرمي الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية قضائيًا.
*****
الفائزة بجائزة نوبل للسلام 2026؛ هي نافانيثيم بيلاي "نافي بيلاي"، المحامية الفذّة، والقاضية القديرة، والإنسانة المتواضعة، من أصول تاميلية هندية. ولدت العام 1941 في جنوب إفريقيا، واختارت التخصص في الأدب العام 1963، ثم القانون العام 1965، وكانت أول امرأة تفتتح مكتبًا للمحاماة في إقليم ناتال العام 1967، وأول امرأة من جنوب إفريقيا، تحصل على درجة الدكتوراة في العلوم القانونية من جامعة هارفارد، العام 1988.
هي المناضلة الحقوقية الصلبة، التي خاضت معارك قانونية عديدة، على الصعيد الوطني والصعيد الدولي، بدأت من جنوب إفريقيا، حيث تسلّحت بالقانون في مواجهة التمييز العنصري، ونظام الفصل العنصري، ودافعت عن حقوق المعتقلين السياسيين في جزيرة روبن، وأسهمت في انتزاع حقهم في الحصول على استشارات قانونية، وكشفت ممارسات التعذيب داخل السجون. تحدت الجهاز القضائي الذي كان يميز ضدها، حيث لم يكن مسموحًا لها الدخول إلى غرف القضاة، إلى أن انهار نظام الفصل العنصري، العام 1994، وعينت العام 1995 - أول امرأة غير بيضاء - قاضية بالإنابة في المحكمة العليا في جنوب إفريقيا.
وإلى جانب نضالها الحقوقي ناضلت على الصعيد النسوي، ضمن الائتلاف الوطني النسوي، لإدراج مبدأ المساواة في الدستور، الذي يحظر التمييز على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين، وشاركت في تأسيس المنظمة الدولية (المساواة الآن) (Equality Now).
ومن جنوب إفريقيا إلى راواندا، حيث انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية، وخاضت معارك قانونية، وشاركت في محاكمة المسؤولين عن جريمة الإبادة الجماعية في راوندا العام 1994.
وحين ترأست المحكمة الجنائية الدولية لراواندا، بين عامي 1999 و2003؛ أرست مبدأ هامًا يتعلق بالعنف الجنسي، حين أدرجت الاغتصاب والعنف الجنسي ضمن نطاق الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، حيث أكّد القضاة على أن "الاغتصاب أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي يشكّل جريمة ضد الإنسانية، بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وبموجب النظامين الأساسيين للمحكمتين الجنائيتين الدوليتين ليوغوسلافيا السابقة ولرواندا".
*****
ومن المحكمة الجنائية الدولي لراوندا، إلى المحكمة الجنائية الدولية، لتعمل قاضية، بين الأعوام: 2003-2008؛ وتشغل بعدها منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين الأعوام 2008 و2014، حيث واصلت عملها في تعزيز حماية حقوق الإنسان، والنضال ضد التمييز واللامساواة، وضد الانتهاكات والجرائم الدولية.
ومنذ العام 2021 ترأست المناضلة الحقوقية لجنة تحقيق مستقلة تابعة للأمم المتحدة، المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، ودولة الاحتلال، والتي قدّمت تقريرها في 16 أيلول العام 2025؛ الذي يتّهم إسرائيل بارتكاب جريمة إبادة جماعية في قطاع غزة، مستندًا إلى شهادات ميدانية، أكّدت مسئولية الجيش الإسرئيلي عن ارتكاب أربعة من الأفعال الخمسة التي تحدّدها اتفاقية الإبادة الجمعية لعام 1948، كأفعال إبادة جماعية، والتي تتمثل في: "قتل أفراد الجماعة المحميّة، وإلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بهم، وإخذاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية يقصد بها إهلاكها الجسدي كليًا أو جزئيًا، وفرض تدابير تهدف إلى منع الإنجاب داخل الجماعة".
*****
يأتي تكريم المناضلة الحقوقية د."نافي بيلاي"، الذي تزامن مع استهداف المحكمة الجنائية الدولية؛ ليؤكّد أهمية استلهام مسيرتها الحقوقية المتميّزة، وشجاعتها الاستثنائية؛ لمواصلة النضال على الصعيد القانوني، ضد الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، ولتقديم مجرمي الحرب إلى المحاكمة، وللحفاظ على المؤسسات الحقوقية التي تعمل وفق القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، كما تفعل المحكمة الجنائية الدولية.
*****
من فلسطين نشدّ على يديكِ؛ أيتها المحامية الفذّة، والقاضية القديرة، والإنسانة المتواضعة؛ "نافي بيلاي"؛ لنهنئكِ بالجائزة، ونستلهم مسيرتك الحقوقية والإنسانية، لنواصل مسيرة كفاحنا على الصعيد الحقوقي والسياسي والنسوي، ضد الاحتلال الإسرائيلي الاستعماري العنصري الاستيطاني؛ إذ لا سلام ولا أمان للشعب الفلسطيني، أو لشعوب الأرض كافة، دون تفعيل مبادئ القانون الدولي، الذي يكفل حماية كرامة الإنسان، وحقه في الحياة، وضمان حريته، وتحقيق العدالة، والمساواة، وعدم التمييز، وعدم الإفلات من العقاب.